Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

22 تغريدة 12 قراءة May 23, 2020
الاعتذار..
الرصاصة التي قتلت "المنسي" و "فودة"
في الثامنة و النصف من مساء يوم الاثنين 8 يونيو 1992 أطلق شابان دفعة من طلقات الرصاص على المفكر الراحل "فرج فودة"، إحدى الطلقات اخترقت جسده وواصلت إنطلاقها بأقصى سرعة ودون مقاومة تذكر لتصل صباح يوم الجمعة 7 يوليو عام 2017 إلى البطل "أحمد منسي" ..ولا تزال الرصاصة منطلقة حتى الآن .1
خلال رحلتها المستمرة حصدت هذه الرصاصة أرواح أبطال من الجيش والشرطة ، وقتلت مدنيين أبرياء ومرت من أمام عدد ممن يرفعون أيديهم وهم يقرأون الفاتحة على جميع الشهداء دون أن يدرك أحد أن بعض هؤلاء قاموا بحشو البندقية التي أطلقت الرصاصة و أن البعض الآخر ضغط على زنادها ولا يزالون2
هذه الرصاصة لاتشبه أيا من رصاصات الغدر والإرهاب التي اخترقت أجساد ضحاياها فليس اغتيال"النقراشي"أو"الشيخ "الذهبي" أوحتى اغتيال"السادات" كاغتيال"فرج فودة"ففي ذلك اليوم الأسود من تاريخ هذه الأمة تم إضفاء الشرعية الكاملة على مبدأين إرهابيين هما(حق تكفير الآخر) و(حق قتل المتهم بالكفر)
قبل اغتيال "فودة" كانت الفتاوى التكفيرية العلنية خارج إطار الخطاب الديني الرسمي ، لكن قبيل حادثة الاغتيال ارتدى التكفير العلني "جبة" المؤسسة الدينية الرسمية ووضع على رأسه "عمامة" الاعتدال و الوسطية زورا وبهتانا 4
قبل الاغتيال كانت الحملة المسعورة على "فرج فودة" منتشرة على صفحات جرائد تُطبع في مطابع الدولة، وعلى ألسنة شيوخ يبثون أفكارهم عبر تليفزيون الدولة ،وبقيادة "جبهة علماء الأزهر" المؤسسة الدينية الرسمية للدولة التي نشرت بيانا بتكفير "فرج فودة" دون أن يرمش جفنا للدولة 5
لسوء حظ هذه الأمة فقد تقاطعت مصالح التكفيريين مع مصالح النظام السياسي الحاكم الذي كان متوجسا من ظهور حزب معارض جديد ،وهو حزب "المستقبل" الذي عمل فرج فودة على تأسيسه وفي الوقت نفسه شعر التكفيريون بالخطر الداهم من انتشار أفكار "فودة" التي قد تسحب البساط من تحت أرجلهم 6
ولو كان للدولة وقفة "فكرية" حازمة وقتها لتعطلت رصاصة التكفير القاتلة ، ولنجت "مصر" من محرقة الإرهاب التي تلت عملية الاغتيال 7
فخلال التسعينيات تعرض رئيس الجمهورية نفسه لمحاولة اغتيال ووقعت مذبحة "الدير البحري" في الأقصر وغيرها من العمليات الإرهابية دون أن يشير أحد إلى الجناة الرئيسيين الذين أطلقوا رصاصة التكفير "الشرعي" على "فرج فودة"8
جريمة إضفاء الشرعية على اغتيال "فرج فودة" شارك فيها بقوة الشيخ "محمد الغزالي" الذي كفر "فودة" في المناظرة الشهيرة قبل ارتكاب الجريمة بعدة أشهر.
9
لم يشعر "الغزالي" بالندم حين شاهد دموع اليتم في عيون أطفال "فودة" ولا تأثرت مشاعره بإزهاق روح إنسان وحيد كان له رأي مختلف وحيد عن الآراء التي سادت المجتمع 10
بل على العكس فقد ذهب متطوعاً للشهادة في صالح منفذي عملية الاغتيال مؤكدا أنهم نفذوا حكم الشرع وأن مخالفتهم الوحيدة هي قيامهم بما كان يجب على الدولة أن تقوم به !11
وظل "الغزالي" يتباهى بعد ذلك وحتى وفاته بموقفه من "فرج فودة" والغريب أن كاميرات التليفزيون الرسمي التي كان يظهر من خلالها في برامجه نجحت في إخفاء حمرة الدماء التي تغطي يديه12
لم يكن "الغزالي"وحده الذي عجز عن استعمال الحجج والبراهين المنطقية للرد على "فرج فودة" فوجد أن الأنسب هو قتل صاحب الأفكار نفسه ،وهذا هو نفس موقف أبرز الأسماء التي فُرضت فرضاً على الشعب المصري ليستقوا منها فهمهم للدين وشاركوا جميعا في جريمة اغتيال فرج فودة إما بالتحريض أو التبرير13
قائمة الأسماء طويلة وفيها د.عبد الغفار عزيز مؤسس "ندوة علماء الأزهر" أو (جبهة علماء الأزهر فيما بعد)،و د.محمود مزروعة رئيس قسم العقائد والأديان بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر ،بجانب د.محمد عمارة "المفكر الإسلامي!"،14
بالإضافة لأبرز شخصية دينية وقتها الشيخ متولي الشعراوي الذي شارك في إصدار بيان تضامن مع القتلة بجانب فتاويه عن قتل المرتد وتارك الصلاة .
15
كل هؤلاء الذين نشروا أفكارهم لسنوات طويلة تحت سمع وبصر الدولة نجحوا بالفعل في تغيير الأفكار السائدة في المجتمع ، بل وفي تغيير الفطرة الإنسانية السليمة التي ترفض قتل الأبرياء العزل ،ولا تسمح بالتشفي فيمن قُتل حتى لو كان مختلفا تمام الاختلاف في الفكر أو الانتماء
16.
قبل أن تجف دماء "فرج فودة" وفي صبيحة اليوم التالي لاغتياله لم تجد بعض الصحف الرسمية وقتها حرجا في نشر حوار مع "مأمون الهضيبي" المرشد العام لجماعة الإخوان أعلن فيه عن سعادته البالغة باغتيال "فودة" وظلت هذه السعادة مستمرة طبعا حتى وصلت جماعته للحكم في أيام نحِسات17
حادثة اغتيال "فرج فودة" كانت نقطة فاصلة في تاريخ مصر المعاصر ، ومن هذه النقطة تحديدا امتد خط غليظ بلون الدم إلى لحظة إعتلاء أحد زبانية الجماعة الإرهابية عرش مصر عام 2012 .18
ووراء كل ما جرى وما يجري أفكار سمحت الدولة في زمن ما بنشرها فتحولت إلى بحارمن الدماء ، 19
وإذا كان هناك ثمة أمل في التخلص من سرطان الإرهاب فعلينا العودة لهذه النقطة تحديدا من تاريحنا ومراجعة تفاصيلها جيدا قبل أن يقوم الأزهر بما يجب عليه القيام به أسوة بمؤسسات دينية أخرى حول العالم قدمت اعتذارها عن اخطاء إرتكبتها قبل عدة قرون 20
لذلك فقد وجب على"الأزهر"-كإحدى مؤسسات دولة تحارب الإرهاب-أن يعتذر عن مشاركة أسماء بعينها من المنتسبين إليه في جريمة التحريض على قتل"فرج فودة"مع التأكيد"بوضوح"تام ودون مواربة على اسقاط حق أي شخص أوأي جهة في تكفير الآخرين على أن يشمل هذا التأكيد"الواضح"الأزهر نفسه وهذا أضعف الإيمان

جاري تحميل الاقتراحات...