بدور عبد المنعم عبد اللطيف
بدور عبد المنعم عبد اللطيف

@BidourMoneim

25 تغريدة 613 قراءة May 10, 2020
التحية إلى رائدة الفنانات التشكيليات.... ستّنا بابكر بدري
بقلم : بدور عبدالمنعم عبداللطيف
في نوفمبر من عام 2011  تعرَّضت ستنا بابكر بدري "أول امرأة سودانية تقتحم مجال الرسم والفن التشكيلي" ، لوعكةٍ صحية إستدعت بقاءها في المستشفى لبضعةِ أيام....+
في تلك الأيام إختفت صورة ستنا "الفنانة" من أمام ناظري، وحَلَّت محَلُّها صورة ستنا "الإنسانة"، التي تُمثِّلُ لي بعضاً من ذكرياتِ طفولةٍ قديمة قد تراكمت عليها أزمانٌ ما تفتأ تركضُ بنا فلا تدع لنا فرصة لالتقاط أنفاسنا. +
في حي البوستة " بأمدرمان" وتحديداً في حارة  "الشيخ دفع الله" حيث دار الشيخ "بابكر بدري".. تلك الدار الرحيبة التي شهدت جزءاً من أيام طفولتي.. أيامها الجميلة التي بقدرِ ما كانت تُثري وجداني ذكرياتها بقدرِ ما كان يدفعني إجتِرارُها إلى التَحسُّر على "سودان الأمس". +
في حَرِّ الظهيرة والشارعُ يرقدُ في سكونٍ يُضاعفُ منه اعتكاف الناس في بيوتهم إتقاءً للشمسِ الحارقة، تنطلقُ صَفَّارة بائع "الدندرمة" أو الآيس كريم بلغة اليوم. أجري لـ"ستنا" فتدسُّ في يدي تلك "التعريفة"...أقبِضُ عليها بقوةٍ وأهرول حافية القدمين غير عابئةٍ بـ"الرَمضاء"، خوفاً من أن +
تفوتني" عربة بائع "الدندرمة" وأعودُ وبيدي تلك "الدندرمة" اللذيذة أتلَمَّظُ  مذاقها المُثلَّج بلذَّةٍ ومتعةٍ شديدين.. ذلك المذاقُ المُثَلَّج الذي كثيراً ما كان يزورني مُصطحِباً معه تلك الذكريات الحميمة، كلما مررتُ بمحلاّت "الآيس كريم" ونظرتُ إلى ألوانه المتنوعة بمذاقاتِها ...+
المختلفة التي لا تُشبهُ طعم تلك "الدندرمة" اللذيذة الممزوجة برائحة الطفولة.
  الفن التشكيلي..الغناء والموسيقى..الأدب شعره ونثره وجانبه الروائي والقصصي .. كل تلك الجماليات تأتي من رَحِم الموهبة، وهي مِنحةٌ رَبَّانِية إختصَّ الله بها بعض الناس.....+
على أن تلك المِنحة مثل النبات إذا لم يُتعهَّد بالعنايةِ والرعاية فإنَّه يذبل ويموت. تحكي "ستنا"عن بداياتها في التسلُّلِ إلى ذلك العالم السحري...عالم الفن والإبداع فتقول: "إكتشفتُ موهبة فن الرسم في دواخلي عندما كنتُ أجلسُ مع جدِّي "الصدِّيق مدني" الذي كان يعشَقُ الرسم وكان...+
يستَخدِمُ " القَشَّة " ويرسُمُ بها على الرمل وكنتُ أُقَلِّدهُ ، ومن هنا بدأت تَتشَكَّلُ في دواخلي ملامح ذلك الفن الجميل " .
في عام 1936 إنتقلت  ستنا من مدينة "رفاعة"-التي شهدت مولدها في عام 1929 - إلى الخرطوم وواصلت تعليمها حتى المرحلة الثانوية...+
وبعد ذلك تَمَّ قبولها بقسم التصميم بالمعهد الفَنِّي ، إلَّا أنَّ والدها " بابكر بدري " على الرغم من أنه كان رجلاً مُستنيراً وسابقاً لزمانه في نظرته للمرأة، فقد أنشأ أولَ مدرسةٍ لتعليم البنات في "السودان" في عام 1907 بمدينة " رفاعة " ما جعل المرأة السودانية في طليعة النساءِ...+
العربيات المُتعلِّمات وبالرغم من وثوقه كذلك بموهبة إبنته الباكرة إلاَّ انه لم يستطع أن يَتصَدَّى أو يقف في وجهِ تقاليدٍ ترى في التعليم"المُخْتَلَط" خروجاً على العُرفِ السوداني. على أنَّ الشيخ " بابكر بدري " إستطاع بحكمته وإرادته الصلبة وقبلاً بإيمانه العميق بموهبة إبنته الباكرة+
،أن يجد الحل في التعاقد مع أحد المدرسين "البريطانيين" بالمعهد الفني فكانت " ستنا " تذهبُ برفقة أخيها " يوسف بدري " لِتَلَقِّي دروس الفن في محلِّ إقامة الأستاذ "الإنجليزي" بالفُندق ...+
في عام 1955سافرت ستنا برفقة زوجها محمد عبد الكريم بدري "عليه رحمة الله ورضوانه" الى الولايات المتحدة . وهناك إلتحقت بمعهد " فينسكي " بولاية  كاليفورنيا فَتَعَلَّمَت فنون النحت على الحجارة والزجاج المدروش والنحاس الممطوط . تقول  ستنا  عن المعهد أنه : "أكسبني كُل تلك الفنون...+
الراقية ، ويُعَدُّ نُقطة تَحوُّلٍ كبيرة في حياتي ، لأنني بعد تَخَرُّجي أقمتُ "معرضين" تَمَّ عرضهما في التلفزيون الأمريكي فَعَرَّفنِي بعدد كبير من الأمريكان الذين كانوا يأتون لمنزلي لشراء لوحاتي"...+
وعلى ذكر علاقة "ستنا" بالأمريكان، أذكرُ موقفاً طريفاً قد مرَّ بي في "سياقٍ حزين". عندما تُوفِّي والدي في عام 1998، كانت والدتي تُلحُّ في السفر إلى "أمريكا" لتلتقي بأخي الذي لم يتَمكَّن من الحضور. وفي ذلك الوقت كان الحصول على تأشيرة زيارة "لأمريكا" مُتعذِّراً إلى أبعد الحدود...+
على أن "ستنا"  قد تَمَكَّنَت بحُكمِ علاقتها ب" باتريشيا " - الدبلوماسيّة في السفارة الأمريكية بالخرطوم - من الحُصول على موافقة السفارة بمنح  أمي التأشيرة . وعلى هذا رأت " ستنا " أن ندعو " باتريشيا " لتناول الشاي عرفاناً بجميلها . ولمّا قلتُ لها أنَّ الظرف غير مناسب مع تواتر...+
زيارات النسوة لمُعاودة "الفُراش" كما جرت العادة،لم تكترث لملاحظتي ما يُفهمُ منه أن تلك عاداتٌ بالية ينبغي تجاوزها   . ولكنِّي برغم الفارق العمري الذي يفصلُ بيننا ما يجعلها أقرب إلى الأم منها إلى الأخت بالنسبة لي، لم أستطع أن أتقبَّل الفكرة....+
الدَفعُ الثاني الذي سُقته في اعتراضي على تلك الدعوة هو أنَّ كل المُتعلّقات  التي تتطلَّبُها دعوة شاي "محترمة" تَليقُ بالزائرة "الدبلوماسية"، قد أُودِعت في المخزن المُكتَظ بالأمتعة،ذلك لأننا كنا ننوي السفر خلال ايام، قالت ستنا: "ما مُهم "باتريشيا" تتناول الشاي في "عِدَّة" البيت..+
العادية وكفاية "بسكويت من الدكان" وما حيكون معانا غير "قاسم بدري" ونفرين تلاتة "... تلك الطريقة البسيطة التي "لخَّصَت" بها ستنا الدعوة لم تكن تَتَّفِقُ مع عقليتي "التقليدية" على أنني أضطُّرِرتُ في النهاية الى النزول عند رغبتها وإحساسٌ بالذنبِ يُطوِّقُني مع إدراكي بأننا سنتناول..+
الشاي في غرفة الجلوس المنفصلة عن باقي أجزاء البيت.
في الليل عندما رقدتُ على سريري في "الحوش" كانت عيناي تنظرانِ إلى النجوم المتناثرة على صفحة السماء ولا تراها فقد كان ذهني مشغولٌ تماماً بطقم الشاي "الفخيم" الذي "سأستَعيره" من الجيران. وفي نفس الوقت الذي شَرَع فيه "فكري" في تجهيز+
قائمة بأصناف "الكيك والفطائر والشطائر"، إذ سُمع دويٌ هائلٌ إرتجَّت له أركانُ "العاصمة المثلثة".. جاءت ضربة "مصنع الشفاء" (الغارة الأمريكية) لتحسِم موضوع طقم الشاي "الفخيم" والشطائر والفطائر، بعد أن غادرت "باتريشيا" "الخرطوم" في نفسِ تلك الليلة.
عندما عادت " ستنا بدري " من "أمريكا" ،  إلتحقت بكلية الفنون الجميلة لدراسة المنسوجات  وتلوينها وزخرفتها وهي المادة التي تقوم بتدريسها الآن في جامعة " الأحفاد  للبنات" . جعلت " ستنا بدري " من صالون بيتها متحفاً صغيراً يحوي مختلف "الأناتيك" التي تُؤسس للتراث السوداني إلى...+
إلى  جانب الأزياء التي تُميِّز كل منطقة من مناطق السودان المُتعدِّدة السِمات ، كما أنَّ لــ " ستنا " بَصْمتها الواضحة في تصميم رسومات وأشكالٍ للثوب السوداني.
عكفت " ستنا " على سلسلة إصداراتها التوثيقية عن تعليم المرأة في السودان فهي فنانة مثقفة لم ترتضي لنفسها التقوقع والإكتفاء+
بعالم الفن وحده فتسعى دائماً وفي كل الأوقات للتزود بكافة ضروب العلم والمعرفة. تتميّز ستنا بالعفوية والتلقائية والبساطة  وليس لها شاغلٌ "بالقطيعة" فلا تهدر طاقاتها في الحقد أو إسقاط الآراء السلبية على من حولها ما أبعد عنها شبح الشيخوخة وأضفى عليها نضارة الشباب ،كما أكسبها...+
ذلك الحِس المرِح، وقبلاً أكسبها حب الناس.
*توفيت ستنا بدري في 28 مارس 2018. رحمها الله رحمة واسعة وادخلها فسيح جناته.
"ستنا" هي إبنة خالتي "نفيسة" إحدى بنات القاضي "إبراهيم مدني . أولئك الشقيقات الست ، زرعن فينا- أولادهن- شتلاتٍ من "مَحَنَّة" لم تستطع رياحُ الزمنِ على قساوتها أن تقتلعها، وترَكْن لنا إرثاً من مَحَبَّةٍ نسأل الله أن يُغدِق عليهن حُسنَ ثوابه في الآخرة.

جاري تحميل الاقتراحات...