Abadi Mashlawi عبادي مشلوي
Abadi Mashlawi عبادي مشلوي

@AbadiMashlawi

27 تغريدة 169 قراءة Jun 29, 2020
#Insectweek #Insect #Forensic_Entomology
السلسلة الآولى
الحشرات الجنائية (الجزء الآول)
مسرح الجريمة: شهود لا يكذبون
بقلم الدكتور يحيى مسرحي
(قد يكون المحتوى غير ملائماً للبعض !)
#الحشرات_الجنائية
حدث ذلك قبل عدة سنوات من الآن.. في إحدى ولايات شمال الهند.. كانت "جايانتي" ذات الأربعة عشر ربيعاً فتاة مفعمة بالحيوية.. ترنو نحو مستقبل تكمل فيه دراستها.. أو تحصل على عمل يؤمن لها ولأسرتها العيشة الكريمة.. في ظل الظروف المعيشية الصعبة في بلدتها
تمر الأيام.. تغيب "جايانتي" عن ذويها لأربعة أيام.. لم يجدها أحد خلال هذه الفترة.. ثم يأتي الخبر.. وجدت مضرّجة في دمائها على جانب أحد الطرق السريعة في ولايتهم.. مع جروح بليغة في الرأس والعنق تمت بآلة حادّة كما أفاد تقرير التشريح
أثناء البحث والتحري.. وردت معلومة بأنها شوهدت آخر مرة مع رقيب في الجيش في الثلاثينات من عمره.. ولا شئ غير ذلك.. لم يكن في مسرح الجريمة أي أدلة أو متعلّقات تخص المشتبه به الذي شوهدت معه آخر مرة.. ولا يمكن الاعتماد على مشاهدتها معه
فقد تكون قتلت بعد ذلك بفترة.. كان فيها ذلك الرقيب متواجداً في عمله أو مع ذويه.. ولديه شهود على ذلك.. ولذا فقد كان تحديد "وقت" الوفاة ذو أثر حاسم في القضية
وظروف مسرح الجريمة والجثة لم تكن تسمح بالتحديد الدقيق لوقت الوفاة بناءاً على تغيرات الجسد بعد الموت (التصلّب الرمّي.. ثم ارتخاء العضلات ورسوب الدم في المناطق السفلية من الجسم وبداية مرحلة التعفّن الرّمي "بالتحلّل الميكروبي")
فهذه التغيرات تتباين بتباين ظروف المناخ وحالة الجسد أثناء الوفاة.. وتعطي تحديدات "تقديرية" قبل مرحلة "التعفّن الرّمي".. في حدود 12 إلى نحو 20 ساعة بعد الوفاة
وضمن هذه الفترة.. ومع حقيقة أنها شوهدت معه قبل 4 أيام.. يتعذر الجزم والاعتماد على دليل "مؤكّد" يؤخذ به في المحكمة.. فهذه قضية إزهاق نفس.. والتحديد الدقيق بالدليل القاطع لوقت الوفاة سيضيّق دائرة البحث والاشتباه إلى أقصى حد..
أثناء عمل "الفريق الجنائي".. الذي تواصل في مسرح الجريمة بلا كلل.. جمع أحد أفراد الفريق عينات من الذباب الذي وجد يحوم حول الجثة.. وعينات من يرقات الذباب التي كانت "تقتات" بلحم الجثة.. ونقلها للمختبر
* * *
الذباب وبعض أنواع الخنافس.. من الحشرات التي وجد العلماء أنها قد تكون ذات فائدة عظيمة في مجال الأدلة الجنائية.. لدرجة أن برز مجال مستقل متخصص من علم الحشرات يدعى بعلم الحشرات الجنائي.. "Forensic Entomology"
له معاهد.. وتخصّص له
أطروحات ماجستير ودكتوراه.. وكل ذلك مبنى على "وقت" استعمار هذه الحشرات للجثة.. أول المستعمرين الذباب.. وبعد وقت طويل نسبياً.. تبدأ بعض أنواع الخنافس.. وإن كان الذباب هو المعني أكثر عند مختصي علم الحشرات الجنائي
بعد الوفاة مباشرة.. يبدأ التحلّل ببطء (تزداد حدته بعد مرحلة التصلّب الرمي – المرحلة التي تتخشّب فيها الجثة.. ولهذا يتم غلق جفون الميت قبل أن يصل لمرحلة التصلب هذه ويتعذر عندها غلق الجفون!)
هذا التحلل ينشأ عن البكتيريا الموجودة في القولون أساساً.. حيث كان الجهاز المناعي هو الرادع في حالة الحياة.. والآن أصبحت الجثة "ميداناً" لاغتذاء هذه الكائنات الدقيقة وتكاثرها.. ومع الساعات الأولى من الوفاة تبدأ "غازات" التحلل (أو التعفّن الرّمي) بالانطلاق من الجثة
في البداية بكميات ضئيلة للغاية لا تتحسسها الأنف البشرية.. تزداد وتيرتها بالتدريج.. (حتى تصل لمراحل متقدمة من التحلل الرمي.. تكون عندها الجثة "منتفخة" الأجزاء بسبب ضغط الغازات الناتجة عن عمليات التحلل الميكروبي)
تنجذب أنواع مختلفة من الذباب (من الإناث بشكل أساسي) مع الساعات الأولى بعد الوفاة
وذلك بسبب "استشعارها" للكميات الضئيلة من الغازات التي بدأت تنتشر في الهواء من الجثة.. هذا الاستشعار قوامه التركيب الفذّ لقرون الاستشعار في مقدمة رأس الذبابة.. والآلية العصبية المعقّدة لعمله.. التي تجعل الذباب قادراً على "استشعار" الروائح من على بعد نحو 10 كيلومترات!!
وليس أي رائحة.. بل بالذات روائح التحلل العضوي ونواتج هدم البروتينات التي تطلقها الكائنات الدقيقة المحللة لأنسجة الجثة (ومعظم التركيب النسيجي للكائن الحي بروتينات – الماء خارج الحسبة)
وهذه الروائح كريهة للبشر بالطبع.. إلا أنها "مؤشرات" لحياة الذباب تحط الإناث على الجثة.. وتضع بيضها (خصوصاً في فتحات الجثة كالفم والمنخارين والجروح المفتوحة)
وبعد نحو 24 ساعة يفقس البيض.. عن يرقات تبدأ في التغذي على أنسجة الجثة.. وتكبر تدريجياً.. وبعد نحو 7 أيام تتحول إلى خادرة (داخل شرنقتها).. ثم تخرج بعد نحو 6 أيام ذبابة كاملة.. (تختلف هذه الفترات قليلاً بين نوع وآخر من الذباب)
هذه الفترات من تطوّر الذباب.. من بيض إلى يرقات إلى حشرات كاملة.. ثابتة في كل نوع.. وضمن درجات الحرارة السائدة.. ولا يمكن لأي جثة في مكان غير مثلّج يصل له الذباب (وكل الأماكن تقريباً ليست بمنأى عن الذباب!) إلا أن تجذب هذا الذباب من اليوم الأول.. هذه سنة ثابتة..
وهذا الذباب (الإناث) لا ينجذب لهذه الغازات إلا لغرض وضع البيض والاغتذاء.. وهكذا فإن وجود البيض في البداية هو "مؤشر" لحداثة الوفاة.. بينما وجود اليرقات (باختلاف مراحل نموها وتضخمها "الثابتة" لكل نوع) مؤشر "للوقت" المنقضي بعد الوفاة.. وهكذا
بهذه "الحقائق" الثابتة التي لا تتبدّل (بالاعتماد على درجات الحرارة السائدة).. توفّر مراحل نمو الذباب على الجثة معلومات لا تقدّر بثمن.. معلومات قد تبرّئ مشتبهاً به.. وتُدين آخر
ليس ذلك فحسب.. بل إن اليرقات عند اغتذائها على أنسجة الجثة.. تركّز في أنسجتها ما كان يتناوله أو يتعاطاه المجني عليه من كيماويات.. كالمخدرات.. حتى إذا تحللت الجثة بشكل يتعذر معه تحليل البقايا
يلجأ المختصون إلى ما جُمع من يرقات لتحليلها ومعرفة الكيماويات التي تركزت في أنسجتها من الجثة.. وفي ذلك معلومات تضيف إلى كشف الغموض والملابسات المحيطة بالجناية..
بل أكثر من ذلك وجد أن "الكوكايين" مثلاً يسرّع من نمو اليرقات.. بينما الهيروين يُبطّئ من نموها.. بدرجات معلومة في المراجع المختصة.. تبعاً لكل نوع من الذباب.. وفي ذلك أيضاً معلومات قيمة جداً لكشف غموض بعض الجنايات..
* * *
يتبع..

جاري تحميل الاقتراحات...