منذ حوالي 8 أشهر تحدثت إلى عدد من أبنائي (طلاب الجامعات الذين كنت أشرف على أنشطتهم) عن المعضلة التي يقبل عليها العالم. ليست كورونا بالطبع.
لكنني كنت أتحدث معهم عن أثر الطرق الحديثة في نقل المعلومات على طريقة التفكير، وعلى بناء عقول أبنائهم (وأحفادي قريباً)
لكنني كنت أتحدث معهم عن أثر الطرق الحديثة في نقل المعلومات على طريقة التفكير، وعلى بناء عقول أبنائهم (وأحفادي قريباً)
ما كنت أنظر إليه وقتها هو هذا الاضمحلال الخطير في عمق التفكير لدى الأجيال الجديدة. فأصبحت الأفكار تتقافز على نقاط معينة في عقولهم بدلاً من أن تحفر لنفسها طريقاً يدركون خلاله معنى وطعم مايتناوله من معرفة. ويشكل لديهم مساراً يستقبل المزيد من الأفكار المشابهة مع كل قراءة جديدة
في الصغر، كانت لدينا مكتبه كبيرة جداً، وكنا نأخذ الكتاب نقرؤه ونعيده. لم يكن الموضوع مجرد قراءة، لكنها قراءة واستمتاع وتعلم لآداب الحفاظ على الكتاب تقديراً للمعرفة والأدب والعلم. كانت قيمة الكتاب عالية. أذكر أنني قرأت كل مكتبة جدي ولم أكمل بعد العام العاشر،
ولا أدعي أنني فهمت كل ما قرأت في حينه. فقد كان للقراءة في حد ذاتها قدسية. وكنت قد تعلمت أن بعض الكتب لا تفهمها جيداً من أول قراءة وربما ليس من القراءة الثانية، لكن القراءة في حد ذاتها كانت في كل مرة تعبد الطريق لقراءات تالية.
ولم يكن لدينا مقاطعات كثيرة في اليوم. فلم يكن يقطع القراءة في الصيف إلا الأذان فنقوم للصلاة أو برنامج في القناة الأولى يوم الأربعاء ، ومسرحية يوم الخميس ، وبرامج تيليماتش في صباح الجمعة
فيما عدا ذلك فالوقت كله كان للقراءة أو الصيد أو الرياضة، وبالطبع كانت للقراءة نصيب الأسد
فيما عدا ذلك فالوقت كله كان للقراءة أو الصيد أو الرياضة، وبالطبع كانت للقراءة نصيب الأسد
الآن تتخاطف عقول أبنائنا وكبارنا للأسف مشهيات إخبارية حريفة على مدار الساعة. لا يكاد الشخص يعرف خبراً حتى يأتي خبر آخر. ويتحول العقل الذي كان يستوعب الأخبار كالماء المنساب، إلى عقل تعطس فيه كل دقيقة أنباء سريعة، لا تترك عليه سوى الرذاذ قبل أن تباغتع بعطسة أخرى بعد قليل
كان محور حديثي لأبنائي الذين صاروا الآن مهندسين وأطباء ومبرمجين في أماكن مرموقة أن مستقبل البشرية في خطر. لأن شباب اليوم هم القوة المحركة للمستقبل. والبشرية التي تتطور كل يوم لا تتطور وتتحرك للأمام من تلقاء نفسها وانما بالاعتماد على عقول كثيرة تم إعدادها لتدفع الحياة للأمام
أما العقول التي تشبعت بالعطاس الذي لا يضيف إليها شيئاً مفيداً فليس فيها مسارات للأفكار، وليس فيها التقاء للمشاكل ولا آليات لمقاربة الحلول. عقول ليست قادرة على متابعة نصف صفحة دون أن تكون قد نسيت أول ما ورد في نفس الصفحة.
كيف لهذه العقول أن تتحمل مسئولية العالم في المستقبل؟
كيف لهذه العقول أن تتحمل مسئولية العالم في المستقبل؟
نعم، إن لدينا من نظم المعلومات والذكاء الصناعي ما يظنه الناس سحراً، نعم نستطيع مراقبة كل سنتيمتر في الصحراء لاستزراعها بتقنيان النانو سنسورز، ولدينا التعلم الآلي للحواسيب ولدينا سحب البيانات وإنترنت الأشياء، ونماذج رياضية ضخمة تتعلم عنا كل شيء .. لكنها لمساعدة من يفكرون
من دو أشخاص، من دون عقول قادرة على الفهم العميق، لن يكون لدينا فرصة للنجاه. قلة قليلة ستقودهم هواياتهم وشغفهم فيصبحوا متميزين، سيفكروا بعمق، سيكونون مثل ذرات الذهب في صحراء واسعة
لكن ماذا عن بقية الناس؟ إذا لم تكن لديهم عقول قادرة على التعمق فلن يكون لديهم مهارات تستحق أن يتقاضوا أجراً، وبالتالي سيكون العالم مختلفاً عما هو عليه اليوم، يمكنك زراعة آلاف الأفدنة بالآلات ، لكن من سيدفع ثمن المزروعات ومن أين سيدفع ثمنها؟
لم أكن وقتها أعلم أن ضيفاً ثقيلاً سيحل على العالم في فترة قصيرة؛ الكورونا
فبالرغم من أن الكورونا أبقتنا في منازلنا، وأظهرت لنا قيمة التقنية في ربط الناس ببعضهم وساعدت في نقل معارف سريعة لنا، إلا أن أغلب الناس ما زالوا يتعاملون مع القشور فقط، ولا يتعمقوا ليفهموا ما وراء العناوين
فبالرغم من أن الكورونا أبقتنا في منازلنا، وأظهرت لنا قيمة التقنية في ربط الناس ببعضهم وساعدت في نقل معارف سريعة لنا، إلا أن أغلب الناس ما زالوا يتعاملون مع القشور فقط، ولا يتعمقوا ليفهموا ما وراء العناوين
لكن في نفس الوقت لاحظت أن نسبة من الأشخاص (على قلتهم) يتابعون مثلاً 20 تغريدة في سلسلة واحدة، ويقرؤوا ما جاء فيها ويناقشوها، وهي إشارة طيبة.
الأهم أنني وجدت أشخاصاً كثيرون لديهم ملكة تقديم المحتوى بشكل شيق، يستطيع اجتذاب الناس ليستمعوا لموضوعات أطول
الأهم أنني وجدت أشخاصاً كثيرون لديهم ملكة تقديم المحتوى بشكل شيق، يستطيع اجتذاب الناس ليستمعوا لموضوعات أطول
وقراءة موضوع من 20 تغريدة مثلاً أو الاستماع لتسجيل صوتي في عشرة دقائق مقارنة بالتقافز بين التغريدات الكتابات القصيرة هو في حد ذاته تطور جيد.
لعل ما دعمه هو الوقت الذي أُجبِر الكثيرون على قضائه بمنازلهم، أو لعله الخوف من هذا المجهول COVID19 والرغبة في معرفة المزيد عنه
لعل ما دعمه هو الوقت الذي أُجبِر الكثيرون على قضائه بمنازلهم، أو لعله الخوف من هذا المجهول COVID19 والرغبة في معرفة المزيد عنه
ولأنني لست متخصصاً فإنني لا أعلم كيف نبني على هذا المكسب كي لا يكون مجرد مكسب مؤقت، وكي لا يكون مجرد سلوك طارئ يختفي مع الوقت.
وجاءت تغريدة الأستاذ @Assaadtaha لتنبش كل هذه الذكريات والأفكار في رأسي من جديد، فشكراً له
وجاءت تغريدة الأستاذ @Assaadtaha لتنبش كل هذه الذكريات والأفكار في رأسي من جديد، فشكراً له
ومعذرة عن الإطالة، ولكن من أين لكم أن تعرفوا إن كنت قد أطلت لأعرف كم من القراء الكرام سيقرأ كل تغريدات هذه السلسلة .. ربما
شكراً لكم جميعاً
شكراً لكم جميعاً
جاري تحميل الاقتراحات...