#Entomology #insectweek #insect
السلسلة الثانية
تأملات في خَلق الفراشة (الجزء٢)
بقلم الدكتور يحيى مسرحي
#الفراشة
#اسبوع_الحشرات
السلسلة الثانية
تأملات في خَلق الفراشة (الجزء٢)
بقلم الدكتور يحيى مسرحي
#الفراشة
#اسبوع_الحشرات
أقبل العيد.. ببهجته و"مظاهره".. وانقضى رمضان.. بروحانيته و"أنسِهِ".. اللهم تقبّله منّا وأعده علينا أعواماً عديدة.. ونحن نرفل في ثياب الصحة والعافية
من أبرز مظاهر "العيد" لدينا.. في يوم الفطر السعيد هذا.. الزيارات المتبادلة.. وما يقدمه المرء لأضيافه من الحلوى والمشروبات.. التي يغلب عليها الطعم السكّري.. حتى أن البعض لا يحلو له رشف العصير إلاّ بالماصّة البلاستيكية.. تذكرت ذلك وجالت بخاطري الفراشات وهي تمتص الرحيق من الأزهار
الفراشات.. والعُثّ (تشبه الفراشات في التركيب العام، لكنها ليلية النشاط وذات ألوان باهتة، وأجنحتها تكون مفرودة أفقياً عند الراحة) لها طريقة اغتذاء واحدة.. خرطوم طويل تمتصّ به الغذاء السائل (رحيق الأزهار، عصارة النباتات والفاكهة، بعض السوائل العضوية الناتجة عن الحيوانات)
ولفترة طويلة اعتقد علماء الأحياء أن الفراشات والعثّ تعمل على "مصّ" السوائل كالماصّة العادية التي يشرب بها البشر العصير.. (وهذه هي فكرة معظمنا عن امتصاص الفراشة للسوائل).. ولكن.. مهلاً.. المقارنة بهذا الشكل أبعد ما تكون عن الحقيقة "والمنطقية"
فالماصّة البلاستيكية العادية التي تتناول بها عصيرك ذات قُطر كبير.. وعصيرك المثلّج المنعش نفسه عالي السيوله.. كالماء تماماً.. ولذا فأنت لا تحتاج سوى إلى "جهد" بسيط جداً من عضلات فكّك "لشفط" العصير إلى جوفك!.. أما في حالة الفراشة.. "وخرطومها".. وغذائها السائل فالأمر مختلف تماماً!!
حتى مع مقارنة "حجمك" ومضختك "ماصّتك" البلاستيكية مع حجم و"ماصّة" الفراشة.. وإليكم
للفراشات (والعثّ) خراطيم طويلة.. متوسّط طولها في العديد من الأنواع ما بين 1,5 - 3 سم.. يكون الخرطوم مطوياً (مُلتفاً) بشكل حلزوني في وضع الراحة.. وتمدّه الفراشة عند الاغتذاء وامتصاص الرّحيق.. عند أخذ "مقطع عرضي" للخرطوم نجده يتألف من "نطاقات" دقيقة
هذه النطاقات داخل الخرطوم تتألّف من أعصاب وعضلات دقيقة.. وقنوات لسائل "الهيمولمف".. يُحيط كل هذا بقناة دائرية "قناة الغذاء" .. وهي القناة التي تمتصّ عبرها الفراشة غذائها السائل.. هذه النطاقات تتألّف من "جُلَيْد" ذو خواصّ مزدوجة.. كارهة للماء (غير قابلة للبَلَل كالشّمع)
وخواصّ محبّة للماء (قابلة للبَلَل وتشرّب الماء كوَرَق النّشاف).. هذه الخواص الثنائية المتباينة للخرطوم.. مع أعصابه وعضلاته الدقيقة .. وسائل الهيمولمف.. وخواصّ الجُليْد نفسه عالية المرونة.. هي التي تؤمّن (بتيسير الخالق عز وجل) القدرة المذهلة لهذا الأنبوب الدقيق
أقطار "قناة الغذاء" ضمن الخرطوم..
القناة التي تمتصّ بها الفراشة الرّحيق أو أي غذاء سائل.. صغيرة جداً بالنسبة لماصّة.. يتراوح قطرها بين قطر شَعَرَة بشرية أو أصغر قليلاً.. إلى قطر ثلاث شَعَرَات في أكبر أنواعها.. فقط!.. ومثل هذا القطر الصغير جداً يجعل الامتصاص (بطريقتنا العادية) أمراً صعباً للغاية
فمعدّل التدفق للسوائل (كما تقرّر فيزياء ميكانيكا السوائل) يقل كلما قلّ قطر الأنبوب.. وهذا يتطلّب قدرة ضخ إلى أعلى (قدرة مصّ) عالية. تخيّل أن غذائك الوحيد هو السوائل.. ولا يمكنك أن تمتصها إلاّ عبر أنبوب بقطر شعرة بشرية!.. عندها سيكون تناول الطعام (امتصاصه) كابوساً بكل معنى الكلمة
كيف إن أضيف إلى ذلك أن رحيق الأزهار لا يوجد بشكل "بركة" تمتص منه الفراشة ما تشاء.. بل غالباً بهيئة قطرات صغيرة تفرزها "غدد الرحيق" في الأزهار.. وهذا ما يُضيف إلى صعوبة امتصاص مثل هذه السوائل
أضف إلى ذلك أن الرحيق نفسه ليس عالي السيولة كالماء.. بل به كمية من السكر تصل إلى نحو 30%.. ومعنى هذا أن الرحيق ذو قوام "قليل السيولة".. أي لزجاً.. وهنا تصبح "الاستحالة والكابوس" بالنسبة لنا أمراً غير ممكناً على الإطلاق
هل هذه كل "الصعوبات".. طبعاً لا!!.. القُطر الدقيق لقناة الغذاء في الخرطوم يزيد من "تلاصق" جزيئات السائل بجدران الأنبوب.. مما يتطلّب قدرة "مصّ أو شفط" غير عادية على الإطلاق !!
عندما "تهبط" الفراشة على زهرة.. يكون خرطومها ملتفاً.. تمدّه عبر آليات دقيقة.. وتناسق عصبي – عضلي فذّ.. حَرَكات مدّ الخرطوم وطيُّهُ تحصل بتناسق عجيب وفريد.. بين كل من أعصاب وعضلات دقيقة ضمن الخرطوم والرأس.. وضغط "هيدروليكي" ينشأ من سائل "الهيمولمف" بين الرأس والخرطوم
تتلمّس الفراشة مكان الرحيق.. وهناك العديد من "شعيراتٍ" حسية – كيميائية تنتشر على سطح الخرطوم .. وعند "وقوع" بداية الخرطوم على قطرة أو تجمّع من الرحيق .. ينساب "تلقائياً" في البداية إلى الخرطوم .. عن طريق الخاصية الشّعرية (كما يقرر العلماء ضمن الفكرة السائدة حالياً)
التدفق من الخرطوم إلى أمعاء (مَعْي) الفراشة يحتاج إلى "جهاز مضخّي" خاص.. يقبع في تجويف رأس الفراشة.. قوامه عضلات دقيقة .. تعمل بآلية غاية في التعقيد على "شفط" الرحيق عبر الخرطوم إلى المَعْي
جدران "قناة الغذاء" الداخلية ذات حلقات دقيقة متقاربة.. وهذا مما يسهّل "تشرّب" وانسياب السائل في البداية.. ومما يعزّز من تدفقه إلى المَعْي عبر المضخة العضلية.. كما أن هذا السَنَد والتقوية من هذه الحلقات الدقيقة يمنع من "انهيار" وانطباق جدران الأنبوب على نفسها عند الامتصاص
نظراً لصغر قطر الأنبوب .. وقوة تلاصق جزيئات السائل بجدران هذا الأنبوب الدقيق !.. بعد أن "تنتهي" الفراشة من رشف ما قُدّر لها من رزق.. تطوي خرطومها.. وتذهب إلى حال سبيلها.. ولكن "بقايا" الرحيق "اللزج" قد تبقى في الأنبوب
وقطعاً سيفكر المرء الحاذق أنها ستسدّ أنبوب التغذية إن قارنا ذلك بقوانين حياتنا العاديّة.. ولكن ذلك لا يحصل بتاتاً لهذا الخرطوم.. فله قدرة غير عادية (وغير مفهومة تماماً!) لتنظيف مجراه والمحافظة عليه دائماً في "وضع" استقبال "جديد" للسوائل
قدرة الخرطوم على امتصاص السوائل .. وفي نفس الوقت المحافظة على مجرى السوائل داخل الخرطوم "قناة الغذاء" نظيفاً.. "بنظام ذاتي التنظيف".. وعَدَم جفاف السوائل داخله وانسداده.. هذه القدرة المزدوجة تبقى معضلة.. ولغزاً علمياً لم تُحلّ أسراره تماماً حتى اللحظة
!!.. وإن كانت "الآلية الفعلية" لعمل هذا الجهاز الفريد لا تزال "تُدرَس" عبر مجالات علم وظائف الأعضاء والأعصاب.. وعلم المواد والهندسة.. وعلم ميكانيكا السوائل.. ولا تزال "الآلية" بعيدة كل البعد عن الفهم الكامل!
عندما "ترشف" شيئاً من مما قسمه ويسّره الله لك من عصيرٍ منعش.. وتستمتع بذلك عبر "ماصّة" بلاستيكية.. تذكّر "قدرة" الفَرَاش المذهلة بخراطيمها تلك .. وتفكّر في أن الآلية بقوانين البشر العادية في "الرّشف" غير ممكنة على الإطلاق.. لكنها في الفراشة تعمل بقدرة قادر منذ ملايين السنين
قبل حتى أن يخلق البشر.. ترشفُ الفراشة ما تشاء.. من الرحيق الحلو.. تقيم به أودها.. وترفد عضلات أجنحتها ومناشطها بطاقة هذا الغذاء السائل.. والكيفية.. الحقيقة الكاملة "للآلية" لا تزال مغلقة عن أذهان البشر المحدودة..
فسبحان من خلق هذه "الأداة" للفراش.. ويسر لها اغتذائها.. بكيفية غاية في التعقيد.. والإبداع .. والعظَمَة ..
سبحانه كما ينبغي لجلاله.. وكماله.. وقدرته ..
.. في أمان العظيم.
سبحانه كما ينبغي لجلاله.. وكماله.. وقدرته ..
.. في أمان العظيم.
جاري تحميل الاقتراحات...