من تداعيات الادعاء بأن تحصيل الاستقراء التام غير ممكن، و من تم فبالإمكان التشكيك بالاطراد الضروري للسببية، فإذا كان تحصيلنا لمبدأ السببية العامة (لكل حادث لابد له من سبب) مبنياً على الملاحظة وحدها فبالإمكان أن يدعي شخص إمكانية وجود حادث لا سبب له،
تحت ذريعة عدم تحقيق الاستقراء التام، بل يصبح محاولة إيراد الملحد لأدلته على صحة إلحاده عبثا و لا قيمة لها في ميزان العقل. فقد يكون إلحاده مجرد حدث عرضي عشوائي بدون سبب لا يحتاج لتفسير و بالتالي لا قيمة له مادام لا يملك الأرضية الفلسفية اللازمة للاحتجاج.
حين نتحدث عن مبدأ السببية فنحن أمام مبدأ فطري ضروري، و التشكيك فيه يفضي إلى لون من السفسطة، و التي يصعب معالجتها بمجرد الأدوات العقلية و البرهنة و التدليل، بل عملية البرهنة و التدليل ذاتها محكومة بمبدأ السببية،
فضريبة التنكر لهذا المبدأ العقلي ضريبة باهظة جدا، بإلغاء إمكانية تحصيل المعارف و العلوم جملة.
بل إن التنكر لمبدأ السببية أشد خطورة مما يتخيله الملحد، فإذا أمكن التشكيك بمبدأ السببية، و هو فطري ضروري فبالإمكان التشكيك في بقية المبادئ العقلية الضرورية
بل إن التنكر لمبدأ السببية أشد خطورة مما يتخيله الملحد، فإذا أمكن التشكيك بمبدأ السببية، و هو فطري ضروري فبالإمكان التشكيك في بقية المبادئ العقلية الضرورية
كقانون الهوية و عدم التناقض و غيرهما ...، فإذا كان العقل مقتنعاً بضرورية هذا المبدأ و قد سرى عليه التشكيك، فما الذي يضمن أن بقية المبادئ فطرية سليمة من المعارضة و التشكيك؟
و إذا شككنا في في بقية المبادئ العقلية فقد انسد في وجهنا إمكانية تحصيل المعرفة جملة، إذ العلوم النظرية إنما تتحصل من خلال ردها إلى علوم تنتهي إلى تلك المبادئ العقلية الضرورية. و بغيرها لا يمكن تحصيل أي معرفة. فالضروريات العقلية موضع الاستدلال بها لا الاستدلال لها.
و الغريب أن الملحدين الذين ينكرون هذه المبادئ العقلية هم من يتمسحون بالعلم التجريبي القائم أصلا على البحث في أسباب الظواهر، فلا يكلفوا أنفسهم الالتزام بمثل هذه الآثار حقيقة، فيظلون في دراساتهم و أبحاثهم مشتغلين بتلمس سنن القوانين هذا الكون،
إذن من ينكر السببية عليه ابتداءً أن يطرح كل ما لديه من علوم و لماذا ترصد ميزانيات ضخمة للبحث العلمي مع احتمالية أن تكون الظاهرة في آخر الأمر مجرد حادثة بدون سبب.
و قد يجد الإنسان الطبيعي غرابة في جعل الضروريات محل نقاش و بحث، إذ الضروريات متى ما سعي في كشفها و توضيحها فقد تزداد غموضاً أو كما يقول أبوحامد الغزالي : "فتكلف الدليل على الواضحات يزيدها غموضاً و لا يفيدها وضوحاً".
المبدأ القضية بدهية عقلية، مستغنية عن البرهنة و التدليل، بل إليها و إلى مثيلاتها من المبادئ الفطرية تنتهي العملية الاستدلالية.
جزء من المقال مستفاد من كتاب "شموع النهار" بتصرف.
جزء من المقال مستفاد من كتاب "شموع النهار" بتصرف.
جاري تحميل الاقتراحات...