منصور العساف
منصور العساف

@mansoralassaf

34 تغريدة 2,772 قراءة May 15, 2020
تحت هذه التغريدة سوف اكتب _ بإذن الله_ عن عدد من الأكلات والأطعمة التي اشتهرت في العصر العباسي ولازالت تقدم على موائدنا في العصر الحالي وسوف نركز على الأكلات الرمضانية.
حقائق ومعلومات غربية وجديدة احفظها وأعد إرسالها إن كانت من اهتماماتك..
زخر العصر العباسي بأشكال الأطعمة التي تملأ اليوم موائدنا العربية لا سيما في شهر رمضان ومع ازدهار العلم وانتشار الجامعات والمكتبات وتوسعت حركتي الترجمة والتأليف بشكل يدعو للفخر إلا أن كتب الطبيخ والطهي لم تجار مؤلفات العلوم الأخرى بل أن معظمها ضاع إبان سقوط بغداد على يد التتار..
كانت السنبوسة (السنبوسج) من أشهر الأكلات الرمضانية في عصر بني العباس وكانت روائحها تنتشهر في أزقة بغداد بعد صلاة العصر أيام رمضان والجميل أن تواجدها لم يكن حكراً على قصور الخلفاء والمقتدرين بل كانت منتشرةً _ أيضاً_ على موائد العامة من الناس..
كان أسحاق ابن إبراهيم الموصلي (أحد أشهر المغنين في تاريخ العرب) من شعراء هارون الرشيد وكان من ذوي اليسار والغنى بحكم قربه من الخلفاء وقد عرف عنه عشقه للسنبوسة التي يعتبرها من أجود الأكلات في ذلك لزمان لم لا ؟ وهو الذي وصفها وشرح طريقة إعدادها بقوله:
كانت الكنافة أشهر حلويات العصور الوسطى بل أنها تربعت على عرش المطبخ العباسي رغم أنها خاضت معارك ضارية مع القطائف الأمر الذي شق صف شعراء ذلك الزمان إلى معسكرين (أنصار القطائف) و (أنصار الكنافة) واستمر هذا التنافس المحمود إلى مابعد العصر العباسي حيث العصر الأيوبي وعصر المماليك..
وهذا الشاعر ابن عنين ينتصر لمعشوقته الكنافة من خصومة (شعراء القطائف) زاعماً أن زمانه هو زمن الكنافة في حين كان الشعراء قبله يتغزلون بالقطائف التي هي الآن واقعة في (خبر كان) فيقول:
غدت الكنافة بالقطائف تسخر
وتقول إني بالفضيلة أجدر
طويت محاسنها لنشر محاسني
كم بين من يطوى وآخر ينشر
كان جحظه البرمكي (وهو شاعر شعوبي مسترزق له نوادر وفكاهات...سمي جحظه لجحوظ في عينيه) كان من عشاق القطائف وذات مرة دعاه صديق له على خوانٍ من أجود أنواع القطائف فسارع حجظة لقبول الدعوة وهناك قال قصيدته الشهيرة:
دعاني صديق لي لأكل القطائف
فأمعنت فيها آمناً غير خائف
فقال، وقد أوجعت بالأكل قلبه
رويدك مهلاً فهي إحدى المتالف
فقلت له: ما إن سمعنا بهالك
ينادى عليه: يا قتيل القطائف!
لكن الكنافة كسبت صفقةً من العيار الثقيل حين أصبح الشاعر ابن الرومي من أنصارها وحينذاك كتب في وصفها قصيدة طويلة وصف سروره بها كسرور العباس بن الأحنف بقرب حبيبته (فوز) فقال:
قطائف قد حشيت باللوز
والسكر الماذي حشو الموز
تسبح في آذيّ دهن الجوز
سررت لما وقعت في حوزي
سرور عباس بقرب فوز
في الوقت الذي اهتز فيه عرش (حزب القطائف) بدخول شاعر فحل كابن الرومي ميدان المعركة لصالح الكنافة حظي أنصار القطائف بدخلول الشاعر محمود بن الحسين المعروف (بكشاجم) حزب أنصار القطائف لاسيما حين ساجل ابن الرومي وتغزل بمعشوقته "الحلوة" قائلاً:
عندي لأصحابي إذا اشتد السغب
قطائف مثل أضابير الكتب
كأنها إذا ابتدى من الكثب
كوافر النحل بياضاً قد ثقب
أطيب منه أن تراه ينتهب
كل امرىء لذته فيما أحب
وهي قصيدة طويلة ذكرها المسعودي في "مروج الذهب"
أما الهريسة "البسبوسة" فقد اتفق عليها (الكُنافيون) و (القطائفيون) ومع هذا فقد كان لها معسكر أخر تمثل في حزب الشباب الذي يجوبون شوارع ومطاعم الرصافة والكرخ في بغداد وهم يعنون:
ألذ ما يأكله الإنسان
إذا أتى من صيفه نيسان
وطالت الجديان والخرفان
هريسة يصنعها النسوان
لم يكن الشاعران (ابن الرومي) و (كشاجم) يقصرا شعرهما على الكنافة والقطائف بل أنهما وصفا عدد من الأكلات العباسية التي سبق أن جمعتها في بحث صغيراً عن التديبر المنزلي والطبيخ وواجهتني إشكالية اختلاف المسميات بين العصر العباسي وعصرنا الحالي رغم أن المقادير وعملية التحضير واحدة..
ولذا فابن الرومي هنا يصف أحد الطهاة وهو يحضر الزلابية "المشبّك" فيقول:
ومستقر على كرسيه تعب
روحي الفداء له من منصب نصب
رأيته سحراً يقلي زلابيةً
في رقة القشر والتجويف كالقصب
كأنما زيته المغلي حين بدا
كالكيمياء التي قالوا ولم تصب
يلقي العجين لجينا من أنامله
فيستحيل شبابيطا من الذهب
ثمت أكلات غابت عن موائدنا في العصر الحالي و ربما تغيرت مسمياتها إلا أن لها حضور في بعض البلاد العربية كالمضيرة وهي أكلة مشهورة في ذاك الزمان ومازالت موجودة في بعض بلاد الشام ومصر وهي مكونة من اللحم المطبوخ باللبن الصافي وقد وصفها أحد الشعراء العباسيين في هذه المقطوعة:
أما الكشري المعروف في مصر فقد اختلفوا فيه..
رأي يقول أنه وجبة مصرية قديمة ورأي أخر يقول أنه من المطبخ الهندي ويستشهد أصحاب الرأي الثاني بما قاله ابن بطوطة في كتابه "غرائب الأمصار" حين وصف الهند بقوله: "يطبخون الشعير مع الأرز ويأكلونه بالسمن ويسمونه كشري وعليه يفطرون في كل يوم"
أما حلوى أم علي فلها قصة سبق أن ذكرناها وهي أن زوجة السلطان عز الدين أيبك وأم ولده (علي) حين علمت بمقتل زوجها واتهام ضرتها (شجرة الدر) بقتله أرسلت مماليك زوجها للثأر من شجرة الدر التي قُتلت ضرباً بالقباقيب من قبل جواري ضرتها (أم علي) التي وزعت الحلوى على سكان القاهرة فسميت باسمها
لكن تظل حلوى (الفالوذج) و (اللوزينج) أشهر الأكلات العباسية رغم أنها عرفت قبل هذا العصر إلا أن تهافت الشعراء على وصفها و ورودها في مقامات بديع الزمان جعلها تتربع عرش الصدارة رغم أنها لا تشاهد إلا في قصور "النبلاء" وهي التي قدمها هارون الرشيد للقاضي "أبي يوسف" في القصة الشهيرة:
ومن الغرائب أن ابن الرومي أكثر شعراء العربية وصفاً للأطعمة والحلويات توفي جراء تناوله "حلوى" مسمومة حيث سمّه الوزير القاسم بن عبيدالله الذي قال له حين شعر بالسم: سلّم على والدي (أي أنك ستموت) فقال له ابن الرومي: ليس طريقي إلى النار...فتعجب الناس من سرعة بديهته وهو في هذا الحال..
وقد استمر التنافس بين الكنافة والقطائف أكثر من ستمائة عام فمن العصر العباسي الأول إلى عصر المماليك حين شهدت هذه الحلوى تنافس الإمامين (السيوطي) و (السخاوي) اللذان طال العراك البحثي بينهما من خلال مؤلفاتهما التي توجها السيوطي بكتابه الشهير (منهل اللطائف في الكنافة والقطائف)
أما "الكليجا" فلها عمق تاريخي يحتاج مني أكثر من تغريدة وكان موسمها في أواخر شهر رمضان حيث عيد الفطر وهذا في العصور الإسلامية وهو ما سنأتي عليه لاحقاً بإذن الله وإلا فالكليجا عُرفت منذ العصر البابلي باسم "مرسو" ومن العصر البابلي بالعراق انتشر هذا النوع من الحلوى على وجهين..
نبدأ بالنوع الثاني حيث انتشر في مصر والشام وهم ما يسمى في عصرنا الحالي "المعمول" وكان يحشى باللوز والفستق والأكثر انتشاراً هو المحشو بالتمر ودبس التمر وكان حضوره شبه دائم وسط موائد الخلفاء والسلاطين..
أم النوع الثاني فهو امتداد لحلوى "المرسو" البابلية والذي يسميها العراقيون المعاصرون "كليجة" وهي الكليجة المعروفة الآن لدينا وكانت تسمى في العصر العباسي "الخشكنانجة" وهي أكلة عباسية مشهورة جداً ذكرها التنوخي في نشوار المحاضرة كما وردت في تعليقات كتاب البخلاء للجاحظ وذكرها الخفاجي
كما ذكرته "كاثي ك . كوفمان" في كتابها (الطبخ في الحضارات القديمة) وقد ذكر المترجم سعيد الغانمي أن "الخشكنانجة" الآنفة الذكر _وهي الاسم السابق للكليجة إبان العصر العباسي_ جاءت من "الخشكنان" وهي كلمة فارسية تعني الخبز اليابس وقد دخلت للعربية قبل الإسلام حيث يقول الشاعر الجاهلي :
ياحبذا الكعك بلحم مثرود
وخشكنان وسويقٍ مقنود
ولا نعلم هل كان وصول الكليجا لوسط الجزيرة العربية إبان "رحلات العقيلات" أم أنه سبقها بكثير حيث كان عدد من شعراء وأهالي نجد يفدون إلى بلاط الخلفاء العباسيين ولا أدل على ذلك إلا الشاعر مروان بن أبي حفصة الذي نزل ببلاط المهدي وابنه الرشيد
وقد أفرد جلال الدين السيوطي في القرن التاسع الهجري كتاباً أخر غير كتابه آنف الذكر (منهل اللطائف في الكنافة والقطائف) حيث جمع ما قيل وكتب عن الخشكنان في المأثور والمنثور في كتابه (نثل الكنان في الخُشكنان) كما وصف الشاعر "كشاجم" الكليجة التي تسمى في عصره "الخشكنانجة" في عدة قصائد..
أما "المقلوبة" فالرواية الشعبية في الشام تقول أنها كانت تسمى "الباذنجانية" وأنها قدمت لصلاح الدين الأيوبي بعد فتحه بيت المقدس فأعجبته ولم يكن يعرفها وذات مرة طلبها من الطهاة ولم يعرف اسمها فأخذ يشرحها ويقول الطبخة "المقلوبة" فعرفت بهذا الاسم..
ولي تحفظ على هذه الرواية...يتبع
حيث لم أقف على مصدر لهذه الرواية من الكتب القديمة ثم أن "المقلوبة" طبخة شامية وهي مشهورة في الأردن وفلسطين وصلاح الدين عاش طفولته وشبابه في الشام فمن غير المتوقع أنه لا يعرفها وهو شامي المنشأ..
وبمناسبة الحديث عن الباذنجان فمن الأكلات القديمة في عصر الآشوريين ما يعرف اليوم ب "المتبل" وكان يسمى "هريس الباذنجان" ويقدم في موائد الفقراء والأغنياء على حدٍ سواء لقلة "مقاديره" وتوفرها بأسعار زهيدة ولم يكن له حضور في المائدة العباسية لأن بعض مقاديرة لا تنبت بكثرة بأرض الرافدين
أما "الكباب" فهو مصطلح فارسي يعني الشواء نقله الأتراك وانتشر بينهم بحكم تجاورهم، وكان يخلط أحياناً "بالبقسماط" وهو الخبز اليابس والمجفف وكان في حملة إبراهيم باشا فرقة من الجند مسؤولة عن نقل البقسماط لإطعام الجند كما ذكرت الوثائق المترجمة..
وبالعودة للحديث عن المقلوبة فقد أوردها ابن رزين التجريبي في كتابه (فضالة الخوان) كإحدى الأكلات المغربية الأندلسية في القرن السابع الهجري بيد أنها وإن حملت ذات الفكرة إلا أنها تختلف بالمقادير والأصناف حيث تعرف المقلوبة الحالية بالخضار في حين المقلوبة الأندلسية أشبه بالثريا..
أما اللقيمات التي اشتهرت بها الموائد الرمضانية فقد عُرفت في بغداد في القرن الثامن الهجري بمسماها الشهير "لقمة القاضي" وهي في مقاديرها وأصنافها شبيهة بما يُقدم في موائدنا حالياً مع بقاء اسمها القديم لدى العديد من الشعوب العربية وقيل أنها كانت تقدم للقضاة كما قيل أن أصلها يوناني..
وقد ورد ذكر لقمة القاضي في كتاب الطبيخ لمحمد بن الحسن البغدادي المتوفى (٦٣٧) بنفس طريقة إعدادها وقليها في أيامنا هذه إلا أنها كانت تقلى بالشيرج وهو زيت السمسم وهكذا يسمى في العراق كما أن البغدادي وصف شكلها وشبهها بحبة البندق وهي الآن أكبر حجماً مما كانت عليه في العصر العباسي..
كانت البقلاوة من أشهر أنواع الحلويات في عصر بني العباس ولها قبل هذا امتداد تاريخي طويل وتسمى في العصور الوسطى (خشكنانج) وهي مشهورة جداً وحاضرة في موائد الأمراء والوجهاء ويرد ذكرها كثيراً في كتب التاريخ ومع جلالة مكانتها إلا أنها لم تدخل معترك التنافس الذي دار بين الكنافة والقطائف

جاري تحميل الاقتراحات...