كان الأديب المثقف أحمد أمين (تـ١٩٥٤) لا يُحسن اللعب بـ"الورق" وحصل أن اجتمع بين أصدقائه ذات ليلة وهم يلعبون، فكان كالأصم بين المتحدثين، والأعمى بين الرسامين، يحركون الورق ولا يفهم، ويصيحون ولا يعلم، ويضحكون ولا يفقه، فحاول أن يستأذنهم، فرفضوا إلا جلوسه، فقرر أن يخرج بخياله عنهم.
ورأى أنه على مكتبه، وأنه يحضّر لدرس في الفلسفة، وأن موضوع الدرس هو "فلسفة اللعب بالورق"، فأخذ يستنبط دروساً منها مما يشاهده أمامه، فمن ذلك قال:
- إن اللعب بالورق كاللعب بورق الحياة، لا يستطيع أحد اللاعبين أن يغيّر أوراق لعبه، بل هو مكلف أن يلعب بها، وبها وحدها، وإنما مهارته تقدّر بلعبه بهذا الورق، لا باللعب بما يتمنى من ورق، فكذلك حياة الإنسان في الحياة، هو مكلف أن يعلب بورقه، وإنما كل مهارته في أن يعلب على أحسن وجه.
- إن الورق الرابح في يد اللاعب الخائب قد يؤدي إلى الخسارة، والورق الخائب في يد اللاعب الماهر قد يؤدي إلى الربح، فكذلك اللاعب في الحياة، قد يجدّ ذو الكفاية المحدودة وينظم أعماله وأوقاته، فإذا هو خير ألف مرة من ذي الكفايات النابغة، أضاعها وأهملها ولم يحسن استعمالها.
- إن اللاعب الماهر في هذه الحجرة قد يصاب بالخسارة في أول الأمر، ولكنه يجدّ ويستخرج كل مهارته وكل نبوغه، فإذا هو رابح في آخره، وكذلك اللاعب في الحياة، قد يصاب بصعاب وعقبات، وقد يظهر إخفاقه في بعض المحاولات، ولكنه لا ييأس، ويتعلم من إخفاقه، فإذا هو ناجح آخر الأمر.
- أحد اللاعبين غش مرة في لعبه، ففقد ثقة اللاعبين، فهم يلاعبونه بحذر ويراقبونه ولا يأمنون جانبه، وقد حاول مرارا بعدُ أن يحسن سمعته فلم يفلح، وحاول أن يصدق مرارا فكان أثر الكذبة مرة أفعل من أثر الصدق مرارا، وهكذا اللعب في الحياة، يفقد الإنسان ثقة الآخرين بمرة ويكسبها بعد عناء.
- رأيت من اللاعبين من هو واسع الصدر، يكسب فيضحك، ويخسر فيضحك، وينظر إلى اللعب أنه مسلاة له ولإخوانه، مثّلَ دور الرابح أو الخاسر، كما يلعب الممثل دوره في المسرح، لا يهمه إن كان ملكا أو سائلاً، وإنما يهمه أن يعلب دوره بإتقان، ويدخل السرور على الناظرين بإجادته.
ومنهم من هو ضيق الصدر، شديد التكلف، شديد الأنانية، يأخذ اللعب بغم، شديد المشاكسة، يحقد إن خسر، ويطغى إن غلب، ويحوّل ميدان اللعب إلى ميدان قتال، ومجال التسلية إلى مجال المنافسة.
وهكذا أخذ صاحبنا بالتأمل حتى أيقظه تصايح اللاعبون إعلانا بانتهاء اللعب، وظفروا هم بتسلية ظريفة، وهو بتأملات طريفة.
جاري تحميل الاقتراحات...