آســـرار قُيـــدتّ
آســـرار قُيـــدتّ

@Halimo_1

415 تغريدة 2 قراءة Mar 05, 2023
بسم الله
(149)
سار عمرو بجيشه من قيسارية حتى إذا مر بجبل الحلال قبل أن يبلغ العريش، وكانت تنزل به قبائل من راشدة ومن لخم انضمت إليه، فأصبحت قواته أربعة الاف سار بهم إلى مصر وكان عمرو قد جاء من بلاد الشام في ثلاثة الاف وخمسمائة من عك، ثلثهم من غافق
(150)
ثم صاروا أربعة الاف بمن انضم إليهم من راشدة ولخم، وعلى ذلك يصير الجيش الذي سار مع عمرو لفتح مصر كالاتي:
- 1160 من غافق (وغافق من عك؛ فهو غافق بن الشاهد بن عك)
- 2340 من عك
- 500 من راشدة ولخم (وراشدة من لخم - راشدة بن مالك بن خالفة بن أد بن نمارة بن لخم)
(151)
الجيش الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص يتوجه إلى مصر توجه عمرو إلى العريش فأدركه عيد النحر (10 من ذي الحجة سنة 19هـ) كما ذكر ذلك البلاذري، فضحى عن أصحابه بكبش، وذلك اليوم كان يوافق 29 من نوفمبر 640م. وهنا وقع حادث بسيط ولكنه يكشف عن نفسية عمرو ونوعيته كقائد مسلم
(152)
فقد هلك جمل لرجل ممن خرج معه من الشام، فجاء إلى عمرو ليجد له ما يركبه، وكانوا في البادية فقال له عمرو: تحمل مع أصحابك حتى تبلغ أول العامر. فلما بلغوا العريش عاد إليه الرجل فأمر له عمرو بجملين وقال له: لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمتكم، فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا
(153)
فكان عمرو يدرك مسئوليته عن أصحابه وعن ركائبهم، وأنه يهلك ويهلك أصحابه إن لم يرحمهم ويدبر لهم ما يحملهم عليه ولما بلغ المقوقس مجيء جيش المسلمين إلى مصر أرسل جيشا لملاقاة عمرو، فتلاقيا على الفرما فكان أول قتال
(154)
والفرما: مدينة من أقدم الرباطات المصرية بقرب الحدود الشرقية لمصر، وكانت في زمن الفراعنة حصن مصر من جهة الشرق؛ لأنها في طريق المغيرين على مصر اسماها القديم "بر امون" أي: بيت الإله امون، ومنه اسمها العبري "برمون"، والقبطي "برما"، ومن هذا أتى الاسم العربي وهو الفرما
(155)
وسماها الروم: "بيلوز" ومعناها الوحلة؛ لأنها كانت واقعة في منطقة من الأوحال بسبب تغطية مياه البحر الأبيض لأراضي تلك المنطقة، وكانت الفرما تستقي الماء قديما من الفرع البيلوزي للنيل وقد اندثرت هذه المدينة
(156)
وتعرف اليوم اثارها بتل الفرما على بعد ثلاثة كيلو مترات من ساحل البحر الأبيض المتوسط وعلى بعد 23 كيلو مترا شرقي محطة الطينة الواقعة على السكك الحديدية التي بين بورسعيد والإسماعيلية
(157)
جاء فى كتاب فتح العرب لمصر : ألفريد بتلر/ أن فتح الفرما كان في منتصف يناير 640م وينتقد سيروس إذ لم يرسل عشرة الاف من الروم ليهزموا الفئة القليلة من العرب بين العريش والفرما أو تحت حصن الفرما ثم يخلص من ذلك أن سيروس بدأ خيانته للدولة بالاتفاق مع العرب وإعانتهم على دولته
(158)
وقال : ولسنا نجد غير هذا الرأي ما نفسر به مسلكه ولا سيما ما وقع منه بعد ذلك.
وما ذهب إليه بتلر لم تذهب إليه أية رواية من الروايات العربية؛ فقد كان بتلر يريد أن يعزو نجاح المسلمين في الاستيلاء على مدينة الفرما لسبب رئيسي هو خيانة المقوقس قيرس العظمى للدولة
(159)
ذلك لأنه قصر في حقها حين لم يبادر بإرسال عشرة الاف جندي إليها ليعوقوا مسيرة عمرو، واكتفوا بالمسلحة التي كانت ترابط فيها للدفاع عنها ؛ وقبل أن نتناول هذا الكلام بالرد والتفنيد نقول بادئ ذي بدء :إن الغرض المفهوم والمقصود من منطق بتلر هو تجريد الفتح الإسلامي من مزية نصر استحقه
(160)
هذا بعد كفاح مرير استمر شهرا أو شهرين وفي معرض الإنصاف يقتضينا الواقع أن نقول: إن مساحة المدينة الرومانية كانت تحتمي بأسوارها وتتحصن بحصونها، ولو كانت قيادتها تعلم أنهم أقل عددا من المسلمين وأضعف استعدادا ما فكروا ولو للحظة واحدة في التخلي عن مزاياهم الحربية
(161)
والخروج للقاء المسلمين في ساحة تعرف فيها أقدار الجيوش وأوزان الرجال. وما ذكرناه قبل يدل على وقوع قتال بين الطرفين، بل إن الكندي يقول : فتقدم عمرو إلى الفرما وبها جموع فقاتلهم فهزمهم. أما ما نرد به على ألفرد بتلر فيتلخص في نقطتين :
(162)
الأولى: أن القيادة الرومانية كانت تعلم بيقين أن المسلمين في الطريق إلى مصر بعد أن خلص لهم الشام، كما يقول بتلر نفسه (ص 188) ولذلك فقد كانت خطتهم في مواجهة هذا الزحف الذي أدركوا خطورته في حروب الشام المريرة أن يبذلوا أقصى الطاقة في حشد الجنود وإعدادها
(163)
انتظارا وترقبا لملاقاة جيوش المسلمين وكان من أنسب المواقع لهذه الخطة حصن بابليون لقوته وبعده عن مراكز تجمع المسلمين، ولاتصاله وقربه من العاصمة الإسكندرية والمواقع الأخرى التي كانت موزعة على اتساع مصر السفلى (الوجه البحري)
(164)
وهو تفكير صائب من جهة أن المسلمين كان عليهم لكي يصلوا إلى بابليون أن يقطعوا مسافة غير قصيرة سوف تستنزف بعض قوتهم في مواقع متقدمة محصنة ومسلحة بالجند المستعدين للقتال وهذه الخطة تستلزم عدم التفريط في عشرة الاف جندي يرسلون إلى الفرما في ظروف غير مأمونة وربما لنتيجة غير مضمونة
(165)
الثانية: أن بتلر نفسه يؤكد أن إرسال عشرة الاف جندي روماني إلى الفرما لو حدث لما حال بين المسلمين وبين فتح هذه البلاد أمدا طويلا وواضح أنه بهذا القول الذي لا لبس فيه يدافع من حيث لا يدري عن المقوقس والقيادة العسكرية الرومانية في مصر لأنهم لم يستدرجوا إلى الفرما
(166)
وبالتالي لم يكن في تصرفاتهم أثناء زحف المسلمين على مصر ذلك الخطأ المزعوم الذي رتب عليه بتلر زعما لا يقل الادعاء فيه عن سابقه إن لم يفقه ألا وهو الخيانة العظمى التي اقترفها المقوقس ضد إمبراطوريته التي أذن برحيلها عن مصر
(167)
ناهيك عن كل ذلك فان عقيدة الجيش المسلم وبما سبق له من الفتوح يوحى جليا ان المسلمون بطبيعتهم اشداء فى ذلك الوقت سواء خرج لهم المقوقس ام لم يخرج ؛ غير ان
حال بلاد مصر بعد الفتح صارت للافضل تحت الحكم الاسلامي ؛ لذلك فكان دخول الاسلام مصر رفعة لاهلها وارساء قواعدالعدل والمساواة
(168)
الفتوح بعد الفرما
كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح على ميمنة الجيش منذ خروجه من قيسارِية إلى أن فرغ من حربه حتى تمام فتح مصر ولا بد أن الروم البيزنطيين كانوا يتوقعون هذا الغزو بعد أن ضاعت منهم الشام وصار من غير المقصود أن ينصرف المسلمون عن أرض مصر
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(169)
كان أول قتال عند الفرما، وفي تقديرنا أنه بلغها حوالى 25 من صفر عام 20هـ وكان بالفرما حصن للبيزنطيين فقاتلوه قتالا شديدا نحوا من شهر حتى فتحها وكانت حامية الفرما البيزنطية مستعدة للقتال فحاربهم عمرو وهزمهم وحوى عسكرهم
(170)
ثم سار من الفرما لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى نزل القواصر وهي مسافة تزيد بعض الشيء عن 100 كيلو متر تحتاج في قطعها إلى ثلاثة أيام فيكون قد بلغها حوالي 9 من ربيع الاخر 20 هـ وكان عمرو قد حدد من قبل وجهته على أرض مصر أن يكون هدفه هو مدينة الإسكندرية التي زارها من قبل
(171)
فهي عاصمة البلاد وتتصل بالقسطنطينية بحرا وبكافة موانئ الدولة على بحر الروم وهي أكبر حاضرة في مصر منذ بناها الإسكندر الأكبر ولكي يزول حكم الروم تماما عن مصر فإنه يتعين إخراجهم من كل شبر من أرضها، فكيف يكون طريقه إليها؟ لا بد أنه قد حدد مساره
(172)
هل يخترق أرض الدلتا بزروعها وأنهارها وفيض مائها أو يدور حولها من جنوبها إلى غربها ويساير الصحراء حتى يصل إلى الإسكندرية؟ اختار عمرو الخيار الثاني وهو الطبيعي والمنطقي فالسير في الصحراء أفضل للعربي ودوابه من التورط بين الحقول وأوحالها، خاصة وقد كان الفصل شتاء
(173)
ولو أنه لا فيضان للنيل في هذا الفصل فإن احتمال سقوط الأمطار وارد، هذا فضلا عن تعدد فروع النيل وبحيرات شمال الدلتا. كما أن هذا الاختيار هو الضروي حربيا فإن هناك من حصون الروم ما لا بد من تصفيته قبل الوصول إلى الإسكندرية؛ حتى لا يتركها مشحونة بالجنود وراء ظهره
(174)
وقرر عمرو أن يكون هدفه الأول هو حصن بابليون؛ فهو أكبر هذه الحصون وأحصنها، ومكانه على الساحل الشرقي لنهر النيل، وموقعه الحالي بحي مصر القديمة من مدينة القاهرة، فهو بين دلتا النيل وصعيد مصر، وكانت الإسكندرية ذاتها قلعة يحيط بها سور حصين
(175)
كما كانت هناك حصون في أم دنين، ومكانها اليوم من مدينة القاهرة أيضا، (وأتريب) نواحي بنها، ومنوف ونقيوس وسخا وكريون، وفي الصعيد كانت حصون أخرى؛ فموقع حصن بابليون لم يكن عبثا، وإنما كان عن اختيار حربي سديد
(176)
سار عمرو من القواصر لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس 45 كيلو مسيرة يوم فقاتل حاميتها نحوا من شهر، حتى فتح الله عليه حوالي 9 من شهر جمادى الأولى 20هـ
(177)
ثم سار لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أم دنين (مسافة 70 كيلو مترا) مسيرة يومين، فقاتل الروم بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح فكتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده بأربعة الاف لاستكمال الفتح
(178)
يقول ساويرس بن المقفع عن المسلمين : وكانت أمة محبة للبرية؛ فأخذوا الجبل حتى وصلوا إلى قصر (حصن) مبني بالحجارة بين الصعيد والريف يسمى بابليون، فضربوا خيامهم هناك حتى ترتبوا لمقاتلة الروم بطبيعة الحال بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص بجيشه، وكان يتابعه وهو يتحرك على أرض مصر
(179)
فتوجه من الإسكندرية إلى حصن بابليون لملاقاة المسلمين وكان على الحصن قائد من الرومان عرف بالأعيرج وقيل الأعرج. ويبدو أن هذه صفة له ولم تكن اسما بالمعنى الصحيح، وكما جاء الخبر إلى المقوقس سيروس كذلك جاء خبر قدوم عمرو بجيش من المسلمين إلى البطرك بنيامين المختفي في صعيد مصر
(180)
فكتب إلى القبط على أرض مصر يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم باستقبال عمرو!! ولا بد أن البطرك بنيامين قد علم بانتصار المسلمين من الإنجيل، كما علم بانتصارات المسلمين على الفرس بالعراق وعلى الروم ببلاد الشام، وتراجع هرقل إلى عاصمته
(181)
كما كان بنيامين مطلوبا من الروم لإعدامه كما أعدموا أخاه مينا، وصبوا عذابهم على قبط مصر، ولعله أيضا أن يكون قد علم بمعاملة المسلمين لأهل العراق والشام، فليس غريبا بل منطقيا أن ينحاز بالقبط إلى جانب المسلمين
(182)
معركة عين شمس:
(الاثنين 1 جمادى الأولى 20 هـ فلقد ذكر حنا النقيوسي معركة على جانب من الأهمية ولم يذكرها الرواة المسلمون فقد جاء جيش المسلمين إلى تندونياس(أم دنين) وأرسى إلى النهر، وأن عمرو بن العاص أرسل إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما يطلب المدد فجاءه أربعة الاف
(183)
وقسم عمرو بن العاص قواته إلى ثلاث فرق:
1- فرقة بالقرب من تندونياس (مار جرجس كوم غراب)
2- الثانية إلى الشمال من بابليون
3- والثالثة قريبا من مدينة "أون" وهي عين شمس حاليا
(184)
وأن الروم لم يفطنوا إلى ما فعله عمرو بن العاص، فسار جيشهم من بابليون نحو جيش المسلمين، وبدأ الالتحام بناحية عين شمس ثم انقضت قوات المسلمين بأعداد كبيرة من تندويناس من الفريق الثاني وتدفقت عليهم من ورائهم بأعداد كبيرة
(185)
فهربت قوات الروم نحو السفن، وسقطت تندونياس بيد المسلمين، فسحقوا حاميتها ولم ينج منها سوى 300 استطاعوا الفرار إلى الحصن وأغلقوا أبوابه، ثم غلب عليهم الخوف والحزن، ففروا بالسفن إلى نقيوس (مدينة في المنوفية حاليا )
(186)
حصن بابليون:
كان الحصن على الساحل الشرقي لنهر النيل وما زالت له بقايا بمصر القديمة وكان موقع الحصن على النيل يوفر له الماء، كما كان يتصل من خلفه بالسفن، وكان له باب يفتح على أرصفة رسوها، وكان تجاه الحصن تحصينات أخرى في الجزيرة (الروضة) على الشاطئ المقابل من النيل
(187)
وكانت مدينة بابليون تمتد جنوب الحصن أما شماله فكانت حدائق كما كانت هناك مزارع إلى الشرق بينه وبين جبل المقطم أما مبنى الحصن فكان من خمسة طبقات من الحجر بارتفاع ثلاثة أقدام يعلوها طبقات بارتفاع قدم واحد فكل طبقتين معا حوالي 4 أقدام ثم يتكرر هذا النسق من القاعدة إلى القمة
(188)
وكان من ضمن أسوار الحصن أبراج تتخلل أضلاعه الشمالية والشرقية والجنوبية، طول البرج 2.10 مترا، وعرضه 7.6 مترا، وفي كل طابق خمس نوافذ بعرض 1.4 مترا في الطابقين الأول والثاني، و 0.7 مترا في الطابق الثالث، أما الأبراج الجنوبية فكان بها سبع نوافذ
(189)
وكان الضلع الغربي يمتد على النيل وبه صرحان مستديران مرتفعان يكشفان من جبل المقطم شرقا إلى الجيزة والأهرام والصحراء غربا، وحتى مسلة عين شمس شمالا، وكان قطر كل منهما نحوا من 30 مترا مطلة على النهر، وكانت أسوار الحصن ترتفع إلى نحو 18 مترا
(190)
أما سمك جدار السور فقد ذكر ألفريد بتلر في كتاب فتح العرب لمصر أن اثاره تدل على أنه كان ثمانية عشر قدما ( 5.5 مترا)، وكان ارتفاع النوافذ في الطابق الأوسط ثلاثة أمتار، أما في الأعلى فكان مترا ونصف، ويعلو كل نافذة عقد مقوس
(191)
وكان له باب بين الصرحين وباب في الضلع الجنوبي الغربي يفتح على درج يهبط إلى مرساه على النيل يدلى من أعلى خلال مجريين بالجدران ويسلك منه طريق بطول الحصن حتى الباب بالضلع الشمالي الشرقي، وكان الحصن على مستوى من الأرض يعلو ما حوله، كما كان حوله خندق وكانت مساحته عشرة أفدنة
(192)
المسلمون أمام حصن بابليون
الفتح الإسلامي لمصر وصل عمرو بن العاص بجيشه حتى حصن بابليون وكان الروم قد خندقوا حول حصنهم خندقا وجعلوا له أبوابا ونثروا بأفنية الأبواب سكك الحديد موانع للخيل والرجال وكان الجيش الذي مع عمرو قليل العدد وأمامه حصن حصين ..
يتـــبع غدا ان شاء الله
المصادر:
فتح العرب لمصر – ألفريد بتلر
فتح مصر _ جمال عبد الهادي
الكامل في التاريخ لإبن الأثير باب فتح مصر
تاريخ مصر الحديث والمعاصر - محمد سهيل طقوش
فتح العرب لمصر _ ابن عبد الحكم
بسم الله
(193)
كان الجيش الذي مع عمرو قليل العدد وأمامه حصن حصين، فكان يقسم أصحابه ليوهم الروم أنهم أكثر عددا، فلما بلغ خندقهم نادوه من فوق الحصن : إنا قد رأينا ما صنعت، وإنما معك من أصحابك كذا وكذا. فلم يخطئوا برجل واحد.
(194)
توقف عمرو أمام الحصن يقاتل الروم قتالا شديدا، وأبطأ الفتح فلم يحرز نصرا حاسما؛ فقد كان الروم يلوذون بحصنهم، وقد كان التفوق في تلك الاشتباكات للمسلمين لإزاحة الروم المسلمين عن حصنهم، وكتب عمرو إلى عمر رضي الله عنهما يخبره بالوضع ويستمده
(195)
فأمده عمر بأربعة الاف على كل ألف منهم رجل بمقام ألف، وهم الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، واختلف في الرابع فقيل: هو مسلمة بن مخلد، وقيل: خارجة بن حذافة العدوي وفي ذلك قال عمر لعمرو رضي الله عنهما: اعلم أن معك اثني عشر ألفا، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة
(196)
استمرار الحصار
أقام المسلمون أمام باب الحصن ستة أشهر، وقيل سبعة، وظل عمرو بن العاص أياما يغدو في السحر يصف أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح، وبينما هو على ذلك قدم الزبير بن العوام في المدد، وتلقاه عمرو ثم أقبلا يسيران معا، ولم يلبث الزبير أن ركب وطاف بالخندق
(197)
ثم قسم الرجال حول الخندق. وجاء رجل إلى عمرو بن العاص فقال: "اندب معي خيلا حتى اتي من ورائهم عند القتال" فأخرج معه خمسمائة فارس، فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل أو خليج بني وائل قبيل الصبح
(198)
وكان الروم قد خندقوا خندقا، وجعلوا له أبوابا، وبثوا في أفنيتها سكك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا، وخرج اللخمي بمن معه من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن، وفي رواية أن هذه القوة كان عليها خارجة بن حذافة
(199)
وقد ذكر البلاذري: أن الزبير كان يقاتل من جهة وعمرو بن العاص من جهة ولم يذكر أي جهة كان يتبع كل منهما ثم إن الزبير أتى بسلم فصعد عليه حتى أوفى على الحصن
وزاد ابن عبد الحكم: أن ذلك كان من ناحية سوق الحمام
(200)
ومر بنا سابقا أن رجلا طلب من عمرو بن العاص أن يندب معه خيلا حتى يأتي من وراء الروم عند القتال، ثم ساروا من وراء الجبل مما يعني أن جهة سوق الحمام كان في القطاع الذي تولاه الزبير بن العوام، وأن الدوران خلف الجبل كان في قطاع عمرو بن العاص
(201)
ويؤيد هذا أن شرحبيل بن حجية المرادي نصب سلما اخر من جهة زقاق الزمامرة، ثم تنازع مع الزبير على باب أو مدخل، مما يدعم أنه لم يكن يتبعه، وأنه كان في قطاع عمرو بن العاص. وبعبارة أخرى: إن الزبير كان شمال شرق الحصن، وعمرو في جنوب شرق الحصن
(202)
عندما جاء المدد إلى عمرو بن العاص شدد قتاله وألح على القصر ووضع عليه المنجنيق ولم يلبث الزبير أن ركب ثم طاف بالخندق، وقسم الرجال حوله، وكانت قبيلة بلي تقف عن يمين راية عمرو بن العاص؛ لأن أم العاص بن وائل بلوية...
(203)
المفاوضات بين المسلمين والرومان
أرسل المقوقس إلى عمرو يقول : إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنت عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسرى في أيدينا
(204)
فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبكم ورجائكم
(205)
فابعث إلينا رجالا من أصحابك نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء وعندما أتت رسل المقوقس إلى عمرو بن العاص حبسهم عنده يومين وليلتين، حتى خاف عليهم المقوقس فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك في دينهم؟
(206)
وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين، ثم رد عليهم مع رسله: أنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما إن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين
(207)
المسلمون كما وصفهم الرومان
فلما رجعت رسل المقوقس إليه قال لهم: كيف رأيتموهم؟ قالوا : رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم
(208)
وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد فيهم من العبد، إذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم
(209)
فقال المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محاصرون بهذا النيل، لن يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم
(210)
الحوار بين عبادة بن الصامت والمقوقس
ثم بعث المقوقس رسله مرة أخرى إلى عمرو بن العاص يقولون له: ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، ولم تذكر المصادر أسماء الاخرين
(211)
وكان عبادة أسود اللون وطوله عشرة أشبار (أي يتجاوز المترين طولا) وأمره أن يكون متكلم الوفد، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الخصال الثلاث فركبوا السفن وعبروا من جهة بابليون إلى الجزيرة
(212)
فلما دخلوا على المقوقس تقدم عبادة فهابه المقوقس وقال: نحوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني فقالوا جميعا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، أمرنا بأن لا نخالف رأيه وقوله
(213)
قال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ فقالوا:لا، إنه وإن كان أسود فإنه من أفضلنا موضعا، وأفضلنا سابقة، وعقلا ورأيا وليس ينكر السواد فينا ثم قال المقوقس لعبادة: تقدم كلمني برفق؛ فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لذلك هيبة
(214)
فتقدم إليه عبادة وقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود، كلهم أشد سوادا مني، وأفظع منظرا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد وليت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعا، وكذلك أصحابي
(215)
وذلك أنا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله، واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا، ولا طلبا للاستكثار منها، إلا أن الله قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهما
(216)
لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يتلحفها،فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه،وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله،واقتصر على هذا الذي بيده،ويبلغه ما كان في الدنيا؛لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء،وإنما النعيم والرخاء في الاخرة
(217)
وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: "هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندي من منظره
(218)
وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت فقال: أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت،وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها
(219)
وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة، ما يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم
(220)
ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به
(221)
المسلم لا يهاب عددا ولا عدة
تكلم عبادة عن هدف المسلمين من الجهاد في سبيل الله وهو نشر هذا الدين وإخراج الناس من الظلمات إلى النور وأن المسلم لا يهاب عددا ولا عدة فقال للمقوقس: يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنا لا نقوى عليهم
(222)
فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقا فذلك -والله- أرغب ما يكون في قتالهم، وأشد لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا عن اخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقر لأعيننا، ولا أحب إلينا من ذلك
(223)
وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين، إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الاخرة إن ظفرتم بنا، وإن الله عز وجل قال لنا في كتابه: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة:249]
(224)
وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا أرضه ولا أهله وولده، وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا
(225)
وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه ثم بعد الحوار يعرض عبادة على المقوقس مطالب المسلمين فيقول:
(226)
فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك، ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله ﷺ من قبل إلينا، إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره
(227)
وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه؛ فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والاخرة، ورجعنا عن قتالكم ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم
(228)
فان أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا
(229)
وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن اخرنا، أو نصيب ما نريد منكم، هذا ديننا الذي ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم فقال له المقوقس: هذا ما لا يكون أبدا، ما تريدون إلا أن تتخذونا نكون لكم عبيدا ما كانت الدنيا
(230)
قال عبادة بن الصامت: هو ذاك، فاختر ما شئت
فقال له المقوقس: أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال؟
فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب هذه السماء ورب هذه الأرض، ورب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه وقال:قد فرغ القوم، فما ترون؟
(231)
فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل؟! أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا ما لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح ابن مريم وندخل في دين غيره لا نعرفه، وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيدا، فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا
(232)
قال المقوقس لعبادة:قد أبى القوم فما ترى؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.فقام عبادة وأصحابه.فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله:أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث فوالله ما لكم بهم طاقة ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين
(233)
فقالوا: وأي خصلة نجيبهم إليها؟ قال: إذن أخبركم، أما دخولكم في غير دينكم فلا امركم به، وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة".
قالوا: أفنكون لهم عبيدا أبدا؟
(234)
قال: نعم، تكونوا عبيدا مسلطين في بلادكم، امنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، خير لكم من أن تموتوا عن اخركم، وتكونوا عبيدا تباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهليكم وذراريكم.
(235)
قالوا: فالموت أهون علينا. وأمروا بقطع الجسر من بابليون والجزيرة، وبالقصر من الروم والقبط جمع كثير، فألح عليهم المسلمون عند ذلك بالقتال على من في الحصن حتى ظفروا بهم، ومكنهم الله منهم فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة
المصادر:
ابن عبد الحكم : فتوح مصر واخبارها
البلاذري : فتوح البلدان
المقريزي : المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار / فتح مصر
(236)
كان الروم قد خندقوا خندقا حول حصن بابليون وجعلوا للخندق أبوابا لخروجهم ودخولهم ونثروا سكك الحديد بأفنية الأبواب لم يذكر الرواة أماكن تلك المخارج ولكنا نرى أنه من المنطق أن تكون تجاه أبواب الحصن كما أن استعمال صيغة الجمع أبوابا تعني أنها لم تقل عن ثلاثة
يتـبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(237)
نعلم أنه كان للحصن باب في الجدار الشمالي أمام الجهة التي أقيم بها بعد ذلك جامع عمرو وباب في المدخل الجنوبي الذي نشأ أمامه بعد ذلك السوق الكبير وفى ذلك المكان كان النيل يصل إلى جدار الحصن كما كان هناك باب في الجدار الشرقي الذي كان ينفذ منه درب الحجر
(238)
أبطأ الفتح أمام حصن حصين يلوذ به الروم ولا يخرجون منه إلا إذا أرادوا ثم يعودون إليه منهزمين فيعتصمون به ثم ماذا؟ في عديد من الروايات عن رواة ثقات قال الزبير بن العوام:إني أهب نفسي لله فأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين ووضع سلما من الخشب إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام
(239)
وأمر المسلمين إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا. كان الزبير فدائيا شجاعا لا يدري ما سوف يلقى فوق السور من قوات الروم، وكان في نحو الخمسين من عمره وما دام جدار الحصن كان يرتفع حوالي 18 مترا، فلا بد أن السلم لا يقل عن عشرين مترا حتى نتصور إمكان استناده مائلا على جدار الحصن
(240)
فهو سلم كبير غير عادي، استغرق بعض الوقت في صناعته، ربما أياما، كذلك لا بد أنه كان ثقيلا، استلزم حمله على أكتاف عديد من الرجال الأشداء، وعبور الخندق به في صمت تام إلى جدار الحصن حتى لا ينتبه الروم، ولا بد أيضا أنه كان قد تم صنعه في الخلف على مسافة من الحصن
(241)
وربما كان ذلك في موقع بني بلي (250 مترا أو يزيد)، فهم الذين تسلق رجال منهم الحصن مع الزبير (بنو حرام). وقد صعد مع الزبير إلى أعلى الحصن محمد بن مسلمة الأنصاري، ومالك بن أبي سلسلة، ورجال من بني حرام
(242)
وبطبيعة الحال كان ذلك في غفلة من أهل الحصن، فلا نذهب إلى أنه حدث نهارا، وإنما يتحتم أنه كان ليلا، ويدعم ذلك أنه كان يوم الجمعة 29 من ذي الحجة20هـ بما يعني عدم وجود هلال يكشف بسطوعه عملية الاقتراب والتسلق، فضلا عن أن الفصل شتاء بارد ينشد جنود الروم الدفء فيه
(243)
خاصة وأنه قد مضى على وقوف المسلمين أمام الحصن سبعة أشهر، اعتادوا على عدم حدوث شيء من هذا القبيل ولم يخطر لهم على بال، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه سيفه والمسلمون يرددون تكبيره، وقد تسلقوا على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر
(244)
ثم انحدر الزبير ومن معه إلى داخل الحصن، والأرجح أنهم نزلوا على سلالم البرج، وأصاب الرعب أهل الحصن فهربوا من أمامهم، وعمد الزبير إلى باب الحصن المغلق من الداخل ففتحه واقتحمه المسلمون من الخارج
(245)
سقوط حصن بابليون وطلب الروم للصلح
كان الحصن في قلب مصر، وكان أحصن ما بيد الروم في مواجهة جيش المسلمين، فلما سقط بدا واضحا حرج موقف الروم أمام عملية الفتح. نعم ما زال أمام المسلمين أن يعبروا مجاري مائية خاصة نهر النيل، ولكن أيضا صار مألوفا لديهم أن يجدوا حلا أمام كل عقدة
(246)
صار المسلمون وقد أحدق بهم الماء من كل جهة واتجاه لا يقدرون أن ينفذوا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم؟ ما تنظرون؟ فوالله لتجيبنهم إلى ما أرادوا طوعا، أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرها فأطيعوني من قبل أن تندموا
(247)
فلما رأوا منهم ما رأوا وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه، وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إني لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إلي بها، فأبى ذلك علي من حضرني من الروم والقبط
(248)
فلم يكن لي أن افتات عليهم في أموالهم وقد عرفوا نصحي لهم وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه
(249)
فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا، وتصير الأرض كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه قال عمرو: قد علمتم ما عهد إلي أمير المؤمنين في عهده
(250)
فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلي فيها أجبتهم إليها وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم ؛ فجنح المسلمون إلى الصلح كما عاهدهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) وتم عقد الصلح بين المسلمين والرومان ونذكره كما أورده الطبري:
(251)
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف
(252)
فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايتهم إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو امن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا
(253)
عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا، على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة
(254)
وشرط المقوقس للروم أن يخيروا فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه فيمن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج على أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلنه ما فعل
(255)
وإن قبل ذلك منه ورضيه جاز عليهم وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه وكتبوا بذلك كتابا إلى ملك الروم يعلمه بذلك، فجاءه من ملك الروم جوابه على ذلك يقبح رأيه وعجزه ويرد عليه ما فعل، ويقول: إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى
(256)
فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم بالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم على حال القبط أذلاء!
(257)
ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنهم فيكم -على قدر كثرتكم وقوتكم، وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال ولا يكون لك رأي غير ذلك وكتب ملك الروم بمثل ذلك إلى جماعة الروم
(258)
قال المقوقس: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل يتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا
(259)
ويقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذة إلا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء؟ وكيف صبرنا معهم؟! واعلموا معشر الروم والله أني لا أخرج مما دخلت فيه ولا صالحت العرب عليه
(260)
وأني لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى رأيي وقولي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني، وذلك أني قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه. ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون امنا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة؟!
(261)
ثم أقبل المقوقس على عمرو بن العاص وقال له: إن الملك قد كره ما فعلت وعجزني، وكتب إلي وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني
(262)
وقد تم صلح القبط بينك وبينهم ولم يأت من قبلهم نقض، وأنا متم لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم، وأما الروم فأنا منهم براء. وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال قال عمرو : ما هن ؟
(263)
قال: لا تنقض بالقبط وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه، فهم يتمون لك على ما تحب. وأما الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا؛ فإنهم أهل ذلك لأني نصحتهم فاستغشوني، ونظرت لهم فاتهموني
(264)
والثالثة أطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم يدفنونني في كنيسة أبي يحنس بالإسكندرية فقال عمرو: هذه أهونهن علينا؛ فأنعم له عمرو بن العاص بذلك وأجابه إلى ما طلب على أن يضمنوا له الجسرين جميعا،ويقيموا له الأضياف والأنزال والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ففعلوا...
المصادر:
الطبري / تاريخ الأمم والملوك / ج الرابع
البلاذري/ فتوح البلدان / فتح مصر
ألفريد بتلر / فتح العرب لمصر
محمد سهيل طقوش / تاريخ الخلفاء الراشدين / الفتوحات
(265)
فتح الإسكندرية
الزحف إلى الإسكندرية ومعاونة الأقباط للمسلمين!
بعد سقوط حصن بابليون في أيدي المسلمين أقاموا بهثم كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستأمره في الزحف إلى الإسكندرية فكتب إليه عمر يأمره بذلك.ز
يتـــبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(266)
وقد استخلف عمرو بن العاص رضي الله عنه على ما فتح خارجة بن حذافة السهمي وسار على رأس من معه ؛ ... ثم حدث بعد ذلك أمران مهمان ، وهما :
1_ جاء إلى الروم إمدادات كثيرة.
2_ أصبح للقبط موقف واضح ألا وهو تعاونهم مع المسلمين
(267)
خرج عمرو بن العاص بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط، وقد أصلحوا لهم الطرق وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصار القبط لهم أعوانا على ما أرادوا من قتال الروم، وسمع بذلك الروم فاستعدوا واستجاشوا
(268)
وقدم عليهم مراكب كثيرة من أرض الروم فيها جموع كثيرة منهم بالعدة والسلاح، فخرج إليهم عمرو بن العاص من بابليون متوجها إلى الإسكندرية، فلم يلق منهم أحدا حتى بلغ ترنوط، فلقي بها طائفة من الروم فقاتلوه قتالا خفيفا فهزمهم الله
(269)
ومضى عمرو بن العاص بمن معه حتى لقي جمع الروم بكوم شريك، فاقتتلوا به ثلاثة أيام ثم فتح الله للمسلمين، وولى الروم مدبرين وتجمع الروم والقبط دون الإسكندرية ببلدة كريون، وفيهم من أهل سخا وبلهيب والخيس وسلطيس وغيرهم
(270)
وهذا يخالف الروايات الصحيحة التي ذكرت أن القبط كانوا أعوانا للمسلمين مثل رواية ابن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر وأخبارها"؛ ولذلك نذهب إلى أن أهل هذه القرى قام الروم بتجنيدهم وحشرهم ليقاتلوا معهم، وأثخن المسلمون الروم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة
(271)
وطاردوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصنوا بها. وكانت عليهم حصون لا ترام؛ حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس إلى ما وراء ذلك، ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة.
(272)
وقد ذكرنا من قبل أن فتح بابليون كان يوم الجمعة 29 من ذي الحجة 20هـ وتقول الروايات: إن عمرو بن العاص ظل أمام الإسكندرية محاصرا لها ثلاثة أشهر وتعني هذه الروايات أن المسلمين قطعوا ما بين بابليون حتى الإسكندرية في ستة أشهر، ثم أقاموا أمامها ثلاثة أشهر
(273)
وعلى ذلك يكون وصول المسلمين إلى الإسكندرية كان نحو 19جمادى الاخرة21هـ ويكون فتحها حدث نحو 19رمضان21هـ وقد ذكر خليفة بن خياط في تاريخه أن فتحها كان سنة 21هـ على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه
(274)
إحكام الحصار على حصن كريون
فر الرومان نحو الإسكندرية، وكان حصن كريون اخر سلسلة الحصون قبل الإسكندرية، وقد اعتصم به "تيودور" قائد الجيش البيزنطي مع حامية قوية، وبعد أن تمكن المسلمون من اقتحامه فر "تيودور" وبعض أفراد حاميته إلى الإسكندرية
(275)
وقد أدرك عمرو فور وصوله إلى الإسكندرية ودراسته للوضع الميداني أن المدينة حصينة؛ إذ يحيط بها سوران محكمان، ولها عدة أبراج، ويحيط بها خندق يملأ من ماء البحر عند الضرورة للدفاع، وتتألف أبوابها من ثلاث طبقات من الحديد، ويوجد مجانيق فوق الأبراج
(276)
وقد بلغ عدد جنود حاميتها بعد الإمدادات التي أرسلها الإمبراطور البيزنطي خمسين ألف جندي ويحميها البحر من الناحية الشمالية وهو تحت سيطرة الأسطول البيزنطي الذي كان يمدها بالمؤن والرجال والعتاد وتحميها قريوط من الجنوب ومن المتعذر اجتيازها وتلفها ترعة الثعبان من الغرب
(276)
وبذلك لم يكن للمسلمين طريق إليها إلا من ناحية الشرق، وهو الطريق الذي يصلها بكريون، وكانت المدينة حصينة من هذه الناحية، ومع ذلك لم ييأس، ووضع خطة عسكرية ضمنت له النصر في النهاية، قضت بتشديد الحصار على المدينة حتى يتضايق المدافعون عنها
(277)
ويدب اليأس في نفوسهم، فيضطرون للخروج للاصطدام بالمسلمين لتخفيف وطأة الحصار، وهكذا يستدرجهم ويحملهم على الخروج من تحصيناتهم، ثم ينقض عليهم.
ونتيجة لاشتداد الصراع في القسطنطينية بين أركان الحكم، انقطعت الإمدادات البيزنطية عن الإسكندرية
(278)
إذ لم يعد أحد منهم يفكر في الدفاع عنها، مما أثر سلبا على معنويات المدافعين عنها، فرأوا أنفسهم معزولين ولا سند لهم، ومما زاد من مخاوفهم ما كان يقوم به المسلمون من غارات على قرى الدلتا والساحل، فإذا سيطروا عليها فسوف يقطعون الميرة عنهم.
(279)
رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى عمروبن العاص رضي الله عنهما :
كان عمر بن الخطاب في المدينة ينتظر أنباء فتح مصر، وهو أشد ما يكون استعجالا لنبأ سقوط الإسكندرية في أيدي المسلمين، ولكن هذا النبأ أبطأ عنه أشهرا، فذهب يبحث عن السبب
(280)
وهو لم يقصر عن إمداد عمرو بما يحتاج إليه من المساندة التي تكفل له النصر، وخشي أن تكون خيرات مصر قد غرت المسلمين فتخاذلوا؛ فقال لأصحابه: ما أبطئوا بفتحها إلا لما أحدثوا أي لما أحدثوا من ذنوب وكتب إلى عمرو بن العاص ما يلي :
(281)
أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر إنكم تقاتلونهم منذ سنتين، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم
(282)
وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس، وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية
(283)
وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة، ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم
(284)
تحقيق النصر.. ونجاح الفتح
وعندما أتى عمرا الكتاب جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله عز وجل ويسألوه النصر؛ ففعلوا ففتح الله عليهم.
(285)
ويقال: إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد في قتال الروم بالإسكندرية، فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيك. قال عمرو: ومن ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت.
(286)
فدعا عمرو عبادة فأتاه وهو راكب فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك لا تنزل؛ فناولني سنان رمحك. فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له، وولاه قتال الروم، فتقدم عبادة مكانه، فقاتل الروم حتى فتح الله على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك
(287)
يقول جنادة بن أبي أمية:دعاني عبادة بن الصامت يوم الإسكندرية، وكان على قتالهم، فأغار العدو على طائفة من الناس ولم يأذن لهم بقتالهم فسمعني فبعثني أحجز بينهم فأتيتهم فحجزت بينهم، ثم رجعت إليه، فقال: أقتل أحد من الناس هنالك؟ قلت: لا. فقال: الحمد لله الذي لم يقتل أحدا منهم عاصيا
(288)
لقد عانت الإسكندرية من الحصار، وأدى ذلك إلى هبوط معنويات الجند والقادة، خاصة بعد وفاة هرقل، فأسرع المقوقس بالسفر إلى مصر على رأس جنده لتسليم المدينة، ورافقه عدد من القساوسة، وبذلك فتح الله الإسكندرية على المسلمين.
(289)
حضارة المسلمين في التعامل مع الأعداء
تم هذا الفتح عنوة، ولكن عمرا جعل أهلها ذمة على أن يخرج من يخرج، ويقيم من يقيم باختيارهم، شأن المسلمين مع أهالي معظم البلاد التي فتحوها، وإنما عامل عمرو المصريين معاملة من فتحت بلادهم صلحا ليستجلب محبتهم
(290)
وتتألف الهدنة التي عقدها المقوقس مع عمرو بن العاص من أمرين:
الأمر الأول(1) : شروط تسليم مدينة الإسكندرية ، ومنها:
- أن يدفع أهل الإسكندرية الجزية المستحقة عليهم دينارين كل عام
- أن يحافظ المسلمون على الكنيسة المسيحية، فلا يتعرضون لها بسوء، ولا يتدخلون في شئونها.
(291)
الأمر الأول(2)
- أن يتمتع أهل الإسكندرية بالحريات الدينية
- أن تعقد هدنة مدتها 11 شهرا، يبقى المسلمون في أثنائها عند مواقعهم الأولى.
- أن يكف الروم عن القتال، وألا يحاولوا استرداد مصر، ولا تعود إليها قوة حربية.
(292)
الأمر الأول(3)
- أن ينسحب البيزنطيون، ويأخذون معهم أموالهم وأمتعتهم عن طريق البحر. وإذا تم الانسحاب دخلت قوات المسلمين واحتلت المدينة.
- أن يكون عند المسلمين من الروم 150 جنديا، و50 مدنيا رهينة؛ لتنفيذ المحافظة على الجالية اليهودية، وكان عددها عظيما.
(293)
الأمر الأول(4)
- أن يرحل جند الروم من الإسكندرية في البحر على أن يحملوا متاعهم وأموالهم، ومن أراد الرحيل برا فليدفع كل شهر جزءا معلوما من المال، ما بقي في أرض مصر أثناء رحلته.
(294)
الأمر الثاني (1)
أن المعاهدة القديمة التي عقدها المقوقس مع عمرو بن العاص بحصن بابليون،ستطبق على القطر المصري كله، وتصبح معاهدة يدخل فيها جميع المصريين من حيث تأمين أهل مصر على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، بما يضمن منح المصريين حقوقهم وحرياتهم
(295)
الأمر الثاني (2)
وقد حمل قيرس شروط الصلح إلى تيودور وهو القائد الأعلى للجيش للموافقة عليها، وأرسلت إليه فأقرها وبالفعل تم تنفيذ الاتفاق، وأخلى الروم الإسكندرية، ورحلوا عنها قبل حلول الموعد المحدد لانتهاء الهدنة بين الطرفين إذ تم إخلاؤها بتاريخ السابع عشر من سبتمبر سنة 642م
(296)
تأمين حدود مصر
لقد حرص عمرو بن العاص على تأمين الإسكندرية من هجمات الأعداء المباغتة، فجعل نصف جنده معه بالفسطاط وأمر النصف الاخربالمرابطة بسواحل مصر خاصة الإسكندرية، بحيث يتم ذلك بالتبادل صيفا وشتاء، مدة ستة أشهر لكل فريق مع توفير المساكن اللازمة للإقامة هناك
(297)
وبعد أن فرغ المسلمون من فتح مصر، رأى عمرو بن العاص ضرورة تأمين حدودها من جهة الغرب، وبخاصة أن الروم قد أجبروا على الخروج منها، وهم يتحينون الفرصة لاستعادتها. ولما كانوا يبسطون نفوذهم وسلطانهم على المناطق التي تقع غرب مصر حتى المحيط الأطلنطي، كان لا بد من تأمين تلك الحدود
(298)
لذلك كان من الضروري استمرار الفتح غربا لارتباط تلك المناطق الوثيق بمصر؛ فقد كانت (أنطابلس(برقة) وطرابلس:ليبيا حاليا ) قد انفصلتا عن الإمبراطورية البيزنطية منذ عهد موريس 583- 602م، وكانتا شبه مستقلتين وتابعتين لمصر رسميا وأيدتا جريجوريوس لدى انفصاله عن الإمبراطورية البيزنطية
#المصادر:
محمد سهيل طقوش/تاريخ الخلفاء الراشدين/ الفتوحات/فتح مصر
البلاذري / فتوح البلدان
ابن الأثير /الكامل فى التاريخ / فتح الاسكندرية
ابن عبد الحكم/ ذكر فتح العرب لمصر/ فتوح مصر وأخبارها
(299)
إنشاء الفسطاط
يعتبر تخطيط وإنشاء المدن الإسلامية من الأعمال العمرانية المهمة التي قام بها عمرو، لقد كان الهدف من إنشاء هذه المدن من أجل جند المسلمين وعائلاتهم في المناطق المفتوحة؛ ليكون الجند فيها مستعدين دائما للجهاد في سبيل الله...
يتـــبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(300)
كان الهدف من إنشاء هذه المدن من أجل جند المسلمين وعائلاتهم في المناطق المفتوحة؛ ليكون الجند فيها مستعدين دائما للجهاد في سبيل الله، وللدفاع عن حدود الدولة الجديدة، ونقطة انطلاق عسكري لأي توسع إسلامي.
(302)
وكان المسلمون قبل إنشاء المدن يقيمون بمساكن من القصب فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب وحزموه ووضعوه حتى يرجعوا من الغزو، وإذا رجعوا أعادوا بناءه، فلم تزل الحال كذلك حتى كانت أوامر أمير المؤمنين ببناء المدن
(303)
وإذا ما بحثنا في تاريخ العرب المسلمين نرى أنهم حين خرجوا من شبه الجزيرة العربية فاتحين ورجال دعوة للدين الإسلامي وبناة حضارة جديدة، كانوا قد تعودوا على الاستقرار في المدن كمكة والمدينة
(304)
ناهيك عن إقامتهم في المدن التي كانت قائمة في جنوبي الجزيرة العربية منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وحضارات عرب سوريا قبل الإسلام كالأنباط والتدمريين والغساسنة واللخميين.
(305)
لذلك يمكننا القول: إن العرب المسلمين حينما خرجوا فاتحين كانوا مهيئين لهذه النقلة التاريخية من طور البداوة إلى طور الحضارة، وهذا ما جسده بناء البصرة والكوفة، ثم الفسطاط في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(306)
وفي ذلك نقول: إن الدعوة الإسلامية أحدثت ثورة دينية، وسياسية، واقتصادية؛ فقد تجاوز الإسلام بالعرب الحدود القبلية، ثم وحدهم بحروب الردة في نطاق أمة واحدة، ودفعهم إلى الجهاد فأخرجهم من مواطنهم إلى افاق جغرافية جديدة
(307)
ولم يعد المتتبع لسير حركة الفتوح يرى فيهم جماعات متعددة، وإنما يرى جماعة واحدة، تملأ عقيدتها ما كان بينها من فراغ وقد أنشئت البصرة سنة 15هـ، والكوفة سنة 17هـ، والفسطاط سنة 21هـ.
(308)
إنشاء الفسطاط
تقع الفسطاط في إقليم مصر على ساحل النيل في طرفه الشمالي الشرقي قبل القاهرة بحوالي ميلين وكان النيل عندها ينقسم إلى قسمين وموضعها كان فضاء ومزارع بين النيل والجبل الشرقي ليس فيه من البناء والعمارة سوى حصن بابليون الذي يطل على النيل من بابه الغربي "باب الحديد"
(309)
واستفادت الفسطاط من موقعها على النيل بنتيجتين : فقد يسر النيل للأهالي سبل الحصول على الماء من جهة، وخدم توسعها العمراني من جهة ثانية، فتحكمت بطرق المواصلات التجارية الداخلية والخارجية بين مصر والشام، وبين مصر والحجاز
(310)
وقد اكتشف هذا الموقع الإستراتيجي الفراعنة والبابليون والرومان، فاتخذ منه الفراعنة مكانا لمدينة كبيرة، جعلها البابليون مكانا لاستقرارهم عند نزولهم في مصر، ثم اتخذه الرومان مقرا لدفاعهم يصلون به الوجهين البحري والقبلي، ويدفعون منه كل معتد خارجي على مصر
(311)
والفسطاط من حيث المناخ تتبع المناخ شبه الصحراوي، فهي حارة نهارا وباردة ليلا، لا ينزلها المطر إلا نادرا، كما هو الحال في باقي إقليم مصر ما عدا الإسكندرية وبعد الصلح سار المسلمون إلى الإسكندرية وعاونهم القبط في أعمالهم، ورحبوا بهم
(312)
وعند حصن الإسكندرية اقتتلوا قتالا شديدا، ثم تم لهم فتحها بعد حصار دام بضعة أشهر، وقبل أهل مصر الصلح وعليه نشير إلى أن عمرو بن العاص حينما عزم على التوجه إلى الإسكندرية، أمر بنزع فسطاطه الذي ضربه قرب حصن بابليون، فإذا فيه يمام قد فرخ فأقره كما هو
(313)
وحينما فتح المسلمون الإسكندرية أراد عمرو بن العاص اتخاذها عاصمة ودار هجرة للمسلمين فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في ذلك، فسأل عمر رسول عمرو بن العاص: هل يحول بيني وبين المسلمين الماء؟ فأجابه : نعم
(314)
فكتب عمر إلى ابن العاص أن يرحل عن هذا المكان لأنه لا يريد أن يحول بينه وبين المسلمين الماء لا في الصيف ولا في الشتاء فتحول عمرو بن العاص إلى موضع فسطاطه القديم، وذلك حينما استشار أصحابه أين ينزلون، فأشاروا عليه بالنزول في هذا الموضع
(315)
وكان مضروبا في موضح الدار التي تعرف بدار الحصى عند دار عمرو الصغرى، ثم انضمت إليه القبائل وتنافست في المواضع، واختط عمرو المسجد الجامع الذي عرف بتاج الجوامع، وكان حوله حدائق وأعناب، وقام عمرو بنصب الحبال مع أصحابه حتى استقامت
(316)
وقد اشترك في وضع قبلة المسجد من ثمانين صحابيا، واتخذوا فيه منبرا، ثم اختط الناس بعد اختطاط المسجد الجامع، ونزل المسلمون الفسطاط بعد تمصيره سنة 21هـ هذا وقد أنزل عمرو بن العاص القبائل العربية بالفسطاط، وبعد أن اختط المسجد الجامع، بنى للخليفة عمر دارا عند المسجد
(317)
فكتب إليه عمر قائلا: أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين وتم ما أراده أمير المؤمنين وأصبحت هذه الدار تسمى بدار البركة وسرعان ما اتخذت الفسطاط مظهر المدينة بجامعها الكبير وبأسواقها التجارية التي أحاطت به
(318)
وبدور السكن التي ارتفعت بمرور الزمن إلى خمسة وسبعة أطباق، وعظم أمرها واغتنت، وكثر ساكنوها حتى قاربت ثلث بغداد مساحة، أي حوالي فرسخ على غاية الخصب والعمارة والحضارة، وبقيت دار الإمارة حتى سقطت الدولة الأموية، وبنيت المعسكرات بظاهرها
(319)
وقد وفق عمرو بن العاص في اختيار الموقع الإستراتيجي لبناء الفسطاط سياسيا وجغرافيا؛ فالموقع الذي ضرب عليه عمرو فسطاطه كان موضعا لمدينة قديمة اندثرت ثم ازدهرت ثانية مع دخول الإسلام لمصر، وإنما بنمط معماري جديد وبحياة وحضارة جديدتين
(320)
حتى أصبحت الفسطاط -مع هذا كله- مدينة جديدة زاهرة بكل ما يجعل شأن العواصم كبيرا وكان ذلك إيذانا بدخول وادي النيل في الإسلام لتسطع من الفسطاط فيما بعد أنوار الحضارة العربية الإسلامية وأنوار الدين الإسلامي، ولتصبح فيما بعد قاعدة الفتوح الإسلامية في المغرب
(321)
وعن سبب التسمية نشير إلى أن عمرو بن العاص كما يذكر الطبري، وبعد فتح حصن بابليون أراد رفع الفسطاط والمسير إلى الإسكندرية لإتمام فتح مصر، فإذا يمام قد فرخ في أعلاه فتركه على حاله، وأوصى به صاحب الحصن والقصر
(322)
فلما فتح الإسكندرية وأراد الاستقرار بها نهاه عمر بن الخطاب عن ذلك، وأوصاه باختيار موضع وسط يتيسر الاتصال به، فلم يجد عمرو أنسب من اختيار الموقع الملاصق لحصن بابليون لحصانته وموقعه، وسأل أصحابه: أين تنزلون؟ قالوا: نرجع إلى موقع فسطاطه؛ لنكون على ماء وصحراء
(323)
فعاد إليها ومصرها وأقطعها للقبائل التي معه، فنسبت المدينة إلى فسطاطه، فقيل: فسطاط عمرو. فالفسطاط على هذا النحو معسكر أو مخيم أو بيت من الشعر ويذكر ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار أن العرب يقولون لكل مدينة: الفسطاط، ولذا سموا مصر بالفسطاط
#المصادر:
ابن عبد الحكم/ ذكر الخطط (المدن والأمصار والمعسكرات) التي شيدها العرب في مصر
ياقوت الحموي / معجم البلدان
ابن دقماق / الدرة المضية في فضل مصر والإسكندرية
زكي عبد الرحمن/ حواضر العالم الإسلامي في ألف وأربعمائة عام
(324)
عن تخطيط المدينة العمراني نشير إلى أن أول بناء اختطه عمرو بن العاص في الفسطاط كان مسجده الجامع، وكان مسجدًا كبيرًا شريف القدر شهير الذكر، ثم بنى عمرو داره الكبرى عند باب المسجد، وكان يفصلها عن الجامع طريق، ثم اختط دارًا أخرى ملاصقة لها
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(325)
كانت هذه الخطط في الفسطاط بمثابة الحارات في القاهرة، واختط خارجة بن حذافة غربي المسجد، وبنى أول غرفة بمصر، والغرفة هي قاعة تعلو الدار وتطل على الطريق، وهي التي أمره عمر بن الخطاب بهدمها؛ لكي لا يطلع على عورات جيرانه.
(326)
أما الدار البيضاء التي استغرق بناؤها أربعين يومًا فاختطها عبد الرحمن بن عُدَيْس البلوي، وبُنِيَتْ لمروان بن الحكم حين قدم إلى مصر، وكانت صحنًا وموقفًا لخيل المسلمين بين المسجد ودار عمرو.
(327)
وبنى عمرو بن العاص لبني سهم دار السلسلة الواقعة غربي المسجد، واختطت ثقيف في الركن الشرقي للمسجد الجامع، واختط أبو ذر الغفاري دار العمد ذات الحمام، واختطت همذان الجيزة، وحينما أخبر عَمرو عُمر بن الخطاب بذلك ساءه، وكتب إلى عمرو يقول:
(328)
كيف رضيت أن تفرق عنك أصحابك؟! لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، لا تدري ما يفاجئهم، فلعلك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره، فاجمعهم إليك، فإن أبوا عليك وأعجبهم موضعهم فابنِ عليهم من فَيْء المسلمين حصنا
(329)
وحينما لم يرجعوا ومن والاهم من رهطهم كيافع وغيرها، بنى لهم عمرو الحصن سنة 22هـ. وكان يتوسط خطط الجيزة أرض فناء فسيحة، فلما قدمت الإمدادات زمن عثمان بن عفان، وفيما بعد ذلك، كثر الناس في هذه الأرض، وكثر بنيانها حتى التأمت خطط الجيزة، وأصبحت امتدادًا للفسطاط وأرضًا منها.
(330)
وكثرت بالفسطاط الحارات والأزقة والدروب، التي تعتبر مظهرًا من مظاهر التوسع العمراني والازدهار الاقتصادي؛ يقول في ذلك جمال الدين الشيال اعتمادًا على حفريات الفسطاط لبهجت وعكوش: إنه كان يفصل بين منازل الفسطاط أنواع من الطرقات المختلفة الاتساع والامتداد
(331)
فأكبرها لا يزيد عرضه عن ستة أمتار، وأضيقها لا يتجاوز مترًا ونصف المتر، وكان يطلق عليها بنسبة عرضها أو اتساعها أو طولها أو اتصالها اسم حارة أو درب أو زقاق، وكانت تسمى بأسماء القبائل التي نزلت بها، أو باسم كبار العرب الذين سكنوها، أو بأسماء الحرف والصناعات، أو أنواع التجارة
(332)
جامع عمرو
جامع عمرو بن العاص أول جامع بمصرهو أول جامع أقيم في مصر، ويعرف بالجامع العتيق، وكان موضعه جبانة، وعندما نزل المسلمون في مكانه حاز موضعه قيسبة بن كلثوم التجيبي ونزله، وحينما رجع المسلمون من الإسكندرية إلى هذا المكان، سأل عمرو قيسبة في منزله هذا أن يجعله مسجدًا
(333)
فتصدق به على المسلمين، فبُنِيَ في سنة 21هـ، وقد وقف على تحرير قبلته جمع كبير من جِلَّة الصحابة قال المقريزي: إنهم ثمانون رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت،وأبو الدرداء،وأبو ذر الغفاري، وغيرهم رضي الله عنهم
(334)
وكان طوله خمسين ذراعًا في عرض ثلاثين، ثم توالت الزيادات، إلى أن كانت سنة 212هـ، إذ أمر عبد الله بن طاهر والي مصر من قبل المأمون بتوسيعه، فزيد فيه مثله، وبذلك بلغت 5012 * 50120 مترًا. وكانت تقام فيه حلقات الدروس، بعضها للإرشاد، والآخر لدروس الفقه والحديث وعلوم القرآن والأدب
(335)
فكان جامعة إسلامية ذاع ذكرها في الآفاق، وصار يقصدها الطلاب من الأقطار المختلفة.
ويروي ابن إسحاق أن عَمرًا بنى بعد فتح الإسكندرية مسجدًا، كان لا يزال باقيًا إلى عصره.
(336)
مصر في ظل الفتح الإسلامي
في ظل الحكم الإسلامي نشطت الصناعة ونمت الزراعة والتجارة وأصبحت الإسكندرية أكبر أسواق العالم،وأكثر الثغور ازدحاما وحركة،وكانت بها تجارة عظيمة في القمح، والكتان، والورق، والعاج من بلاد النوبة، وكانت فوق ذلك تصب فيها سلع وبضائع الهند والصين"
(337)
ولم يبق من الضرائب الكثيرة والمتعددة التي كان يتحملها الأقباط طيلة عهد الاحتلال الروماني (600 سنة) إلا ضريبة الخراج، وهي ضريبة تؤخذ على أنواع المال: الزراعي، والصناعي، والتجاري
(338)
والجزية (ديناران)، وهي تؤخذ من الشباب القادر على الكسب نظير الدفاع عنه، وهي بمنزلة تأمين للمعاش بعد أن يكون عاجزا عن الكسب، ولا تؤخذ من الشيخ الفاني، والصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا النساء"
(339)
لقد أدرك المسلمون، أهمية دور مصر في حركة التجارة العالمية، وأدركوا كذلك أهمية الدور الكبير الذي تلعبه التجارة الداخلية في هذه الحركة العالمية، فاهتموا بها اهتماما عظيما، وأتاحوا للتجار الأقباط أن يأخذوا مكانتهم في تجارة مصر، وهيئوا لهم حرية التجارة في الميدان التجاري
(340)
لم يكن لهم أن يتمتعوا بها من قبل في ظل الاحتلال الروماني كما أن المسلمين أبقوا على مختلف النظم التي عرفتها مصر منذ أقدم العصور، وأطلقوا لأهلها حرية العقيدة، وأمنوهم على أنفسهم وأموالهم، وتركوا لهم سائر الوظائف، والصناعة، والزراعة، والأعمال
(341)
واكتفى المسلمون بالإشراف على شئون الدولة، والقضاء، والشرطة، وقيادة الجيوش، والحكم، كل ذلك كان باعثا قويا لكثير من المصريين على الدخول في الإسلام
(342)
وصار لزاما عليهم أن يتعلموا اللغة العربية؛ حتى يستطيعوا قراءة القران، وفهم أحكام الدين الإسلامي، والانخراط في سلك الدواوين، التي بدأت حركة تعريبها على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يــتـــــبع لاحقا ان شاء الله
بسم الله
(343)
ما إن انسلخ القرن الثالث الهجري حتى دانت الغالبية العظمى من أهل مصر بالإسلام وبقيت أقلية نصرانية وأضحت اللغة العربية لغة كل المصريين: في الدواوين، والتخاطب، والعبادة، والثقافة، والفكر، والعلم، يتكلم العربية ويتعامل بها كل المصريين،سواء كانوا مسلمين أو نصارى أو يهود
(344)
وهكذا وجد الأقباط في المسلمين غير ما كانوا يجدونه من البيزنطيين الرومان؛ فأقبلوا في حماس دافق يتعاونون مع المسلمين في إدارة شئون مصر، يحفزهم أنهم كانوا يومئذ أكثرية بين العاملين في شتى الوظائف بأنحاء البلاد، كانوا يملكون الأرض، ويزرعونها دون تدخل من السلطة الإسلامية الحاكمة
(345)
وكانوا يديرون اقتصاد البلاد؛ بل كانوا رؤساء المالية طوال العصر الأموي، وكانت سائر الوظائف المدنية بأيديهم؛ ولهذا كان تقدير النصارى للمسلمين عظيما، وقابلوا الفضل بالعرفان والتقدير، وإخلاصهم في العمل الذي ولاهم إياه المسلمون
(346)
ونعمت مصر بالاستقرار، واستمتع أهلها بهدوء الحياة التي لا يشوبها كدر الخلافات الدينية، ولا يشوب بهجتها مشكلات سياسية أو اقتصادية
(347)
وقد هيأ الفتح الإسلامي لمصر أن تقوم بدورها التاريخي المنتظر منها في إعداد وتجهيز الجيوش البرية والأساطيل البحرية، وبعثها إلى إفريقية والمغرب ثم الأندلس؛ ليتحقق للمسلمين السيادة على مياه البحر الأبيض المتوسط، وتحقيق الأمن والأمان لكل إنسان
(348)
لماذا انتصر المسلمون وفتحت لهم الأمصار ؟
"سأل هرقل أحد جنده الذي كان أسيرا لدى المسلمين، ثم منوا عليه بإطلاقه: أخبرني عن هؤلاء القوم؟ فقال: أحدثك كأنك تنظر إليهم، فرسان بالنهار رهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام
(349)
شهادة (أرمانوسة القبطية) بنت المقوقس وهي محصورة في بلبيس:حينما حاصر المسلمون الجنود الرومان في منطقة بلبيس، خشي النساء على أنفسهن من المسلمين، وتصورن أن المسلمين مثل المجرمين الرومان، الذين يغتصبون النساء وينتهكون الأعراض
(350)
ولكن أرمانوسة بنت المقوقس طمأنت النسوة، وقالت لإحدى وصيفاتها: أنت واهمة يا مارية (وصيفتها)، أنت واهمة يا مريم! أنسيت أن أبي قد أهدى إلى نبيهم بنت أنصنا مارية القبطية (عليها السلام)- فكانت عنده في مملكة، بعضها السماء، وبعضها القلب
(351)
لقد أخبرني أبي أنه بعث بها؛ لتكشف له عن حقيقة هذا الدين، وحقيقة هذا النبي، وأنها أنفذت إليه دسيسا يعلمه أن هؤلاء المسلمين هم العقل الجديد الذي سيضع في العالم تمييزه بين الحق والباطل، وأن نبيهم أطهر من السحابة في سمائها
(352)
وأنهم جميعا ينبعثون من حدود دينهم وفضائله، لا من حدود أنفسهم وشهواتهم، وإذا سلوا السيف سلوه بقانون، وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون وقالت عن النساء: "لأن تخاف المرأة على عفتها من أبيها أقرب من أن تخاف عليها من أصحاب هذا النبي
(353)
فإنهم جميعا في واجبات القلب وواجبات العقل، ويكاد الضمير الإسلامي في الرجل منهم يكون حاملا سلاحا يضرب صاحبه إذا هم بمخالفته ؛ وقالت لها أرمانوسة أيضا: "لقد أخبرني أبي أن هذا الدين سيندفع بأخلاقه في العالم اندفاع العصارة الحية في الشجرة الخضراء، طبيعة تعمل في طبيعة
(354)
فليس يمضي وقت غير بعيد حتى تخضر الدنيا وترمي ظلالها وقد صدقت فراسة أرمانوسة؛ إذ إن عمرو بن العاص أرسل أرمانوسة وجميع مالها وخدمها معززة مكرمة إلى أبيها المقوقس، في حراسة جند الإسلام، بقيادة قيس بن أبي العاص السهمي.
#المصادر:
د. جمال عبد الهادي / "فتح مصر"
تاريخ الطبري 3/602
د. عبد الحليم عويس: "الفتح الإسلامي لمصر" ص63 وما بعدها، بسام العسلي: عمرو بن العاص ص52، 53
(355)
الفتح الإسلامي لمصر كان تحريرا لها
قبل 14 قرنا كانت معارك الفتح الإسلامي لمصر لا تزال قائمة وفي فتح مصر هناك الكثير من الأمور التي تدهش فمثلا أنجزت فتوحات الشام والعراق ودول الخليج وبلاد فارس في عام واحد هو عام 15هـ بينما استغرق فتح مصر 5 سنوات كاملة...
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(356)
استغرق فتح مصر خمس سنوات كاملة من عام 18 إلى عام 22هـ ؛ لأن الدولة الرومانية البيزنطية اعتبرت أن سقوط مصر مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، وبعبارة هرقل "إذا سقطت الإسكندرية ضاع ملك الروم"؛ وذلك لأن الروم لم تكن لهم حصون ولا كنائس مثل حصون الإسكندرية وكنائسها.
(357)
هل من المشروع إسلاميا أن نتحدث عن الوطن؟ والإجابة أن الإسلام يتميز عن الشرائع الأخرى بأنه الدين الوحيد الذي تستحيل إقامته إقامة كاملة إلا في وطن؛ ففي النصرانية يستطيع الراهب أن يقيم نصرانيته في شعب من الشعاب أو على قمة جبل فينعزل كفرد عن العالم
(358)
بل إن إقامة النصرانية في حقيقته يقتضي منه أن ينعزل عن العالم ويدير ظهره للدنيا. أما الإسلام فيتميز باستحالة إقامته كاملا إلا في وطن قوي وفي مجتمع وفي نظام وفي أمة.
(359)
ولهذا اصطلح المسلمون على أن الإسلام دين جماعة؛ لأنه لم يقف عند التكاليف الفردية التي يستطيع الإنسان أن يقيمها في خاصة نفسه، وإنما كانت هناك التكاليف الاجتماعية التي سماها العلماء فروض الكفايةالخطاب فيها موجه للأمة والتكليف فيها على الأمة وتستحيل إقامتها إلا في جماعة وفي أمة
(360)
فالجهاد لا يقام إلا في أمة، والزكاة لا تقام إلا في أمة وجماعة ومن خلال مؤسسات، والحج هو فريضة فردية لكنه يؤدى في جماعة، والتكاليف الفردية عندما تؤدى في جماعة يكون ثوابها أكبر كالصلاة... إلخ
(361)
ولهذا كان مجتمع رسول الله ﷺ وهو مكة رغم أنه كان على الشرك إلا إنه كان عزيزا على رسول الله ﷺ وكان يشتاق إليه وهو في المدينة؛ فحب الوطن هو الذي يجعل الإنسان يجاهد من أجل أن يكون هذا الوطن إسلاميا، ويبذل في سبيل ذلك نفسه وماله
(362)
البيت العتيق أي الحر الذي لم يخضع لجبار
عندما ظهر الإسلام عام 610م كانت هناك قوتان عظيمتان تقتسمان العالم وتمتلكان الدنيا، وهما الفرس والروم، وقد اقتسمت هاتان القوتان منطقة الشرق ولم ينج إلا الحجاز ومكة والبيت العتيق.. وهذا هو سر تسمية البيت الحرام بالبيت العتيق
(363)
فالعتيق ليس هو القديم ولكن العتيق الذي لم يخضع لجبار، والعتيق من العتق وهو الحرية. وهذه حكمة إلهية.. وكان ذلك هو مراد عبد المطلب حينما قال لأبرهة: أما الإبل فإنها لي، وأما البيت فله رب يحميه. وقد كان عبد المطلب على يقين من أن هذا البيت لا يمكن أن يخضع لأحد؛ لأنه عتيق أي حر.
(364)
وهكذا نجا البيت الحرام في غزوة الفيل التي كانت حلفا بين الدولة الرومانية وبين الحبشة النصرانية لإزالة بقايا المناطق التي ظلت مستقلة في الشرق، فالفرس كانوا يحتلون العراق والخليج، وكانت المدائن عاصمتهم التي بها إيوان كسرى في أرض العراق
(365)
وكان الروم يحتلون الشام ومصر وشمال إفريقيا وعندما ظهر الإسلام لاحظت أن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية حتى قبل الفتح الإسلامي لمصر نظرت إلى منطقة الشرق نظرة تحريرية
(366)
ففي عام 7هـ أي بعد صلح الحديبية بعام والذي تم فيه تحييد قوى الشرك، بدأت الرسل تصل برسائل رسول اللهﷺإلى الملوك والرؤساء وعظماء القبائل والأقاليم وكما أرسل ﷺ برسالة إلى كسرى، فقد أرسل الرسل أيضا برسائل إلى الولاة الذين كانوا خاضعين لحكم كسرى وهكذا
(367)
فأحد الملامح الحضارية للفتح الإسلامي كان يعتبر أن هذه المستعمرات ليست شأنا كسرويا حتى يخاطب فيها كسرى، وإنما المخاطبون فيها هم أهلها، ونفس الشيء حدث مع مصر، فقد ذهب دحية الكلبي إلى هرقل برسالة رسول الله ﷺ وذهب حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس عظيم القبط
(368)
وهكذا جاءت رسالة رسول الله إلى مصري وليس إلى روماني فقد كانت السياسة الخارجية للدولة الإسلامية تحرير مثل تلك البلاد من القوى المستعمرة؛ولذلك لن نجد معركة واحدة خاضها جيش الفتح الإسلامي ضد أهل البلاد المفتوحة وإنما كانت جميعها مع الجيش الفارسي أو الجيش الروماني الغازي
(369)
وهكذا كانت الفتوحات الإسلامية فتوحات تحرير لإزالة سيطرة القوى العظمى على منطقة الشرق، وقد اشتبكت بعض القرى المصرية مع الجيش الإسلامي الفاتح، ولكنها عوملت غير معاملة الجيش الروماني، فأطلق سراح من أسر منهم، وعومل أهل القرى معاملة طيبة
(370)
عمر بن الخطاب يأذن بفتح مصر
في عام 18هـ ذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من المدينة إلى الشام لتقسيم مواريث الموتى في طاعون عمواس الذي مات فيه قائد الجيش أبو عبيدة بن الجراح ونائبه معاذ بن جبل، فتولى قيادة الجيش عمرو بن العاص الذي تحدث مع عمر بن الخطاب في شأن فتح مصر
(371)
فوافق عمر وجهز له أربعة الاف من المقاتلين في الوقت الذي كان بمصر مائة وعشرون ألف جنديا رومانيا مما يشكل تفاوتا خطيرا في موازين القوى مما جعل عمر بن الخطاب يقول لعمرو بن العاص: إنني سأعود إلى المدينة وأشاور صحابة رسول الله
(372)
فإذا جاءك الكتاب يأمرك بالرجوع وأنت لم تدخل مصر فارجع، أما إذا كنت دخلت مصر فتوكل على الله فعمر كان يدرك خطورة المعركة وقوة العدو، فالرومان مشهورون بحصونهم حيث جعلوا مصر كلها حصونا وعندما عاد عمر إلى المدينة نصحه الصحابة بأن يعود الجيش..
(373)
لكن عمرو لم يفتح الرسالة إلا بعد أن تجاوز رفح فدخل العريش وصلى صلاة العيد في العاشر من ذي الحجة عام 18هـ، وكان أول معركة خاضها الجيش المسلم الفاتح في مصر هي معركة "الفرما" في شمال سيناء، وفيها دام القتال والحصار شهرا كاملا
(374)
رغم أن بطرك القبط بنيامين أصدر تعليماته منذ اللحظة الأولى بأن يقف الشعب المصري القبطي مع الجيش الفاتح؛ ولذلك كان الأهالي في "الفرما" يمدون الجيش الفاتح بالطعام والشراب
(375)
أما المعركة الثانية فكانت في "بلبيس" ودامت هي الأخرى شهرا كاملا.. ثم جاءت المعركة الثالثة وكانت في "حصن بابليون" ودام القتال والحصار سبعة أشهر، وفي أثناء هذا الحصار أدرك عمرو بن العاص أن موازين القوى غير متكافئة وأن الجيش المسلم قليل جدا في مواجهة الرومان
(376)
إضافة إلى أن الحدود الشمالية لمصر حيث البحر المتوسط مفتوحة يأتي منها المدد الذي لا ينقطع للرومان، فأرسل عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يطلب مددا فوق الأربعة الاف جندي الذين معه
(377)
فأرسل له أربعة الاف اخرين ومعهم أربعة من صحابة رسول الله ﷺ فيهم الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود ومسلمة بن مخلد، وقال له: كل واحد منهم بألف، فيكون معك اثنا عشر ألفا.
بسم الله
(378)
المصريون رحبوا بالفتح ليتحرروا من قهر الرومان
وبعد فتح حصن بابليون أخذ الجيش المسلم يفتح كل المعاقل والحصون حتى وصل إلى الإسكندرية التي كانت العاصمة الاستعمارية لمصر منذ بناها الإسكندر الأكبر..
(379)
أما العاصمة الوطنية التي كان ولاء الإنسان المصري لها فقد كانت طيبة وممفيس.. حتى الهكسوس حينما احتلوا مصر جعلوا عاصمتهم في محافظة الشرقية. وهكذا لم تكن الإسكندرية عاصمة وطنية لمصر، وإنما كانت عاصمة للمستعمر، وهي التي قهرت كل شيء في مصر
(380)
وكانت النصرانية في مصر مضطهدة منذ دخلت مصر في القرن الأول الميلادي وظلت كعقيدة هاربة ومطاردة حتى جاء الإسلام وهذا كله يؤكد أنه لم تكن هناك دولة مسيحية مصرية ولم يحكم مصر قبطي مصري عبر تاريخها وإنما كان الذين يحكمونها هم الرومان وكان القانون الذي يطبق هو القانون الروماني
(381)
وهكذا فإن الدولة الإسلامية التي أقامها عمرو بن العاص لم تحل محل دولة نصرانية، وإنما حلت محل قانون جوستنيان الروماني الذي قتل من القبط في ليلة واحدة في الإسكندرية مائتي ألف، بل إن لغة مصر أيضا قهرت حتى كتبت بالحروف اليونانية، وبالتالي كانت الثقافة المصرية مقهورة
(382)
وهذا هو الذي جعل مصر فراغا يرحب بالفتح الإسلامي، وجعلها تدخل في الإسلام واللغة العربية بكل كيانها.. فلم تحدث فيها شعوبية ولا قلاقل كما حدث في بعض البلاد الأخرى.
(383)
إن الفرس كان عندهم حضارة وشيء يدافعون عنه ضد الفتح الإسلامي، أما المصريون فقد رحبوا بالجيش الفاتح منذ اللحظة الأولى؛ لأنهم كانوا في حالة من القهر الحضاري ولم يكن لديهم ما يدافعون عنه
(384)
إن معنى كلمة "حضارة" أن هناك دولة، فإذا لم تكن هناك دولة مصرية في ذلك الوقت، فإن الكلام عن حضارة قبطية "وهم" من الناحية العلمية، وإنما يمكن أن تدرس الثقافة المصرية في ذلك التاريخ، أما العمران والسياسة والاقتصاد والاجتماع والدولة والنظام فكل ذلك كان رومانيا واستعماريا
(385)
معركة الإسكندرية أم معارك الفتح
نعود إلى حصار الجيش الإسلامي للإسكندرية والذي استمر أربعة عشر شهرا.. ولما طال الانتظار بعث عمر بن الخطاب برسالة إلى عمرو بن العاص يقول فيها:
(386)
"أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر.. إنما تقاتلونهم منذ سنين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلنتك أن الرجل منهم بألف رجل على ما كنت أعرف إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم
(387)
فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم في الصبر والنية وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس ومر الناس جميعا أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد
(388)
وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة؛فإنها ساعة تنزل الرحمة ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله يسألونه النصر على عدوهم
فلما وصل عمرو بن العاص الكتاب، دعا الناس وقرأ عليهم كتاب عمر، وفعلوا مثلما أمرهم، ففتح الله عليهم
(389)
أثر الفتح الإسلامي علي أوضاع الأقباط
الأثر الديني
تعرض الأقباط في مصر قبل الفتح الإسلامي لاضطهاد قاس على أيدي البيزنطيين ومن ثم رأوا في القوة الإسلامية الداخلة الأمل بالخلاص مما هم فيه فساندوها ورحبوا بدخول المسلمين لمصر لكن هذه المساندة كانت صامتة في بادئ الأمر، أي حيادية
(390)
وشكلت انتصارات المسلمين وإخضاعهم البلاد نصرا دينيا للأقباط، حيث غادر البلاد عدد كبير من البيزنطيين، ولما استقرت الأوضاع، وكانت أخبار العهدة العمرية الخاصة ببيت المقدس قد تسربت إلى مصر، لقي الأقباط من الحكم الجديد ما شعروا معه بكثير من الحرية
(391)
ولعل أول عمل قام به عمرو بن العاص بعد استقرار الأوضاع الداخلية الإعلان بين الناس جميعا أن لا إكراه في الدين وأن حرية العقيدة أمر مقدس،فلن يتعرض لأحد في حريته أو ماله بسبب دينه وخيرهم بين الإسلام والبقاء على دينهم، فمن يدخل في الإسلام يكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم
(392)
والواقع أن عمرا انتهج سياسة المساواة الدينية بين المذهبين النصرانيين اللذين استمرا في مصر، وتذكر روايات المصادر أن كثيرا من كنائس الملكانيين فضلوا البقاء في مصر، وأن أسقفا ملكانيا بقي على مذهبه حتى مات ولم يمسه أحد بأذى
(393)
وأن البطريرك القبطي بنيامين الذي عاد إلى الإسكندرية بعد أن قضى ثلاثة عشر عاما لاجئا متخفيا خشية أن يقبض عليه، أعيد إلى مركزه، وأضحى بإمكانه أن يقوم بواجباته الدينية وهو مطمئن
(394)
وكان يستقطب الناس إلى مذهبه بالحجة والإقناع واستطاع أن يحصل على بعض الكنائس التي تركها الملكانيون بعد خروجهم وضمها إلى كنائس البطريركية ولما عاد قال لأتباعه: عدت إلي الإسكندرية فوجدت بها أمنا من الخوف واطمئنانا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسهم
(395)
فكان من أثر الحرية الدينية والمعاملة السمحة أن أقبل كثير من الأقباط على النظر في المذاهب المختلفة، ثم انتهى أكثر هؤلاء إلى قبول الإسلام والدخول فيه.....
(396)
الأثر الإداري..
خلت بخروج البيزنطيين الوظائف الحكومية التي كان يشغلها هؤلاء ولأن المسلمين لم يكن لهم عهد بعد بالشئون الإدارية وكان يهمهم أن تستمر الإدارة وأن تجمع الضرائب بغض النظر عما يختص بالعاملين في الحقل الوظيفي فقد فتحوا أبواب العمل أمام القادرين والراغبين من الأقباط
(397)
والمعروف أن الإدارة الإسلامية الجديدة احتفظت بثلاثة موظفين بيزنطيين في مراكز إدارية كبيرة هي حاكمية مصر السفلى وتولاها ميناس، وحاكمية منطقة الفيوم وتولاها فيلوخينوس، وحاكمية الريف الغربي وتولاها سينوتيوس.
(398)
وبفعل هيمنة الموظفين الأقباط على العمل الإداري، أضحت اللغة القبطية اللغة الرئيسية في الإدارة، فحلت بذلك محل اللغة اليونانية، وحافظ المسلمون على الأساليب البيزنطية في تدوين الدواوين وجمع الضرائب
(399)
فانتعشت الثقافة القبطية مجددا، وأخذت تملأ الفراغ الذي نتج عن الخروج البيزنطي، واعتنى الأقباط بتعلم اللغة العربية؛ لأنها كانت لغة الفاتحين، واحتفظ المسلمون بقيادة الجند والقضاء
(400)
الأثر الاقتصادي
كانت مصر تتعرض بين سنة وأخرى لضائقة اقتصادية ناتجة عن انخفاض ماء النيل مما يسبب خللا في المعادلة الاقتصادية قد عانى المصريون كثيرا من هذه الظاهرة وقد أدرك عمرو بن العاص ذلك فخفف عن المصريين كثيرا من الضرائب التي فرضها البيزنطيون عليهم
(401)
والمعروف أن الضرائب البيزنطية كانت كثيرة ومتنوعة وتناولت معظم النشاط الاقتصادي والاجتماعي وسوى بينهم في أدائها، كما أعفى بعضهم منها ويذكر في هذا المقام أن الخليفة كتب إلى عمرو أن يسأل المقوقس في خير وسيلة لحكم البلاد وجباية أموالها، فأشار عليه المقوقس بالشروط التالية:
(402)
1- أن يستخرج خراج مصر في وقت واحد، عند فراغ الناس من زروعهم.
2- أن يرفع خراجها في وقت واحد، عند فراغ أهلها من عصر كرومهم.
3- أن تحفر خلجانها كل عام.
4- أن تصلح جسورها وتسد ترعها.
5- ألا يختار عامل ظالم ليلي أمورها.
(403)
ونتيجة لهذه التوصيات رسم المسلمون خطة جباية الخراج واعتنوا بهندسة الري من حفر الخلجان وإصلاح الجسور وسد الترع وبناء مقاييس للنيل وإنشاء الأحواض والقناطر ولعل من أشهر ما قام به عمرو، هو اعادة حفر خليج تراجان الذي يصل النيل بالبحر الأحمر ويسهل الاتصال بالجزيرة العربية
(404)
ويؤمن طريقا أفضل للتجارة الشرقية، يبتدئ هذا الخليج من شمالي بابليون ويتجه شمالا بشرق إلى بلبيس، ثم ينحرف شرقا إلى بحيرة التمساح ليخرج من جنوبي هذه البحيرة إلى البحيرات المرة، ويبلغ البحر الأحمر عند السويس
(405)
وكان من أثر هذه الإصلاحات أن تحسنت حالة الأقباط وزادت ثرواتهم، واطمأنوا على أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم، ونعموا بالهدوء والاستقرار، وازدادت إلفتهم بالمسلمين مع مرور الوقت، ودخل كثير منهم في الإسلام.
(406)
ويبقى أن نذكر أن الرأي السائد انذاك، كان أن يبقى المسلمون على رباطهم لا يشغلون بالزراعة، ولا يحلون بالبلاد كأهلها، فلما اطمأنوا في البلاد أخذ ذلك الحظر يرفع عنهم، وأبيح لهم أن يمتلكوا الأراضي.
(407)
ماذا كان يحدث لمصر لو لم يأتها الفتح الإسلامي؟
الواقع أن هذا السؤال ضروري للغاية لمن يريد أن يقيم الفتح الإسلامي لمصر تقييما نزيها مخلصا مبرأ من الأغراض
(408)
لأن الفتح الإسلامي كان ذا أثر عظيم على مصر، وكان علامة فارقة في تاريخها، ليس في مصر فحسب بل في إفريقية بأسرها، والباحث المنصف يرى أنه لو لم يأت الفتح الإسلامي لمصر لظلت:
(409)
1- خاضعة للدولة البيزنطية تعاني من الاضطهاد والظلم إلى ما شاء الله، ولهجر أبناؤها أرضها فخربت، ودبت المجاعات وعصفت بأهلها، ولتداولت عليها أيدي الدول الاستعمارية الظالمة يتخطفها مستعمر من مستعمر، يذيقونها العذاب ألوانا، وينهبون خيراتها ويخربونها ليعمروا أوطانهم
(410)
ولتجرع المصريون كأس المهانة والذل، ولانتهى بهم الحال إلى بيع أبنائهم وأعراضهم ليسددوا الضرائب الجائرة، واستمر القتل والسجن والتعذيب والفتنة في عقيدتهم إكراها لهم على اتباع ديانة غيرهم
(411)
ثم يكون المصير النهائي للجميع: النار؛ النار للمكره الروماني والمكره المصري على حد سواء؛ جزاء على الكفر والشرك بالله (عز وجل) ولكن الإسلام أتاها فأضاء جنباتها بنوره وأنقذ أبناءها من وهدة الكفر ورفعهم إلى قمة الإيمان، كما حماها من الاستعمار قرونا نعمت خلالها بسماحة الإسلام
(412)
2- لو لم يأت الإسلام لحرم الأقباط من ممارسة شعائرهم الدينية وحقوقهم، ولظل الإسلام قابعا في الجزيرة العربية، ولم يستضئ بنوره أهل إفريقية وبلاد الأندلس.
(413)
3– أو لأصبحت مصر بؤرة من بؤر محاربة الإسلام (أما اليوم فهي شعلة من مشاعل نصرة الإسلام ونشره في العالم أجمع)، ولحرم أبناؤها من ثواب الرباط إلى يوم القيامة.
وخلاصة القول: لو لم يأت الإسلام لظلت مصر ميتة بين الأحياء
بسم الله
(414)
الإنسانية في الاحتضار
مصر مقارنة بالدول التي لم يدخلها الفتح كان القرن السادس والسابع الميلادي من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي، فقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة إسفافها
(415)
وكأن الإنسان قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم، أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب، فضلا عن البيوت والبلاد
(416)
وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا بالأديرة والخلوات فرارا بدينهم من الفتن ؛ فرارا من تكاليف الحياة وجدها، أو فشلا في كفاح الدين والسياسة، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل على حساب الضعفاء والمحكومين
(417)
نظرة في الأمم المختلفة
نبدأ بالأمم الأوروبية الشمالية الغربية
لم يصلها الفتح ؛ لذلك كانت تتسكع في ظلام الجهل المطبق، والأمية الفاشية، والحروب الدامية، لم ينبثق فيها فجر الحضارة والعلم بعد، ولم تظهر على مسرحها الأندلس لتؤدي رسالتها في العلم والمدنية، ولم تصهرها الحوادث
(418)
وكانت بمعزل عن جادة قافلة الحضارة الإنسانية بعيدة عنها،لا تعرف عن العالم ولا يعرف العالم المتمدن عنها إلا قليلا، ولم تكن مما يجري في الشرق والغرب مما يغير وجه التاريخ في عير ولا نفير،وكانت بين نصرانية وليدة،ووثنية شائبة،ولم تكن بذات رسالة في الدين، ولا بذات راية في السياسة
(419)
يقول هربرت جورج ويلز : ولم تكن في أوروبا الغربية في ذلك العهد أمارات الوحدة والنظام"
.
ويقول روبرت بريفولت : لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاما وسوادا، فقد كانت همجية ذلك العهد أشد هولا، وأفظع من همجية العهد القديم
(420)
لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت وقد انطمست معالم هذه الحضارة،وقضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة، وبلغت أوجها في الماضي كإيطاليا وفرنسا فريسة الدمار والفوضى والخراب
(421)
أما الأمم الأخرى في اسيا الوسطى وفي الشرق، كالمغول والترك واليابانيين، فقد كانت بين بوذية فاسدة، ووثنية همجية، لا تملك ثروة علمية، ولا نظاما سياسيا راقيا، وإنما كانت في طور الانتقال من عهد الهمجية إلى عهد الحضارة، ومنها شعوب لا تزال في طور البداوة
(422)
أما الهند فقد اتفق على أن أحط أدوارها ديانة وخلقا واجتماعا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، وأخذت نصيبا غير منقوص من هذا الظلام يمكن أن نخلص ذلك في ثلاث: كثرة المعبودات والالهة، كثرة فاحشة الشهوة الجنسية الجامحة، التفاوت الطبقي المجحف
(423)
اولا :كثرة المعبودات والالهة ؛ الوثنية المتطرفة...
ارتقت صناعة نحت التماثيل في هذا العهد، وبلغت أوجها في القرن السادس والسابع حتى فاق هذا العصر في ذلك العصور الماضية، وقد عكفت الطبقات كلها وعكف أهل البلاد من الملك إلى الصعلوك على عبادة الأصنام
(424)
حتى لم تجد الديانة البوذية والجينية منها بدا، وتذرعت هاتان الديانتان بهذه الوسيلة للاحتفاظ بحياتهما وانتشارهما في البلاد، ويدل على ما وصلت إليه الوثنية والتماثيل في هذا العصر ما حكاه الرحالة الصيني الشهير (هوئن سوئنج) الذي قام برحلته بين عام 630 وعام 644 عن الاحتفال العظيم
(425)
والذي أقامه الملك هرش الذي حكم الهند من عام 606 إلى 647 : وأقام الملك احتفالا عظيما في قنوج( تابعة لولاية أتر پردش،الهند حاليا) اشترك فيه عدد كبير جدا من علماء الديانات السائدة في الهند، وقد نصب الملك تمثالا ذهبيا لبوذا على منارة تعلو خمسين ذراعا
(426)
وقد خرج بتمثال اخر لبوذا أصغر من التمثال الأول في موكب حافل قام بجنبه الملك هرش بمظلة وقام الملك الحليف كامروب يذب عنه الذباب؛ ويقول هذا الرحالة إن بعضهم كان من عباد شو وبعضهم من أتباع الديانة البوذية وكان بعضهم يعبد الشمس وبعضهم يعبد وشنو
(427)
ثانيا :
وأما الشهوة فقد امتازت بها ديانة الهند ومجتمعهامنذ العهد القديم،فلعل المواد الجنسية والمهيجات الشهوية لم تدخل في صميم ديانة بلاد مثل ما دخلت في صميم الديانة في البلاد الهندية وقد تناقلت الكتب الهندية وتحدثت الأوساط الدينية عن ظهور صفات الإله،وعن وقوع الحوادث العظيمة
(428)
وعن تعليل الأكوان روايات وأقاصيص عن اختلاط الجنسين من الالهة، وغارة بعضها على البيوتات الشريفة تستك منها المسامع، ويتندى لها الجبين حياء، وتأثير هذه الحكايات في عقول المتدينين المخلصين المرددين لهذه الحكايات في إيمان وحماسة دينية، وفعلها في عواطفهم وأعصابهم واضح
(429)
زد على ذلك في صورة بشعة اجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات، زد عليه كذلك ما يحدث به بعض المؤرخين أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدون الرجال العراة
(430)
وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزءون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن، وقد أصبح كثير من المعابد مواخير يترصد فيها الفاسق لطلبته، وينال فيها الفاجر بغيته. وإذا كان هذا شأن البيوت التي رفعت للعبادة والدين، فما ظن القارئ ببلاط الملوك وقصور الأغنياء؟!
(431)
فقد تنافس فيها رجالها في إتيان كل منكر وركوب كل فاحشة وكان فيهامجالس مختلطة من سادة وسيدات فإذا لعبت الخمر برءوسهم خلعوا جلباب الحياء والشرف، وطرحوا الحشمة فتوارى الأدب وتبرقع الحياء، هكذا أخذت البلاد موجة طاغية من الشهوات الجنسية والخلاعة، وأسفت أخلاق الجنسين إسفافا كبيرا
(432)
ثالثا: نظام الطبقات الجائر
أما نظام الطبقات فلم يعرف في تاريخ أمة من الأمم نظاما أشد قسوة وأعظم فصلا بين طبقة وطبقة، وأشد استهانة بشرف الإنسان من النظام الذي اعترفت به الهند دينيا ومدنيا، وخضعت له الافا من السنين ولا تزال
(433)
وقد بدت طلائع التفاوت الطبقي في اخر العهد الويدي بتأثير الحرف والصنائع وتوارثها، وبحكم المحافظة على خصائص السلالة الارية المحتلة ونجابتها، وقبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووضع فيها مرسوم جديد للمجتمع الهندي
(434)
وألف فيه قانون مدني وسياسي اتفقت عليه البلاد، وأصبح قانونا رسميا ومرجعا دينيا في حياة البلاد ومدنيتها، وهو المعروف الان ب(منوشاستر)يقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات ممتازة البراهمة:طبقة الكهنة ورجال الدين، شتري رجال الحرب، ويش رجال الزراعة والتجارة،شودر رجال الخدمة
(435)
ويقول منو مؤلف هذا القانون: إن القادر المطلق قد خلق لمصلحة العالم البراهمة من فمه، وشتري من سواعده، وويش من أفخاذه، والشودر من أرجله، ووزع لهم فرائض وواجبات لصلاح العالم. فعلى البراهمة تعليم ويد، وتقديم النذور للالهة، وتعاطي الصدقات
(436)
وعلى الشتري حراسة الناس والتصدق،وتقديم النذور،ودراسة ويد والعزوف عن الشهوات،وعلى ويش رعي السائمة،والقيام بخدمتها وتلاوة ويد والتجارة والزراعة،وليس لشودر إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث
من يريد الاستزادة من المصدر :كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين:أبو الحسن الندوي: الباب الاول ؛ العصر الجاهلي ص 41 وما بعدها ...
(437)
أوضاع مصر الإدارية والإقتصادية والثقافية بعد الفتح الإسلامي
لم يغير المسلمون النظام الإداري المعمول به في مصر قبل الفتح سواء على المستوى المركزي لإدارة الولاية أم على المستوى المحلي لإدارة الإقليم اللهم إلا في حدود ضيقة استدعتها الضرورة والظروف..
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(438)
اولا نبدأ بمشاركة مصر في كشف الضر الذي نزل بالجزيرة العربية (عام الرمادة) ويليه ان شاء الله نتحدث عن اوضاع مصر وعندما نتحدث عن عام الرمادة في عهد عمرلا بد من الإشارة إلى أن السياسة (الحكم) والاقتصاد (المالية) ركنان مهمان ومتلازمان من أركان الدولة القوية والناجحة
(439)
وما حصل في عام الرمادة في عهد عمر هو أزمة قاسية لاقتصاد الدولة الإسلامية الفتية وعام الرمادة والرمادة في اللغة هو البلاء والحدث الجسيم الذي فاجأ عمر،وهو في صدد بناء الدولة الإسلامية الناشئة. ففي سنة 18هـ،حصل في الجزيرة العربية قحط دام تسعة أشهر،فسميت هذه السنة عام الرمادة
(440)
لأن الريح كانت تسفي ترابا كالرماد، أو لأنه هلكت منه الناس والأموال. واشتد الجوع في ذلك العام حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس ؛ وأصبحت الجزيرة العربية جدباء قاحلة، لا ماء ولا مرعى، ولا ماشية ولا طعام. وجاع الناس
(441)
وأحس عمر بجوع رعيته ونهض لهذه الكارثة نهوضه لكل خطب، فأقسم ألا يذوق لحما ولا سمنا حتى يكشف الله الضر،وقال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم؟ وبدأ عمر بمواجهة المشكلة متجها إلى الله،وإلى الأغنياء والموسرين من رعيته واستجلب القوت من كل مكان فيه مزيد من قوت
(442)
وجعل يحمله على ظهره مع الحاملين إلى حيث يعثر على الجياع والمهزولين العاجزين عن حمل أقواتهم، والى على نفسه وأهله لا يأكلون طعاما أنقى من الطعام الذي يصيبه الفقير المحروم من رعاياه
(443)
وعن ابن عمر: "كان عمر بن الخطاب أحدث في زمان الرمادة أمرا ما كان فعله، لقد كان يصلي بالناس العشاء ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون اخر الليل،ثم يخرج فيأتي الأنقاب فيطوف عليها، وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي
(444)
ولم يقتصر عمر في مواجهة الأزمة على الالتجاء إلى الله فقط، بل كتب إلى الولاة والعمال في سائر الأمصار يطلب منهم النجدة والعون، يستعينهم ويستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، وكانت كتبه إليهم قصيرة، عميقة التأثير، منها رسالته إلى عمرو بن العاص والي مصر:
(445)
"بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو ابن العاص ، سلام عليك. أما بعد، أفتراني هالكا ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك؟ فياغوثاه! يا غوثاه! يا غوثاه!
فرد عمرو بن العاص والي مصر إلى عمر
(446)
"بسم الله الرحمن الرحيم. إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو. أما بعد، أتاك الغوث فلبيك لبيك، لقد بعثت إليك بعير أولها عندك واخرها عندي، مع أني أرجو أن أجد سبيلا أن أحمل في البحر
(447)
فبعث في البر بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيق والدهن، وبعث إليه بخمسة الاف كساء
وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان والي الشام يقول: إذا جاءك كتابي هذا فابعث إلينا من الطعام بما يصلح قبلنا؛ فإنهم قد هلكوا إلا أن يرحمهم الله
(448)
فأرسل معاوية ثلاثة الاف بعير من دمشق، وقدم أبو عبيدة بن الجراح من حمص بأربعة الاف راحلة محملة بالطعام
(449)
حفر خليج أمير المؤمنين
يعتبر حفر خليج أمير المؤمنين من الأعمال العمرانية العظيمة التي قام بها عمرو بن العاص في مصر، فعن طريقه تم ربط النيل بالبحر الأحمر بحر القلزم وشبه الجزيرة العربية، ولكن الروايات تختلف في شأن صاحب الفكرة الأولى في حفره
(450)
فقد ذكر ابن عبد الحكم في كتابة فتوح مصر والمغرب: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر،فقدموا عليه،فقال عمر:ياعمرو، إن الله قد فتح على المسلمين مصر،وهي كثيرة الخير والطعام
(451)
وقد ألقى في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوة لهم ولجميع المسلمين، أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله على الظهر يبعد، ولا نبلغ منه ما نريد
(452)
فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم."
فانطلق عمرو فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقول له: إن هذا أمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا
(453)
فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك عمر وقال:والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج فثقل ذلك عليهم،وقالوا:يدخل في هذا ضرر على أهل مصر،فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين،وتقول له:إن هذا الأمر لا يعتدل،ولا يكون ولا نجد إليه سبيلا
(454)
فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت فقال له عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد
(455)
ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط الذي يقال له: خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمي خليج أمير المؤمنين
(456)
التسامح الديني
وهذا جانب جديد من جوانب النزعة الإنسانية في حضارتنا الخالدة، جديد في تاريخ العقائد والأديان، وجديد في تاريخ الحضارات القديمة التي ينشئها دين معين أو أمة معينة..
يتبع غدا ان شاء الله
المصادر:
معالجة الخليفة عمر لمشكلة المجاعة في عام الرمادة
صلاح التيجاني حمودي : بتصرف ومرفق به مصادر اصل
النقل
بسم الله
(457)
لقد أنشأ الإسلام حضارتنا فلم يضق ذرعا بالأديان السابقة، ولم يتعصب دون الاراء والمذاهب المتعددة، بل كان شعاره {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر:17-18]. ومن أجل ذلك كان من مبادئ حضارتنا في التسامح الديني:
(458)
1- أن الأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى:13]
(459)
2- وأن الأنبياء إخوة لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة، وأن على المسلمين أن يؤمنوا بهم جميعا: {قولوا امنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [البقرة:136].
(460)
3- وأن العقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لا بد فيها من الاقتناع والرضا {لا إكراه في الدين} [البقرة:256]، {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس:99]
(461)
4- وأن أماكن العبادة للديانات السماوية محترمة، يجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} [الحج:40]
(462)
(1-5)
وأن الناس لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أديانهم إلى أن يقتل بعضهم بعضا، أو يعتدي بعضهم على بعض، بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة:2]
(463)
(2-5)
أما الفصل بينهم فيما يختلفون فيه، فالله وحده هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [البقرة:113].
(464)
6- وأن التفاضل بين الناس في الحياة وعند الله بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه، وللناس من خير وبر "الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله" (رواه البزار)، {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13].
(465)
7- وأن الاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة:5]
(466)
8-وإن اختلف الناس في أديانهم، فلهم أن يجادل بعضهم بعضا بالحسنى،وفي حدود الأدب والحجة{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}[العنكبوت:46]ولاتجوز البذاءة مع المخالفين ولا سب عقائدهم ولو كانوا وثنيين{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}[الأنعام:108]
(467)
9- فإذا اعتدى على الأمة في عقيدتها، وجب رد العدوان لحماية العقيدة ودرء الفتنة {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة:193]، {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم} [الممتحنة:9]
(468)
10- فإذا انتصرت الأمة على من اعتدى عليها في الدين، أو أراد سلبها حريتها، فلا يجوز الانتقام منهم بإجبارهم على ترك دينهم، أو اضطهادهم في عقائدهم، وحسبهم أن يعترفوا بسلطان الدولة، ويقيموا على الإخلاص لها حتى يكون "لهم ما لنا وعليهم ما علينا
(469)
هذه هي مبادئ التسامح الديني في الإسلام الذي قامت عليه حضارتنا، وهي توجب على المسلم أن يؤمن بأنبياء الله ورسله جميعا، وأن يذكرهم بالإجلال والاحترام، وأن لا يتعرض لأتباعهم بسوء، وأن يكون معهم حسن المعاملة، رقيق الجانب، لين القول، يحسن جوارهم، ويقبل ضيافتهم
(470)
وأوجب الإسلام على الدولة المسلمة أن تحمي أماكن عبادتهم، وأن لا تتدخل في عقائدهم، ولا تجور عليهم في حكم، وتسويهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وأن تصون كرامتهم وحياتهم ومستقبلهم كما تصون كرامة المسلمين وحياتهم ومستقبلهم
(471)
وعلى هدي الرسول الكريم في تسامحه الديني ذي النزعة الإنسانية الرفيعة، سار خلفاؤه من بعده، فإذا بنا نجد عمر بن الخطاب وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرها عنها
(472)
فسأل عمرا عن ذلك؛ فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم، وفي جواره دار هذه المرأة، وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترض، مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت
(473)
ومع أن هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة، وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع، فإن عمر لم يرض ذلك، وأمر عمرا أن يهدم البناء الجديد من المسجد، ويعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت!هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع الذي أظلته حضارتنا بمبادئها
(474)
فإذا بنا نشهد من ضروب التسامح الديني ما لا نجد له مثيلا في تاريخ العصور حتى في العصر الحديث!!أيضا كانت المساجد تجاور الكنائس في ظل حياتنا الخالدة، وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعاياهم في كل شئونهم الدينية والكنسية، لا تتدخل الدولة في ذلك
(475)
بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم، وتنصف بعضهم من بعض، فقد كان الملكانيون يضطهدون أقباط مصر في عهد الروم ويسلبونهم كنائسهم، حتى إذا فتحت مصر رد المسلمون إلى الأقباط كنائسهم وأنصفوهم
(476)
أما حرية رجال الدين في طقوسهم، وإبقاء سلطاتهم على رعاياهم دون تدخل الدولة في ذلك، فقد شعر المسيحيون من سكان البلاد بالحرية في ذلك ما لم يشعروا ببعضه في حكم الروم.
(477)
وثيقة الصلح مع أهل مصر
كانت وثيقة الصلح التي عقدها عمرو بن العاص مع أهل مصر إحدى مظاهر التسامح الديني، فقد تمتع المصريون من خلالها بحرية دينية كاملة لم يعهدوها من قبل، وهذا نص الوثيقة:
(478)
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر، الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح
(479)
وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم،فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم الجزاء بقدرهم،وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى، رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم
(480)
ومن أبى واختار الذهاب فهو امن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمته وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين
(481)
وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا، على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر وتبرز من خلال هذه الوثيقة مجموعة من المعطيات المهمة:
(482)
1- ضمان الحرية الدينية، والتعهد بحماية ممتلكات الكنائس والأديرة
2- ربط قضية الجزية بالقدرة على دفعها، فإذا كانت السنة خيرة بعطائها الزراعي تم دفع الجزية بحسب ما هو مقرر أما إذا كان الفيضان ضعيفا وكان الإنتاج الزراعي قليلا تم تخفيض الجزية بما يعادل إجداب الأرض وضعف إنتاجها
(483)
3- تقسيم الجزية على ثلاثة أقساط بما يتوافق والتكوين الاقتصادي للإقليم.
4- إعطاء الأمان لمن يرفض دفع الجزية حتى يغادر أرض مصر.
5- شمول الجزية لمن يريد المصريون إدخاله في الجزية من أبناء الشعوب الأفريقية التي لم يفتح المسلمون بلادهم.
(484)
6- إسقاط واجب الحرب عن المواطنين ممن يدفعون الجزية.
7- إطلاق الحرية التجارية وحرية التنقل دون قيود.
8- إعطاء ذمة الله ورسوله.
المصدر :
محمد سهيل قطوش:التاريخ الإسلامي الوجيز ص 54؛ ص 57 ؛ ص ص 61 ؛ ص 63 وما بعدها
بسم الله
(485)
أوضاع مصر الإدارية والإقتصادية والثقافية بعد الفتح الإسلامي لها ونبدأ بالأوضاع الإدارية فلم يغير المسلمون النظام الإداري المعمول به في مصر قبل الفتح،سواء على المستوى المركزي لإدارة الولاية أم على المستوى المحلي لإدارة الإقليم اللهم إلا في حدود ضيقة استدعتها الضرورة
(486)
ولم تكن تلك السياسة نابعة من جهل العرب بالنظم الإدارية، أو رغبة في استمرار تدفق الضرائب إلى خزانة الخلافة كهدف يمكن الفتح من ورائه، وإنما كان إبقاؤهم على النظام الإداري، نتيجة عدم معرفتهم باللغتين اليونانية والقبطية المستعملين في دواوين مصر
(487)
ثم احترام نصوص عهود الصلح التي تم التعهد فيها بالحفاظ على الحريات، وصون الممتلكات والأموال، وعدم التدخل في شئون الأقباط فقد كان العرب على معرفة بالنواحي الإدارية
(488)
فمعظم جند الفتح من اليمن، وهي بلاد ذات حضارة معروفة، كما أن عمرو بن العاص له سابق خبرة بالنواحي الإدارية في عهد الرسول وأبي بكر، إضافة إلى ما عرفه عن بلاد الشام المفتوحة قبل مصر
(489)
كانت مصر مقسمة عند الفتح الإسلامي إلى ثمانين كورة (مركزا) ينظمها قسمان رئيسيان: مصر العليا (الصعيد)، ومصر السفلى (الوجه البحري - الريف) وكان الوالي (أمير مصر) على قمة الجهاز الإداري، ويعين من قبل الخليفة
(490)
وهو مسئول عن الأمن والدفاع عن مصر ويؤم الناس في الصلاة ويقيم الحدود ويتلقى الأوامر من الخليفة ويقوم بتنفيذها، وقد يجمع إلى جانب ذلك شئون المال (الخراج) فيجمع الضرائب، وينفق على مصالح الولاية، ثم يرسل الباقي إلى الخلافة، كما كان عمرو بن العاص يفعل في ولايته
(491)
وقد يعاون الوالي في حكم البلاد شخص اخر كما فعل عمر بن الخطاب في أواخر خلافته، عندما ولى ابن سعد على الصعيد.
حيانا يفصل بين السلطة التنفيذية والمالية، كما حدث في خلافة عثمان بن عفان
(492)
إذ جعل عمرا على الصلاة والحرب، وابن سعد على الخراج، مما أدى إلى رفض عمرو ذلك، واحتجاجه بأنه لا يقبل أن يكون كماسك البقرة من قرنيها، بينما يحلبها غيره، فعزله عثمان، وجعل ابن سعد على مصر كلها
(493)
يقوم الوالي باختيار (صاحب الشرطة) الذي يحافظ على استقرار الأمن في الولاية، وقمع اللصوص والمجرمين، وبالنسبة للقضاء فقد كان الخليفة يقوم بتولية قاضي مصر، ويقوم الوالي بتنفيذ ذلك؛ فقد ولى عمر بن الخطاب قيس بن أبي العاص السهمي على قضاء مصر سنة 23هـ حتى وفاته في العام نفسه
(494)
فلما توفي أمر عمرا بتولية كعب بن يسار بن ضنة العبسي فلم يقبل المنصب تعففا فولى مكانه عثمان بن قيس بن أبي العاص الذي توفي بعد قتل عثمان بن عفان سنة 35هـ
وهكذا جمع الوالي في يده كل السلطات، وكان له نواب مساعدون في مختلف أقاليم الولاية، وكان الوالي يسأل عن كل شيء أمام الخليفة
(495)
ويلاحظ أن المسلمين تدخلوا في إدارة الكور ذات الأهمية الحربية كالموانئ والثغور، التي يخشى هجوم الروم عليها، فكان عمرو يأمر بتواجد قائد حربي مسلم مع مسئولي الإدارة القدامى في تلك الكور، فكان وردان مولى عمرو حاكما على الإسكندرية، ومعه منياس من أهل البلاد
(496)
وتواجد المقداد بن الأسود في دمياط بعد فتحها وكذلك أقام ابن سعد في الصعيد ومن الكور المهمة على ساحل البحر الأبيض: (الفرما، وتنيس، ودمياط، والإسكندرية، ورشيد)، وعلى البحر الأحمر: (القلزم، والقصير، وعيذاب)، وفي الجنوب ثغر أسوان
(497)
أما بخصوص النصارى فقد أمنهم عمرو على معتقداتهم،وأعاد البطريرك بنيامين إلى رئاسة القبط،وجعل له الإشراف على الأحوال الشخصية والدينية لأقباط مصر،وجعل إليه الفصل في منازعاتهم، إلا إذا أرادوا هم الاحتكام إلى القضاء الإسلامي،أو كان ثمة نزاع بين مسلم وقبطي،فليجئ إلى القاضي المسلم
(498)
الأوضاع المالية
يقول بتلر عن الحكم الروماني في مصر:إن حكومة مصر الرومية لم يكن لها إلا غرض واحد،وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية،أو ترقية حال الناس ، أو تهذيب نفوسهم، أو إصلاح أمور أرزاقهم
(499)
فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة، ولا يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم فهذه هي أوضاع مصر المالية في ظل الحكم الروماني، اما عن وضع مصر المالي في عهد عمرو بن العاص ..يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(500)
وضع مصر المالي في عهد عمرو بن العاص
أن المسلمين لم يأتوا إلى مصر لابتزاز أموال أهلها، ولا لاستنزاف ثرواتهم، وقد اتضح منذ المفاوضات المبكرة مع المقوقس أنهم ليسوا طلاب دنيا، ولا راغبي مال، وإنما هم أهل دعوة ورسالة سامية
(501)
وقد كانت هذه المعاني سياسة ثابتة في عهد عمربن الخطاب الذي كان يميل إلى فتح البلدان صلحا إذا أمكن تجنب فتحها عنوة، فقد ذكر عمرو جنده بما أوصى به عمر من التريث وقبول الصلح، وتقديم ذلك على القتل والفتح العمد
(502)
وكذلك بعد أن تسور الزبير حصن بابليون، وفتح بابه بالقوة،قال لعمرو:اقسم مصر،فقد فتحت بغير عهد.فرفض عمرو،فلما ألح الزبير على عمرو أن يقسمها كما قسم ﷺخيبر سأل عمرو عمر، فقال: أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة بل إنه عامل الإسكندرية على الرغم من أنها فتحت عنوة معاملة ما فتح صلحا
(503)
وقد اتضح من خلال بنود الاتفاقات المعاهدات التي عقدها المسلمون مع أهل البلاد أنهم يعدون بانتهاج سياسة عادلة، ويحفظون ممتلكات الناس، ويرعون حرمتهم
(504)
ولذلك فإنه لا غرو أن يسأل عمرو بناء على طلب عمر بنيامين النصيحة الخالصة لمعرفة أحسن السبل التي تدار بها شئون مصر الاقتصادية ويحقق الرخاء والاستقرار لأهلها، فقد كتب عمرو متسائلا: من أين تأتي عمارة مصر وخرابها؟
(505)
فقال بنيامين: تأتي عمارتها وخرابها من وجوه خمسة:أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر في كل سنة خلجها،وتسد ترعها وجسورها،ولا يقبل محل أهلها (يريد البغي)فإذا فعل هذا عمرت،وإن عمل فيها بخلافه خربت
(506)
ولعل ما ورد في نص الصلح الرسمي الذي عقد بين المسلمين والمقوقس بعد فتح الحصن، ما يبين لنا بوضوح ملامح السياسة المالية للمسلمين في مصر.
(507)
الأوضاع الاقتصادية
(1) الزراعة
تعتمد مصر منذ القدم على حرفة الزراعة اعتمادا أساسيا وقد كان المسلمون يعرفون خيرات مصر الوفيرة فقد أثر عن عمرو بن العاص قوله: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة وأثر عن ابنه عبد الله قوله:من أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثله فلينظر إلى أرض مصر
(508)
وقد اشتهرت مصر بزراعة الكثير من المحاصيل الزراعية مثل: القمح والخضروات والفاكهة والكتان وإلى جانب الاهتمام بالزراعة كان الاهتمام بنظم الري فقد أقام المصريون والمسلمون السدود والجسور وحفروا الترع والخلجان، وقاسوا مياه فيضان النيل وبنوا القناطر.
(509)
ومعلوم أن المسلمين منعوا في عهد عمر بن الخطاب t من مزاولة الأنشطة الاقتصادية عامة، خاصة الزراعة حتى لا ينشغل الجند عن واجبهم الأول الجهاد في سبيل الله، وكان في مقابل ذلك يكفل لهم عمر (رضي الله عنه) معاشهم ومعاش أولادهم وذويهم
(510)
إلى جانب ما يحصلون عليه من غنائم حربية، وكان لا يسمح لهم بالخروج إلى الريف ومخالطة الناس إلا في وقت الربيع يرعون خيولهم ودوابهم، ثم يعودون إلى أماكن سكناهم ثانية.
(511)
وقد ذكر ابن عبد الحكم: أن شريك بن سمي الغطفي عمل بالزراعة رغم نهي الخليفة عمر عن ذلك، فأرسله عمرو إلى المدينة، فتعهد أمامه ألا يعود مرة أخرى؛ فعفا عنه عمرو
ورده إلى مصر ثانية
(512)
ومما يشهد بالخير للمسلمين من فاتحي مصر أنهم لم يصادروا أراضي القبط الزراعية، ولم يستولوا عليها لأنفسهم، وكان من أكبر مظاهر اهتمام المسلمين بالزراعة حرصهم على قياس مياه النيل، ومعرفة مدى ارتفاع الفيضان أو انخفاضه في كل عام
(513)
لما لذلك من أثر كبير في الزراعة وأسعار المحاصيل وحياة الناس، فبنى عمرو بن العاص مقياسا للنيل بأسوان، واخر في دندرة في ولايته الأولى، وسينشئ مقياسا ثالثا في أنصنا في ولايته الثانية والأخيرة على مصر
(514)
(2) الصناعة
مما لا جدال فيه أن اشتهار مصر بزراعة القطن والكتان ساعد على ازدهار صناعة المنسوجات القطنية والكتانية بها وحذق صناعها في عمل الثياب كما كانت كسوة الكعبة المشرفة الثمينة تجلب من مصر وهناك عدة مدن مصرية بالدلتا مشهورة بالغزل والنسيج مثل تنيس ودمياط والإسكندرية
(515)
وعرفت مصر بصناعة الورق عند الفتح الإسلامي، وكان ورق البردي معروفا بمصر، ومستخدما في الكتابة، وموجودا بكثرة في الدلتا والفيوم، ويغلب على الظن أن المسلمين استخدموه، وطوعوه لمتطلبات حياتهم
(516)
(3) التجارة
من الطبيعي أن تزدهر التجارة المصرية تبعا لانتعاش الزراعة والصناعة، ولا شك أن موقع مصر الممتاز بين الشرق والغرب ووجود نهر النيل وإسهامه في نقل السلع والبضائع جعل لمصر أهمية تجارية، بالإضافة إلى سواحلها الممتدة على البحرين الأحمر والأبيض
(517)
وقد حظيت الفسطاط العاصمة والإسكندرية بأهمية تجارية كبرى، وساعد حفر خليج أمير المؤمنين في الربط بين بحر القلزم (الأحمر) ونهر النيل، فربط مصر بشبه الجزيرة العربية، ووصل القمح بسهولة إلى الحجاز عند القحط ووقوع المجاعات
(518)
كما قدمت تجارة وسلع اسيا وشرق أفريقيا من توابل ودهون وعطور ولؤلؤ وجواهر غيرها وعن طريق خليج الإسكندرية تأتي تجارة البحر الأبيض من أخشاب ومعادن كالحديد والنحاس وغيرها وأخيرا فقد وجدت في مصر أسواق كثيرة لتصريف السلع ومختلف الحرف
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(519)
الوضع الثقافي
دخل صحابة رسولﷺمصر على رأس الجيش الذي فتحها وكان على رأس الجيش كما نعلم عمرو بن العاص، وابنه عبد الله، والزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعقبة بن عامر الجهني، وغيرهم رضوان الله عليهم جميعا
(520)
ولا شك أن الصحابة البررة كانوا لا يتطلعون إلى التنعم بغنى مصر وثرائها، والتقلب في نعائمها، وإنما كانت لهم أهداف أغلى وأسمى من ذلك كله، ألا وهي تبليغ دعوة الإسلام نقية خالصة إلى العالمين، ومن هنا ندرك عظم الدور الحضاري الذي لعبوه، والذي يتمثل في تعليم المصريين الكتاب والسنة
(521)
فقداهتم عمروبن العاص بإنشاء المسجدالجامع في الفسطاط وقدضمت أروقته هؤلاءالصحابة الأعلام يتلون كتاب الله ويقرئونه الناس ويروون حديث رسول الله ﷺ ويشرحونه ويبصرون الناس بفقه الإسلام وأحكامه
(522)
لقد استوطن كثير من الصحابة أرض مصر الطيبة، وانقطعوا لتعليم الناس أمور دينهم، يخالطون الناس ويخالطونهم؛ ليضربوا لهم أروع الأمثلة على أخلاق الإسلام وحسن معاملاته، وحقيقة تعاليمه ومبادئه، فيرى الناس عمليا ما يسمعونه من مواعظ وتوجيهات نظرية
(523)
فيكون لذلك أكبر الأثر في نشر الإسلام ولغته عن طريق العلم الصحيح، والقدوة الحقة وممن أسهم بدور فعال في إثراء الحركة العلمية في مصر في تلك الفترة الصحابي الجليل المجاهد عقبة بن عامر الجهني الذي أثرى الحياة الفكرية في مصر
(524)
وروى عنه المصريون كثيرا من أحاديثه عن النبي ﷺ والتي تغلب عليها المسحة الفقهية مما جعلهم يعدونه مفتي مصر انذاك ولم تزدهر الحركة العلمية في مصر في عهد عمرو بن العاص فحسب، وإنما استمر ازدهارها وإيناعها، واتت أكلها كذلك في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح
(525)
والذي كثرت فيه الفتوحات الخارجية ووفد إلى مصر الكثير من الصحابة والتابعين، الذين مروا بها، وهم في طريقهم إلى المغرب للجهاد في سبيل الله، وكانوا ينتهزون الفرصة فيروون على مسامع الناس في مصر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم
(526)
وكذلك أثناء رباطهم بالإسكندرية وأثناء الفتوح بالمغرب،وكذلك عند عودتهم منها إلى مصر، ومنها إلى الجزيرة العربية ويذكر السيوطي أن حبر الأمة عبد الله بن عباس دخل مصر في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما وروى المصريون عنه أحاديث بها
المصادر:
ابن عبد الحكم/كتاب فتوح مصر واخبارها
السيوطي /حسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة
محمد سهيل طقوش/تاريخ الخلفاء الراشدين /الفتوحات
المقريزي/ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار
(527)
(النهاية)
براءة المسلمين من تهمة إحراق مكتبة الإسكندرية لقد خاض بعض المتأخرين من المؤرخين في مسألة مكتبة الإسكندرية، وناقش هذه القضية كثير من المستشرقين مثل جبون وبتلر وسديولوت وغيرهم، ولكنهم لم يجزموا فيها برأي
(528)
ارتاب بعضهم في صحة تهمة إحراق هذه المكتبة التي وجهت إلى عمرو بن العاص، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب ؛يجزم الدكتور جوستاف لوبون بخرافة القصة :وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم، فمن الأعمال الهمجية التي تأباها عادات العرب والمسلمين
(529)
والتي تجعل المرء يسأل: كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنا طويلا؟ وهذه القصة دحضت في زماننا، فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها، ولا شيء أسهل من أن نثبت -بما لدينا من الأدلة الواضحة أن النصارى هم الذين أحرقوا كتب المشركين في الإسكندرية قبل الفتح الإسلامي
(530)
وكذلك جاك.ريسلر اعتبر: حريق الإسكندرية أسطورة. وإذا رجعنا إلى المؤرخين المعاصرين للفتح الإسلامي لمصر مثل "أوتيخا" الذي وصف فتح مصر بإسهاب، فلن نجد ذكرا لهذه التهمة
(531)
كما أنهالم ترد في كتب الأقدمين: كاليعقوبي، والبلاذري، وابن عبد الحكم، والطبري، والكندي، ولا في تاريخ من جاء بعدهم وأخذ منهم: كالمقريزي، وأبي المحاسن، والسيوطي، وغيرهم.
(532)
وأول من نسب الحريق إلى عمرو بن العاص هو عبد اللطيف البغدادي ومن بعده ابن القفطي ثم أوردها غريغوريوس الملطي دون ذكر السند، ودلل المؤرخون الذين أخذوا عن هؤلاء حديثا على هذا الأمر بما يلي:
الدليل الأول: بأن المسلمين كانت لهم رغبة عظيمة في محو كل كتاب غير القران والسنة.
(533)
الدليل الثاني: أن رواية الحريق لم يروها أبو الفرج فقط، بل رواها أيضا مؤرخان مسلمان: البغدادي وابن القفطي.
:
الدليل الثالث: أن المسلمين الفاتحين أحرقوا كتب الفرس، كما ذكر حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون
(534)
الدليل الرابع: بأن إحراق الكتب كان أمرا معروفا وشائعاتشفى به كل مخالف ممن خالفه في رأيه، كما عمل هولاكو التتري سنة 656هـ بإلقاء خزائن الكتب في دجلة
(535)
ونحن نجيب بأن:
الدليل الأول: غير مسلم به؛ لأنه المعروف من أخلاق المسلمين أنهم كانوا يشجعون العلم، بدليل ما ذكره أبو الفرج من أن عمرو بن العاص كان يصغي إلى أقوال يوحنا النحوي.
(536)
والدليل الثاني:وهو أن أبا الفرج لم يرو هذه الرواية وحده بل رواها أيضاالبغدادي وابن القفطي وهما مؤرخان إسلاميان عظيمان فيمكن دحضه بعد قليل في مناقشة ما ذكره أبو الفرج لأنهم عاشوا في عصر واحدوروايتهم واحدة تقريبا ولا يبعد أن يكونوا قدأخذوا ذلك عن مصدر ضائع معاد للعرب والإسلام
(537)
والدليل الثالث: لم نر من المؤرخين من ذكره إلا حاجي خليفة، ومثل هذا المؤرخ لا يؤخذ بكلامه ولا يعول عليه في المسائل التاريخية المقدمة؛ لأنه توفي سنة 1067هـ فلو أن المسلمين أحرقوا هذه المكاتب لذكر ذلك المؤرخون الذين تقدموا حاجي خليفة
(538)
والدليل الرابع: لا يثبت دعواهم ؛ لأنه لا يقاس هولاكو بعمر بن الخطاب، ولا يقاس من جاء ليحصد الحضارات عامة، بمن قام بنشر الحضارة في العالم
(539)\
وقد أسهب بعض المؤرخين المحدثين في تفنيد رواية الإحراق، لا سيما رواية أبي الفرج، وذكروا ما يدل على أن عمرا وعمر بريئان مما نسب إليهما. وهذه هي رواية أبي الفرج عن كيفية الحريق على يد عمرو بن العاص، قال:
(540)
في وقت الفتح رجل اكتسب شهرة عظيمة عند المسلمين يسمى بيحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس أي النحوي وكان إسكندريا وعاش إلى أن فتح عمرو مدينة الإسكندرية، ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة
(541)
وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه وكان لا يفارقه ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأشياء الموجودة بها، فما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به
(542)
فقال له عمرو: وما الذي تحتاج إليه؟ قال: كتب الحكمة التي في خزائن الملوكية. فقال له عمرو: لا يمكنني أن امر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى
(543)
فورد عليه كتاب عمر يقول فيه:وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى،وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله، فلا حاجة إليه فتقدم بإعدامها.فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها فاستنفدت في ستة أشهر
(544)
تفنيد الحجج حول رواية الإحراق
هذه الرواية أشبه بالخرافة، فقد ذكر فيها ابن العبري أن كتب المكتبة كفت أربعة الاف حمام وهي عدد حمامات الإسكندرية كما ذكرها ابن العبري لمدة ستة أشهر، وهذا غير معقول
(545)
فضلا أن عمرا لو قصد تدمير المكتبة لأحرقها في الحال ولم يتركها تحت رحمة أصحاب الحمامات، وإلا لتمكن يوحنا النحوي الذي بنى ابن العبري روايته عليه من أخذ ما يلزم من هذه الكتب بثمن بخس، ولتسرب قسم كبير من الكتب ليظهر فيما بعد، وهذا ما لم يحدث
(546)
كما ذكر "بتلر" أن يوحنا هذا مات قبل الفتح الإسلامي لمصر بثلاثين أو أربعين سنة لو كانت هذه الرواية صحيحة، لتعرض لها المتقدمون من قريب أو بعيد ولو تليمحا ...
(547)
إن هذه المكتبة أصابها الحريق مرتين: الأولى سنة 48 ق.م على أثر إحراق أسطول يوليوس قيصر، والثانية في عهد القيصر تيودوسيس عام 391م؛ فنسجت هذه الحكاية على منوال الحريقين السابقين
(548)
زار أورازيوس الإسكندرية في أوائل القرن الخامس الميلادي، فذكر أن رفوف المكتبة خالية من الكتب عند زيارته؛ وعلى ذلك فإن الكتب التي كانت بالمكتبة من عهد البطالمة لم يبق لها أثر منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، أي منذ عهد الإمبراطور تيودوسيس أي الحريق الثاني
(549)
كما أنه لم يرد لها ذكر في الاداب في القرنين السادس والسابع، ومن المعلوم أن حالة مصر قبيل الفتح الإسلامي أي منذ أيام دقلديانوس كانت حالة تأخر الزراعة والصناعة والعلوم والمعارف والاداب، فمن البعيد إذن أن يهتم الناس بإعادة هذه المكتبة إلى عهدها الأول
(550)
ولو فرضنا أن هذه المكتبة بقيت إلى الفتح الإسلامي، ولم يكن هناك ما يمنع من نقلها إلى القسطنطينية على أيدي الروم في أثناء الهدنة التي عقدت مع المسلمين، وقد أجاز لهم عمرو في عهد الصلح أن يحملوا كل ما يقدرون عليه، وكان لديهم من الوقت ما يمكنهم من نقل مكتبات لا مكتبة واحدة.
(551)
وقد أنهى أبو الفرج روايته بقوله: فاسمع ما جرى واعجب وهذا يعني أنه أراد أن يدعونا إلى إحكام العقل بأنه ليس من الممكن أن يفعل عمر وعمرو هذا، وهذا ما لا يريده؛ فكأنما يوحي لنا بكذب الخبر، وإن لم يكن كذلك فلم يقول: اسمع واعجب؟! هذه فكرة، وفكرة أخرى يحملها المعنى
(552)
وهي أن يكون في نفس المؤلف ضغينة على عمر وعمرو، فنسب إليهما هذه الفرية، وهو يدعونا إلى التعجب من شدة هذا الأمر وعلى كلا الأمرين، فإن إثارة العجب والدعوة إلى الاستماع فيها شيء من الإيحاء وعدم النزاهة ويجعل ما سبق من الخبر لا صحة لها......(تم بفضل الله)
المصادر:
جوستاف لوبون / حضارة العرب (ص 213)
جاكريسلر/ الحضارة العربية/ ص 100/ 101
أبو الفرج گريگوريوس /تاريخ مختصر الدول/ صفحة 73 - 74
عزيز سوريال عطية / تاريخ المسيحية الشرقية

جاري تحميل الاقتراحات...