28 تغريدة 24 قراءة May 20, 2020
"بين البيت والعمل؛ البيت"
صدح الأصوليون الجدد طيلة تسعين عاماً لإخراج المسلمة من بيتها لِئلا تترك المجال للعَلمانية في التفوق المادي من تمدرس وعمل؛ فلم يبقَ في بيوت المسلمين إلا القلة القليلة التي أخضعتها الظروف للبقاء سواء كان عدم التمدْرس أو صعوبة توفر فرصة لذلك
فتُعامل اليوم بالتنمر الذي تشنُّه النسويّات الإسلاميات أو الليبراليات عليها من كونها محضّ "آلة للإنجاب والطبخ" ولا إنتاج تفخر بتقديمه للمجتمع.
حتماً هذا الإنتاج هو العمل لتسع ساعات متواصلة على مدار خمسة أيام في الأسبوع مقابل مرتب بخس آخر الشهر تصرفهُ على السلع
أو مشاركتها في القوامة الماديّة؛ فعملها يُحتم نزع جزء من قوامة الرجل، إذ هي مشاركة بمالها في تسديد الضرائب ودفع فواتير الحاضنة والروضة والمدارس الخاصة.
هل نحتّاج نسويّة؟
تلك الدعوات ذات القيمة المستوردة من مظلومية المرأة الأوربية في القرن التاسع عشر في حق العمل والتعليم والمشاركة السياسية التي ما زالت النسويّة العربية تتبناها جهلةً وغفلةً مثيرة للغثيان، إذ نحن اليوم لا نحتاج نسويّة؛ فلسنا نعيش بكهف لم تصله منتجات عصر الحداثة
بل منذ قرن ونحن نلوكُ بها، اليوم علينا مراجعة مآلات تلك الدعوات، ماذا أصاب بيوت المسلمين بعدما هجرنها الراعيات {والمرأةُ راعية في بيت زوجها}.
التأصيل الشرعي في قرار المرأة:
الثابت في النصوص الشرعيّة والتاريخية دون خلاف هو أن الأصل في المرأة المسلمة؛ قرارها في بيتها.
قال تعالى:
{وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْـجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}. { الأحزاب: ٣٣ }. والإقرار فعل أمر أُريد بِه الإلزام؛
أي الْزمنَ بيوتكن إلا لحاجة وضرورة والحاجة لا تتطلب خروجًا يوميًا كالعمل. قال رسول الله: {قد أَذن الله لكُنَّ أن تَخرُجن لحَوائجِكنَّ} رواه البخاري.
-[ومن نظرَ في آيات القرآن الكريم وجد أن البيوتَ مضافةٌ إلى النساء في ثلاث آياتٍ من كتاب الله تعالى ومع أن البيوت لأزواجهن أو لأوليائهن، وإنّما حصلت هذه الإضافة -والله أعلم- مراعاةً لاستمرار لزوم النساء للبيوت فهي إضافة إسكان ولزوم للمسكن والتصاقٍ به، لا إضافة تمليك،
قال الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] وقال سبحانه: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب:34] وقال عزَّ شأنه: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق:1]]انتهى. أبو بكر زيد/حراس الفضيلة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال صلى الله عليه وسلم : (قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن) رواه البخاري، والأذنُ تخصيص للعموم؛ وهو القرار.
والنصوص المتواردة كثيرة تعضد بعضها البعض، من قبيل صرفها عن كل الأمور التي تستدعي الخروج كالجهاد والولاية العامة والأكثار من زيارة القبور
ثم الأحاديث التي تبين فساد خروجها عن عائشة رض الله عنها: (لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل قال فقلت لعمرة أنساء بني إسرائيل منعن المسجد ؟ قالت : نعم) رواه مسلم.
إذا كان آخرها هو الدعوة للخروج؛ فذلك لأن الأمة لم تعرف غير أن النساء ملازمات للبيوت؛ فبعدما أضحت الأمة تابعة ومغلوبة لزِمها أن تتبع سنن الغالب في إخراج نسائها للخدمة بدعم الاقتصاد تحت دعاوى" لا نترك العلمانية وحدها في العبوديَّة الطوعيَّة"
بل علينا جعل النساء المسلمات الأرستقراطيات اللاتي لا يفكرن بطعام غد أو كسوة عيد أو زيارة طبيب فهنَّ مسؤولات من أوليِّاهن وحتى أن تملكنّ فلا يشاركن أحدا بتلك الثروة ولا يحتجن للعمل خوفًا كما تفعل الغربيَّة فمصيرها الجوع والعراء إن لم تخدم نفسها.
مآلات خروج تسعين عامًا للعمل؟
لقد سلبوا من المرأة اختيار حق العودة للمنزل واختيار أن تكون ربَّة بيت وراعية أولادها بدل الحاضنة؛ فاليوم لا تقدر النساء على ذلك فهي مطالبة من قبل الأب أن تأتيه بالشهادة قبل العريس لتكون سلاحها في الحياة (أتساءَل بصدق سلاح ضد من؟ خوفا ممن؟
من غدر أبيها وزوجها وهروبهما من القوامة؟) وفوبيا حظوظ العاملة بالزواج أكبر من القارة ملازمة للنساء فهنّ يسحقن أنفسهن في الخروج اليومي والتعب النفسي المصاحب فضلا عن ما يتعرضن له من أذى؛ لأجل أن يطرق أبوابهن خاطب طامعًا في امرأة تشاركه القوامة بعجزِه عن تلبية طلبات المرأة العصرية
التي جعل السوق من رغباتها حاجات، أمسى كل ما تراه تريد امتلاكه، فأهون الحلول زوجة بعمل تلبي حاجتها الكمالية ويبقى مُرتبه لضروريات الحياة.
ماذا لو أقنعت المرأة باليسر والضروري كما كانت أمها وجداتها هل ستُجبر للعمل؟ أم تحقيق الرفاه الاقتصادي والوظيفي مقدم على السعادة المعنوية
التي ينشدها كل الناس بأدبياتهم لكنهم عاجزين عن اتخاذ خطوة واحدة في تحقيقها؟!
فلنكن صادقين مع أنفسنا هل المرأة العاملة سعيدة؟ أم أنها في دوامة الركض خلف الوقت لتنجز أكبر قدر من الأعمال بين البيت والعمل؟!
حتمًا قد أثبتت الدراسات كذب وزِيف أيدي الأخطبوط التي صرعونا بها للمرأة الحديدية؛ فسيكون هناك دائمًا شيء مقدم على شيء آخر ولا يمكن للعاملة اختيار أولادها وبيتها على عملها فسيكون الطرد، إذن تضع ضميرها الفطري جانبًا فكل النساء يفعلن ذلك!
أما دعوات النساء الحالمات البرجوازيات في كون العمل تحقيقًا للذات واستقلالية فما هو إلا ضربُ سذج، عن أي تحقيق يتحدثن؟ وعن أي استقلالية؟ وما قدمن طيلة قرن؟ ما زالت الغالب من النساء لا تعمل إلا في الوظائف المكتبية أو تدرس التخصصات الأدبية والفنية وحتى المناصب الوظيفية فلا تخرج
عن كونها تحت يد الرجل (سكرتيرة/مدير ، طبيب/ممرضة ، وزير/نائب) حتى أولئك السياسات اللاتي يتمثلن بهن(على ندرتهن ولا يقاس على الاستثناء) لم يكنَّ إلا بمناصب شكلية إدارية تحت سلطة برلمان أو دولة تديرهنّ فلا يتمثل برأيهن ولا يأخذ به الإعلام وكتلة النسويين،
بل صاحبات الدراسات العليا هن الأقل في الاستفادة من دراستهن في الإنتاج المعرفي فيكتفين بالتعليم!
ماذا خسرت المرأة من الخروج؟
[تكوين منزل كريم وزواجٍ عظيم وتربية إنسانٍ قويم هو نوع من الفنون وليس شيئًا تنجزهُ بوقت فراغك] أليس تايلور.
هذِه النظرة التحقيرية التي تبنى الإعلام تقديمها للنساء في الجلوس والزواج والتربية والرعاية لا تخرج عن فلسفته المادية التي تتعاطى مع القيم الفاضلة بنظرةٍ برغماتية فكل شيء لا يعود عليك بالمال فهو حقير ولا يستحق منك الأولوية.
ولقد تشربت المسلمات هذه الدعوات فأصبحن يقدمن الولاء للشهادة والعمل على الزوج والولد والبيت.
لقد توزعت الأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة في المجتمع على طول التاريخ لغالب البشر على كون الرجل عامل جالب للقوت في الخارج والمرأة راعية وعاملة في الداخل(البيت) هو يقدم الدعم الاقتصادي
وهي تقدم الدعم النفسي والدفء للعلاقات البشرية، فما أجمل من أن تتواجد على كل وجبات الطعام مع صغارها، وليس أعظم من أمَّ متواجدة في البيت تستقبل صغارها بالأحضان عند عودتهم من المدرسة ولا أبهج من زوج يعود محملاً بالتعب ليجد الجمال والدفء قد غمرا بيته.
لقد دمرت هذه المعاني وأصبحت النساء تريد العمل لأجل الصراع والمنافسة التي لن تنتصر بها أبدَّا وأصبح الكل يلهث خلف إنجاح المجتمع والبيوت خربة فارغة ترعاها الخادمات والأشباح والأولاد تربيهم الحاضنة.
النموذج المثالي هو ترك المرأة طفلها ذو العام يبكي لمدة تسع ساعات حتى تحقق ذاتها؟ أهذه هي المرأة النموذج؟!
إن مأزق المرأة المسلمة هين لغاية الآن ولكن؛ بعد عهد أو أقل لن تستطيع العودة لتكون ربَّة بيت ولن تجد أملا بذلك وستصبح كالغربية تركض وتركض خلف الوقت
ليس لأجل دعوات الاستقلالية والنسويّة بل لأنه واجب مجبرة عليه فالديوان والضرائب والفوائد البنكية هو ما يتحكم بها؛ فالمسلمة الآن تستطيع فرض إعادة قوامة الرجل بالتكفل برعايتها وعدم العمل وخيار المنزل والأولاد أسمى من كل شعارات الفردانية والبيت متسع للعمل الحر إن أرادتهُ صادقة!
كتابة : نورا الجنحان

جاري تحميل الاقتراحات...