سعيد صالح | Saeed
سعيد صالح | Saeed

@s3eed_176

42 تغريدة 33 قراءة May 17, 2020
"لماذا علينا أن نقرّ بالمساواة بدلاً من علاقة التبعية بين الرجل والمرأة؟"
سلسلة تغريدات نبحر بها مع ملخص لكتاب "استعباد النساء"، بدءًا من العادات والتقاليد وانتهاء بالزواج كمنظومة تُسحق بها استقلالية المرأة:
هل الرجال على استعداد للدفاع عن القوة البدنية للفيل، واعتبارها علامة تفوق يتمتع بها دون الموجودات البشرية؟
هكذا تهكم جون ستيوارت مل، أحد أهم فلاسفة الليبرالية والحرية في القرن التاسع عشر في كتابه "استعباد النساء"، على المنطق الذي يستعبد الرجل به المرأة، بزعم أنه أقوى منها بدنياً.
ووصف التراث الذي يحكم علاقة الرجل والمرأة بأنه "متخلف عفى عليه الزمن" منذ أن أصبحت القوة البدنية لا توضع في حسبان الدولة الحديثة.
تطرق "مل" في كتابه "استعباد النساء" الذي نُشر في 1869م إلى الحقوق المشروعة التي حرمت منها المرأة في عصره، وبحث في أصول الأوضاع الاجتماعية السيئة للنساء، وأسباب استعبادهن وخضوعهن المذل للرجل.
وندّد بوضعها المتردي في المجتمع، ووضع أسساً بديلة للعلاقة من شأنها تحرير المرأة من سجن العادات والتقاليد، كما عدّد الفوائد التي تعود على المجتمع من جرّاء مساواة المرأة بالرجل.
وإذا كان البعض يقلل من أهمية الكتاب بعد أن أصبحت المرأة على قدم المساواة نسبياً مع الرجل في المجتمعات الغربية، فإن ثمة تشابهاً بين أوضاع المرأة العربية الآن والمرأة الأوروبية في زمن "مل" يدفعنا إلى إعادة قراءة ذلك المرجع المهم لفهم الأصول القديمة لاستعباد الرجل للمرأة.
- هل تقبل المرأة بالخضوع طواعية؟
يرد مل على الفرضية التي تقول إن سيطرة الرجل على المرأة ليست تطبيقاً لشريعة الغاب، وأن النساء تقبل بها طواعية بلا تذمر، حيث ذهب إلى أن استسلام النساء وخضوعهن لا يعني القبول والرضا.
فعندما أُتيح للمرأة الكتابة سجل عدد كبير منهن احتجاجهن على الوضع الاجتماعي القائم، وتقدم آلاف منهن للبرلمان الإنجليزي كي يسمح لهن بالانتخاب.
وساير مل هذه الفرضية إلى النهاية معتبرًا أنه حتى بافتراض قبول المرأة هذا الوضع، فلا يعني ذلك نهاية المطاف، فما من طبقة مُستعبَدة طالبت بالحرية الكاملة مرة واحدة.
فعندما ثار النبلاء في إنجلترا في وجه الملك، فإن عامة الشعب لم تطلب سوى تخفيف عبء الضرائب، وتخليصها من الإضطهاد الشديد الذي تعاني منه على يد موظفي الملك.
وذهب مل إلى أن من يعيش تحت السيطرة لفترة طويلة لا يبدأ قط بالمطالبة بالقضاء على السلطة نفسها، بل تعديل طرقها التعسفية بحيث لا تنطوي على ظلم واضطهاد.
- خرافة طبيعة المرأة:
يعتقد مل أن ما يُسمى بـ "طبيعة النساء" ، الذي يحول بين المرأة وحقوقها، ما هو إلا شيء مُصطنع بفعل العادات والتقاليد، فالعلاقات البشرية القائمة ليست مسألة طبيعية كما يؤمن الرجل.
وهاجم مل فكرة الخلط بين الأصل وبين تلك العادات، معتبراً أن طبيعة الأنثى لا تختلف عن طبيعة الرجل في الأصل، ولكن استطاعت التربية في عصور الماضي السحيق أن تصنع تلك الفروق وتوهم الجنسين بأنها فروق طبيعية.
ولكن الحقيقة أنها مجرد وهم صنعته الظروف الإجتماعية، فلو كانت تلك الفروق تعود إلى الطبيعة فلماذا لجأ الرجل إلى قوانين تحمي سيادته وتكفل عبودية المرأة لصالحه؟ وإذا كان المجتمع يعزو إلى طبيعة المرأة إعاقتها عن آداء بعض الوظائف، فلماذا لجأ إلى سن القوانين التي تقر هذا العجز؟
واستشهد مل بنساء في العصور القديمة والحديثة لنسف النظرية التي تفترض أن الفروق العقلية بين الرجل والمرأة "طبيعية"، مثل الملكة إليزابيث التي ازدهرت إنجلترا تحت حكمها في 1558م، وقاضية بني اسرائيل "دبورة"، وجان دارك البطلة الفرنسية التي حاربت الإنجليز إلى أن قبضوا عليها وأحرقوها.
-العادات والتقاليد مفتاح عبودية المرأة:
يرى مل أن المبدأ الذي ينظم العلاقات الإجتماعية بين الجنسين فاسد من جذوره، لأنه يؤصّل تبعية المرأة للرجل، بخلاف أنه يستند إلى قانون القوة الهمجي، لذا يقترح هدمه ليحل محله مبدأ المساواة الكاملة التي لا تفضل نوعاً على آخر.
لكن الأزمة هُنا أن مبدأ تبعية المرأة للرجل متغلغل في نفوس الرجال بشكل جذري لعدة أسباب، أولها أنه يستند إلى العواطف والمشاعر، فهناك صعوبة بالغة في إقناع الناس بالعقل بجدوى تغيير تلك المشاعر المتأصلة في نفوسهم عن تبعية المرأة لهم.
خاصة إذا كانت تلك المشاعر قد تحولت بالفعل إلى عادات وتقاليد يؤمن بها المجتمع حد التقديس، هنا يعتقد المجتمع أن استمرار هذه العادات لسنوات طويلة دليل على أنها جيدة ومحمودة.
السبب الثاني، الذي ساقه مل لتفسير صعوبة قبول المجتمع لتغيير المبدأ الحاكم لعلاقة الجنسين، أن الرجال في سعيهم الحثيث لاستعباد المرأة لم يريدوا لها أن تكون مجرد عبد بالإكراه، بل بكامل إرادتها ورغبتها، لذلك استخدموا كافة الوسائل لاستعباد عقول النساء، ووظفوا التربية لإتمام هذا الغرض.
فنشأت المرأة على أن المثل الأعلى لشخصيتها هو النقيض المباشر لشخصية الرجل، فإذا كانت للرجل إرادة حرة وقدرة على ضبط النفس، فعلى العكس من ذلك تتسم المرأة بالخضوع والإستسلام والطاعة لأوامر الرجل.
فقواعد المجتمع الأخلاقية والاجتماعية والتربوية تؤكد أن واجب وطبيعة النساء تقتضي وتحتم عليهن أن يعشن للآخرين، فتتجه عواطفهن تجاه الأطفال والرجال، وينسين أنفسهن تمامًا.
- الدين كمفسر لعبودية المرأة:
هاجم ملّ من يلجأون الى الدين لتبرير آرائهم في حرمان المرأة من حقوقها والإبقاء على استعبادها، معتمدين في ذلك على أقوال القديس بوليس، وقال بأنهم يتناسون أن أقوال "بوليس" في عبودية المرأة مجرد جزء من مسايرته للوضع الاجتماعي السائد.
واستشهد بقوله "أيها العبيد أطيعوا في كل شيء ساداتكم" ليؤكد أن بوليس اعترف بجميع الأنظمة الاجتماعية القائمة بلا استثناء، فلماذا تجاهلوا أقواله السياسية عندما تمردوا على الظلم واحتفظوا بنظرته المتأخرة للمرأة؟ إنهم ينتقون من الدين فقط ما يلائمهم.
- الزواج "كمنظومة للعبودية":
يرى مل أن الزواج هو حالة العبودية الوحيدة التي يعرفها المجتمع، فلم يعد هناك -من الناحية القانونية- عبيد سوى كل ربة منزل، ويذهب مل إلى أن تبعية المرأة للرجل في الحياة الزوجية تجردها من كل حقوقها وتبقيها في حالة خضوع وعبودية كاملة للرجل.
يقول "مل" أنه عندما تزوج صديقته هاريت تايلور، لم يفقدها أياً من الحقوق التي تمتعت بها قبل الزواج، انطلاقاً من قناعته بأن الزواج لا يجب أن يكون مبرراً للعدوان على استقلال شخصية المرأة.
فهل يملك فيلسوف الحرية بديلًا آخر لهذا النمط من الحكم؟ يجيب مل ويقول إن الوضع الطبيعي أن يتقاسم الرجل والمرأة المسؤوليات داخل الأسرة، ولكن كيف يحدث ذلك والرجل يتمتع بالعديد من المميزات التي تنصبه ملكاً منفرداً على الأسرة مثل كبر سنه وبأنه مصدر دخل الأسرة.
هنا توصل مل إلى فكرة "الند" أو "النظير"، باعتبارها الحل الأمثل للمشكلات الناجمة عن أوضاع الزواج الظالمة، وفكرة الند هي عكس قانون القوة الذي يُنتج علاقة السيد والعبد ويشكل علاقات التبعية والخضوع ويفرضها على المرأة باعتبارها قواعد أخلاقية.
ذلك القانون الذي يعتبر "الند" عدوًا للرجل، يرفضه مل على اعتبار أن الأساس الطبيعي الذي يجب أن يحكم الأسرة هو المساواة بين الجنسين، وبذلك يصبح الأمر والطاعة مجرد استثناء لا القاعدة الحاكمة.
فالزواج الذي يتم بين ندين في الثقافة والتعليم وعدم الشعور بالخوف يكون أقوى من الزواج الذي يتم بين طرف أدنى وطرف أعلى.
ويعتقد مل أن الرجال الذين يفضلون حالة التبعية يمنعون العالم من الاستفادة من نصف مواهبه، ويفشلون في إقامة حياة زوجية سعيدة، فالزواج بين شركاء غير متجانسين يؤدي إلى شقاء دائم.
من هُنا حرض مل المرأة على المطالبة بالمساواة والحرية، فالسعادة التي تتوهمها من نموذج التبعية مجرد سعادة زائفة ستتلاشى بمجرد أن تحل علاقة "الند بالند" محل علاقة التبعية والقيادة.
واقترح مل أن يحدث ذلك من خلال تقسيم الواجبات، فيصبح الرجل مسؤولًا عن الدخل -في حالة عدم عمل المرأة- وتقوم الزوجة بالإشراف على الإنفاق المالي بجانب تربية الأطفال على سبيل المثال.
ويهمس مل في أذن المرأة قائلاً: "لا يوجد شيء في الدنيا يستحق التضحية بالحرية" معتبراً أن كل امرأة يعولها زوجها -حتى ولو كانت رعايته جيدة- قد باعت حريتها بثمن بخس عندما استبدلت بها الطعام والمأوى، فهذه الصفقة لا تعبر عن شخص حر أو مجتمع حر.
ماذا خسر العالم باستعباد النساء؟
يرى مل أن العالم يفرض على نفسه خسائر فادحة بقوانينه الظالمة تجاه المرأة، وعدّد مجموعة فوائد من المنتظر أن تعود على البشرية إذا تحررت المرأة من أغلال العادات والقوانين.
أعظم هذه الفوائد - من وجهة نظره- تكمن في تنظيم العلاقات البشرية تنظيماً جديداً يقوم على العدل، ومن ثم زوال صفات بشرية سيئة مثل الأنانية وعبادة الذات، فكل هذه الرذائل تتغذى على القواعد الظالمة التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة.
هذه القواعد في رأي مل لا تسيء للمرأة فقط، بل ترتكب جريمة في حق الأطفال، فالذكر الذي يولد ويشب على شعور زائف بأنه أفضل من الأنثى فقط لأنه ذكر، يميل فيما بعد إلى الانحراف كفرد وككائن اجتماعي.
لأنه يتعلم مبكرًا عبادة الذات نتيجة التفاخر بميزة لم يصنعها لنفسه بل بناء على ميراث وعادات وتقاليد، فتتشكل شخصية الرجل على العجرفة والغرور الفارغ الذي يستطيع كبحه فقط مع رجال أنداد له، وما دون ذلك من موظفين أو زوجة، فيمارس هذا الغرور عليهم.
من هُنا يرى مل أن الحياة الزوجية القائمة على التبعية تتناقض مع أول مبادئ العدل الاجتماعي، وهي المسؤولة عن انحراف شخصية الرجل.
ويذهب إلى أن إحلال المساواة محل علاقة التبعية ينتصر للمبدأ الأساسي في الأخلاق والسياسة وهو أن "السلوك وحده يؤدي للاحترام"، وبالتالي يصبح احترام المرأة للرجل مبنياً على سلوكه لا على جنسه، ويكون السبيل الوحيد المشروع للحصول على السلطة هو التفوق لا مجرد كونه ذكراً.
ويوضح مل خطورة استمرار علاقات القوة بين الجنسين، فعدم السماح للأنثى بأن يكون لها وجود مستقل قائم بذاته وأن يكون وجودها معتمداً على غيرها باستمرار يفتح باب استغلالها للآخرين.
أما الفائدة الأخرى من تحرير المرأة فتتمثل في مضاعفة الملكات العقلية المتاحة لخدمة البشر، فالفرصة التي تُتاح لشخصين تُعظم من المنافسة، وتساعد في توظيف الكفاءات العقلية، بغض النظر عن النوع، فيستفيد المجتمع من ثمار هذه الحالة التنافسية.
كما يعتقد مل أن تحرير المرأة يضيف لذهنية الجنس البشري قيمة تربوية كبرى، فالتربية القائمة على المساواة من شأنها أن تنهي عجرفة الرجل وتسلطه وغروره.
-انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...