فهد.
فهد.

@I0ll

10 تغريدة 49 قراءة Jan 26, 2023
أوقات العمل تملكنا، ولكننا نحن الذين نملك أوقات الفراغ ونتصرف فيها كما نريد، فهي من أجل هذا ميزان قدرتنا على التصرف، وميزان معرفتنا بقيمة الوقت، وليست قيمة الوقت إلا قيمة الحياة. فالذي يعرف قيمة وقته، يعرف قيمة حياته، ويستحق أن يحيا وأن يملك هذه الثروة التي لا تساويها ثروة الذهب.
إن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه، وعندنا في الشرقِ كثيرون، بل كثيرون جدًا، من هؤلاء الفارغين على القهوات وعلى أفاريز الطرقات، في الصباح وفي المساء، خلال أيام الصيف وخلال أيام الشتاء.
في كل وقتٍ وكل موسم وكل مكان؛ ألوف من الشُّبان الأقوياء والرِّجال الناضجين يقضون ساعات الفراغ في لعبِ النرد والورق أو في تعاطي الراح والدخان، أو في مراقبةِ الغادين والغاديات والرائحين والرائحات.
ليس هذا وقتاً فارغاً لأنهم مشغولون فيه، وليس هذا وقتا مملوءاً لأنهم يملأونه بما هو أفرغ من الفراغ. هذا ليس بوقت على الإطلاق، هذا عدم خارجٌ من الزمان خارج من الحياة!
وليس معنى «وقت الفراغ»؛ أنه الوقت الذي نستغني عنه ونبدّده ونرمي به مع الهباء، ولكن وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه، بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة.
قيل عن أهل إسبرطة أنهم كانوا ينبذون الطفل الضعيف في العراء، وأنهم كانوا يمتحنون قوة الأطفال بوضعهم في إناءٍ مملوء بالنبيذ، فمن بقي منهم مفيقاً بعد هذه التجربة أبقوه واستحقَّ عندهم عناء التربية، ومن ظهر عليه التخدر والسبات أهملوه ونبذوه!
ولو أنني أردتُ امتحان الأقوياء من الرجال لما تركتهم فترة في آنية النبيذ، بل تركتهم فترات في مكانٍ مغلق يقضون فيه ساعات فراغهم، فمن صبر على هذه الساعات فهو رجل ملآن بقوة الفكر وقوة الخلق وقوة الاحتمال، ومن لم يصبر عليها فهو الفارغ الذي لا خير فيه :)
ماذا نتعلّم من ساعات الفراغ؟ نتعلم منها كل شيء، ولا نتعلم شيئا من الحوادث أو الكتب أو الأعمال إلا إذا احتجنا بعده أن نتعلمه مرة أخرى في وقت الفراغ. فالمعارف التي نجمعها من التجارب والكتب محصول نفيس، ولكنه محصول لا يفيدنا ما لم نغربله ونوزعه على مواضعه من خزائن العقل والضمير.
ولن تتيسر لنا هذه الغربلة وهذا التوزيع في غيرِ أوقات الفراغ. إن معارف التجربة والاطِّلاع زرعٌ في حقلهِ ينتظر الحصاد والجمع والتخزين، ولا فائدة للحرث والسقي والرعاية ما لم تأتِ بعد ذلك ساعة التخزين وهي «ساعة الفراغ».
ويختم العقاد مقاله بقوله:
لا بد من فراغ، ولا بد من فراغٍ نحفظه، والفراغ الذي نحفظه هو الذي يحفظنا، لأننا نستخلص فيه خير ما ندّخره من غربلة التجارب والمعارف والعِظات.
.
• مجلة الهلال / العدد 7 / 1950

جاري تحميل الاقتراحات...