سـلـسِـلَـة
سـلـسِـلَـة

@Selselah_10

32 تغريدة 99 قراءة Jun 22, 2020
سلسلة جديدة، حكاية:
"الغزالة التي يجب أن تكون جميلة"
عاش بجانب نهر "الميزان": قطيعٌ من الغزلان، يرأسُهم غزال حكيم، يناديه القطيع: الزعيم الحكيم.
وُلدت له: غزالة، أسماها: "الريم"، كبرت هذه "الريم" في جوٍّ دافئ، متخمٍ بالود والمحبّة، وبدأت ملامحها في الظهور: قرنان ملتويان، وعين واسعة، وملامح حادّةٌ جميلة.
كان مجتمع الغزلان مجتمعًا سهلًا، متفرّد الشخصيات، لكل غزالة فيه شخصيتها المستقلة، وصفاتها المعروفة، وشكلها المميّز، وهم يعيشون في أمن وسلام واطمئنان، مفتخرين في أنفسهم، وفرحين باختلافاتهم.
حتّى جاء يومٌ، جفّ فيه نهر الميزان، فقرّر رئيس القطيع أن ينتقل بغزلانه إلى وادٍ بعيد، يضمن فيه امتداد الخير، وسهولة العيش.
صاح الرئيس صيحة يعرفها القطيع؛ فتجمّعوا حوله، ثمّ قال بصوت متهدّج: "قد جفّ -كما ترون- نهر الميزان، وما لنا من سبيل عن الانتقال لغيره، وإنّ أقرَب ما نستطيعه: نهر «الفردوس»، وسيكون سيرنا إليه عند أقرب شروقٍ للشمس"
ثمّ مسح ببصره على القطيع وقال: "لكن اعلموا، أنَّنا وإن انفردنا هنا بنهر الميزان وخيراته، فإنّنا مشتَرَكون في نهر "الفردوس"، حيث القطعان الأخرى مختلفةُ الشكل واللون والطباع".
لاحت بدايات الإشراق، فشدّ القطيع سيرَه نحوَ نهر الفردوس، والرئيس يؤكّد في كلّ مناسبة: ألا فتمسّكوا بما أنتم عليه، ألا فحافظوا على تفرّدكم، احذروا أن تغرّكم زخرفات القطعان الأخرى؛ فتهونوا على أنفسكم .. احذروا وانتبهوا.
ولمّا وصلوا إلى النهر، أذهلهم مصبُّه، واتساعه، وعذوبته، والأشجار الوارفة المثمرة، فذهلوا عن الرزانة، وركضوا إليه -كبارُهم وصغارُهم- يشربون منه ويلعبون فيه.
وما هي إلّا لحظات، حتّى جاء رؤساء القطعان الأخرى إلى الزعيم، يتساءلون مستغربين، فقال لهم: "إن في نهر الميزان للقطيع كفاية؛ ولكنّ لكلّ بداية نهاية، فإنّه قد جفّ، وما لنا من بد عن مشاركتم نهرَ الفردوس،
وأنت يا «طُلاء» .. تذكر سابقة النعمة التي لي عليك؛ فالآن وقت عتقك منها، نعمةً بنعمة"
كان طلاء مشرّدًا، قد نبذه أبواه وقومه، فآواه الزعيم إلى قطيعه، وعامله معاملة أفراده، وزوّجه إحدى بناته، ثم أصلح بينه وبين قومه، فرجع إليهم، وأخذ الرئاسة فيهم.
وافقت القطعان الأخرى، واتفقوا على أن يكون للقطيع الجديد، ما يكون للقطعان الأخرى، في سكن النهر، والانتفاع منه ومن خيراته.
وهكذا .. اختلطوا بالقطعان الأخرى، ومع أن الرئيس سعى لذلك سعيًا محمومًا؛ إلّا أنّ توجّسه من مآله كان يزداد كلَّ لحظة.
ومع تعاقب الأيام، لاحظ القطيع الجديد اختلافًا بينهم وبين قطيع الغزلان الأخرى، رأى أشكالهم تتشابه كثيرًا، قرن محدّد طويل، وأعين واسعة، ومشية معروفة لا يمشون غيرها؛ كأنّهم خلقوا ضربةً واحدةً، تتناسخ فيها الصفات والطباع والأشكال.
كان الرئيس أوّلَ من لاحظ ذلك التمايز؛ فأخذ -بذكائه- محاولًا تثبيت قطيعه على تميّز شخصيّاتهم، وبدأ يمدح كلَّ غزالٍ بما يتميّز عن غيره، محاولًا استبقاء جذوة الشخصيّة المتفرّدة في نفوسهم
فقال للريم: "إن لقرنيك الملتويين، جمالٌ من نوعٍ خاص، ففي الوقت الذي تنتظم فيه القرون مستقيمةً على الأجساد، يلتوي قرناك، وكأنّهما مبتنيان على روح!"
وقال لها: "عينك الواسعة تذكّرني بأيّام السعة، في نهر الميزان"
وقال لها بعد أسبوع: "مشيتُك المميّزة تعجبني أيّتها الريم"
وهكذا أخذ يفعل مع كلّ قطيعه.
تماسكت قيَم القطيع في بادئ الأمر، فكان كلّ واحدٍ فيهم يتميّز بشكلٍ وصورةٍ وحركة؛ إلّا أنّ المدّ الهائل من القيَم التي يشاهدونها يوميًّا، من تلكم القطعان "الفردوسيّة" كان أقوى من أن تصمد أمامه أيّ قوّةٍ.
وذات يوم، أهمَّ الرئيسَ أمرُ القطيع؛ فيمّم نحوَ مكانه المعتاد: جبلٍ قريبٍ من النهر، يجلس أعلاه، ويقلّب عليه همّه، ويفكّر ...
وإذ هو سارٍ في طريقه، وقد قرُبَ من الجبل، سمعَ طرقَ حديدٍ يتكرّر عليه، وكلّما اقترب من الجبل؛ ارتفع الصوت، وازدادت حدّته وخشونته!
فلمّا دنا من الصوت، أرخى مشيتَه، وخفّف وقعها، ونظرَ فوق صخرةٍ عظيمة؛ فإذا الريم فوقها، تضرب بالصخرة قرنيها، وهي تبكي وتردّد: "لِمَ خُلِقا ملتويَيْن؟ يا ليتهما كانا مثل قرون تلك القطعان الجميلة؛ فيكتمل فيَّ الحُسْن والجمال، يا ليتهما!"
أخذت الرئيسَ رعدةٌ في صدره، وتحسّر أن رأى ذلك المنظر، وعزم على إيقافها، فرفع رأسه، وصاح لها: "أيّتها الريم! ما الذي تفعلينه في نفسك!" التفتت الريم إلى صاحب الصوت، فلمّا عرفته؛ فزعت وأدركت أنها في ورطة؛ وما كان لها إلا أن تعترف بصنيعها،
فقالت: "أليس لكلّ شيءٍ بدايةٌ ونهاية؟ فهذه نهايتي أو بدايتي، إمّا أن ينفلق رأسي فأموت، أو ينكسر التواء قرنَيّ فيستقيمان؛ فتكون بدايةَ حياةٍ جديدة، أنعم فيها بما ينعم أهل القطعان الأخرى"
لم يتوقّع الرئيس أن يوصلها التبرُّم من قرنيها إلى تمنّيها الموت! فناداها برحمة: "أيّتها الريم، إنّ كلَّ تزويقاتِ أولئك القوم، تزويقاتٌ كاذبة، تردم فينا مسحة التفرّد، وتؤزّنا إلى التماثل الكئيب
أفلا ترين الشمس والقمر؟ إنّهما لم يكتسبا هالة الجمال بتتبّع معايير النجوم؛ ولكنّهما انفردا بِخِلْقَةٍ فذّة، وحركةٍ مختلفة؛ فألفيتِ كلَّ القطعان تنظر إليهما بعين الغبطة والإجلال.
الجمال -أيّتها الريم- أن نصلح ذاتنا، ونرضى بما قُسِمَ لنا، وألّا نجعل لمعايير غيرنا سلطانًا علينا، فنتحرّك وَفْق ما يرون ويريدون". ثمّ سكت، ونظر إليها نظر رأفة وشفقة
احتشد في عينيها دمعٌ جديد، دمعُ عجزٍ وانكسار؛ فلم تستطع كلامًا، ثمّ جفلت عنه، وتركته وراء ظهرها وهي تقول في نفسها: "من يُفْهِم ذلك العجوز خطأه؟!"
كانت القطعان الأخرى تهشِّم في قطيع الرئيس ما بقي من إرادة، وهكذا، شيئًا فشيئًا، ذابت إرادتهم أمام حرارة المعايير التي فرضتها -جزافًا- تلك القطعان الأخرى، وأصبح أصحاب القرون الملتوية، ما بين كسيرٍ قرنَيْه، أو ميّتٍ، أو ذليل،
وتماثلت مِشْيات القطعان جميعها، فصاروا مسحةً واحدةً، افتقد معها مجتمع النهر صورَة الفرادة، ومحا من الأذهان فكرةَ الإبداع والطرافة.
وهكذا انتقل الجمال، من مفهوم يعتمد الذاتية والأصالة، إلى مفهومٍ آليٍّ يعتمد التماثل والتشابه والتكرار.
وعندما ضاعت المعايير، أُسْقِط في يدِ الزعيم، وما عادت تُسمع منه الحكمة، ولا تُطلبُ منه المشورة، وعاش عيشةً هامشيّة، يتحسّر فيها على الأيّام الدافئة الحميمة، عند نهر الميزان وخيراته.
-تمّت-

جاري تحميل الاقتراحات...