التاريخ
وسائل التواصل الاجتماعي
التصوير الفوتوغرافي
هجرة
الدراسات الثقافية
المجتمع المصري
الحياة الريفية
تُتداول هذه الصورة بكثرة من خلال وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة على سبيل التندر أو الدعابة في زمن التصوير الرقمي والسيلفي والإنستاجرام.
لا يدري الكثير ون ممن يتداولون هذه الصورة ما تعنيه هذه اللقطة ”العبقرية“ للتاريخ الإجتماعي المصري وأحوال #الريف_المصري في سبعينات القرن العشرين وهجرة المصريين سعيا وراء الرزق في بلدان البترودولار.
دفعني كم التندر الذي نالته هذه الصورة للقيام بمحاولة مبدئية لتفسير بعض المعاني التي يمكن أن نستشفها من تلك الصورة والتي يمكن أن توضّح لأبنائنا من رواد عالم التكنولوجيا بعضاً من التاريخ الإجتماعي للجيل الذي سبقهم، جيل الآباء.
يعود تاريخ تلك الصورة تقريبا للنصف الثاني من سبعينات القرن الماضي (بين عامي 1975 و1979) وتشير وضعية الأشخاص بالصورة إلى أنه قد تم تصويرها داخل ستوديو،
ربما يكون في الخارج لإرسالها الى أهليهم في #مصر لطمأنتهم وبيان مدى الرفاهة التي يعيشون فيها في بلاد الغربة - سأوضح المقصود بالرفاهة بعد قليل - أو ربما يكون قد تم تصويرها في إحدي العطلات الصيفية عند عودة هؤلاء المهاجرين لأهليهم لتوثيق رفاهتهم أيضا.
من خلال الملابس التي يرتديها أصحاب الصورة يمكن أن نتوقع أن يكون أصحابها من صعيد مصر، خاصة ملابس الجالسين في مقدمة الصورة. يمكن أن نلاحظ أيضا أثر المد البدوي الخليجي من خلال الشخص الواقف في الخلف والذي يرتدي الجلباب الأبيض الخليجي.
الجلباب الأبيض لم يكن حتى بدايات الغزو الخليجي منتشرا في الريف المصري وكان إستخدامه قاصرا علي الأطفال المختّنين فقط كما جرت العادة في ذلك الوقت، ولم يكن من المقبول أن يرتدي بالغا لباساً أبيضاً إلا عندما يحين وقت الرحيل (أكفان الموتى).
نلاحظ أيضا أن الأشخاص الأربعة في الصورة يضعون السجائر في أفواههم، وهي علامة هامة على الرفاهة الإجتماعية. فبعد أن كانوا يدخنون السجائر اللف والسَبارِس - بقايا الدخان الذي في أعقاب السجائر المستخدمة - أصبحوا يدخنون ”سجاير مَكَنة“
أو سجائر جاهزة ملفوفة في مصانع و“بفم فلتر“ أي بها فلتر وهو ما كان يمثل قمة الرفاهة بالنسبة للريف المصري في ذلك الوقت. لاحظ أن إعلانات السجائر في هذا الوقت كانت تستخدم عبارة ”بفم فلتر“ للترويج لمبيعاتها.
بالإضافة للسجائر، نلاحظ أن الشخص الواقف على اليسار في الصف الخلفي يحمل في يده ولاعة - قداحة - وهي أيضا نوع من الرفاهة مقارنة بإستخدام الكبريت - أعواد الثقاب - في إشعال السجائر. الولاعات الرونسون Ronson كانت من الهدايا الشائعة التي كان يحضرها المهاجرون لذويهم وأصدقائهم في مصر.
أخيرا، يمكننا لاحظة أن ذات الشخص الذي يحمل الولاعة يضع يده اليسرى على كتف الشخص الجالس أمامه، غالبا لكي تظهر الساعة التي تزين معصمه كنوع من المبالغة في إظهار الرفاهة في وقت لم يكن من المعتاد أن نرى ريفيين من غير الأفندية يرتدون ساعات اليد.
في النهاية أستطيع أن أقول أن هذه الصورة، على الرغم من بساطتها، تختزل الكثير من التحولات التي شهدها المجتمع المصري بسبب الهجرة الى بلدان البترودولار.
د. أيمن زهري
** يحظر النشر أو الاقتباس دون الإشارة للمصدر **
د. أيمن زهري
** يحظر النشر أو الاقتباس دون الإشارة للمصدر **
جاري تحميل الاقتراحات...