خالد | مُصمم
خالد | مُصمم

@ikhalid2030

57 تغريدة 5 قراءة May 29, 2020
رحب الشيطان بنا على استغراب واضح، واحتفل بي احتفالًا تعجّب منه والدي !! وحقيقة هو ملاك بروحه، إنسانٌ عظيم بفطرته، وإذا كررتُ لفظ الشيطان فهو لدلالة السياق لا أكثر .
دخلت أمي قسم النساء، ونحن انصرفنا يمينًا مع الولد حيث مجلس الرجال.
سألني والدي أتعرفه ، قلت نعم .. زميلي في الفصل .. ثم انصرف الولد عنّا للداخل، وما مضى من الوقت إلا القليل، لتدخل علينا امرأةٌ ساترة وجهها وبيدها سكين تقطر بالدم .. 🔪
إنها أمه .. ويالها من أم !! سلّمت ثم قالت
ذبيحتكم ماتت .. ثم ولت .. واسمع أمي من الداخل تعاتبها لم فعلت ذلك !!
شرب والدي فنجان القهوة، ثم قال لي ابق هنا إني عائدٌ بعد الغروب .. وأنا وجدتها فرصة سانحةً حتى أتعرف على زميلي هذا، والذي تلقى مرارة التنمر في المدرسة.. خرجنا لمزرعتهم وفي كل منعطف يخرج لنا ولد يشبهه !! وأسأله من هذا فيجيب أخي .. قابلت كتيبة محترمة متشابهة.. تبارك الله.
أسرة متواضعة تشبه الدول النامية، لديها موارد لكنها فقيرة، سألته عن والده قال هو في السوق يبيع الخضار .. ساعة يعود، ثم خرج ولد كان عند قدر الطبخ، بعثته أمه يشتري بعض لوازم العشاء .. وناداه أن كن بجانب القدر وراقب اللحم حتى أعود، وأنا أقول في نفسي يا إلهي لقد كلّفنا عليهم حقًا .
كانوا يطبخون على الحطب، ويقسمون لنا فرحتهم برغيف خبز البر وقدح المرق، حياتهم في قعر البساطة، واضحون جدًا. رؤية الغرباء تسعدهم، رؤية الطائرة في السماء تسعدهم .. أي شيء غريب يبهرهم، لكن أرجوك لا تؤذي أعماقهم الزجاجية الصافية بنعتهم شياطين أو فقراء.
تعشينا ومضى الويكند ..
ثم عدت للمدرسة من جديد، ولكن لم أجد زميلي هذا !! لأنه لم يحتمل أن يُقال له الشيطان، فيشتكي والده، فيقال له الشيطان تارة أخرى .. لقد تكسر كل شيء داخله، وكان والده بين خيارين إما أن يترك ابنه الدراسة ويبيع الخضار، أو أن ينقله إلى مدرسةٍ أخرى .
وفعلًا هذا ما حدث .. نقله والده إلى مدرسة بعيدة واختفى عن الأنظار، ثم تنمروا على زميل آخر، وهو عكس زميلنا الشيطان تمامًا، ذو هندام نظيف وفسحته خمسة ريالات، وكان الأخير سريع البكاء، صبر قليلًا ثم نقل من المدينة بالكامل .
المتنمرون أشبه بالضباع القمامة، ويطلقون ألقاباً لاذعة ترسخ في الذاكرة، وحتى المعلمون لم يسلموا منهم، فمعلم مادة اللغة الإنجليزية سمّوه " بيتر " وكانت حصته أشبه بالمزاد، ولم يسلم معلم مادة العلوم فقد سمّوه " شرشبيل "، حيث كان يشرح لنا الكروموسومات إبراءً للذمة فقط.
أذكر عراكاً حدث بين طالبين أحدهما من قريتي والآخر من القرية المجاورة، وتمكن ابن قريتي رغم ضخامة منافسه من تطبيق الكتفين وهزيمته، مما دفع الأخير لتقديم شكوى للمدير، ولم يكتفي بذلك بل أخبر أمه التي شكتني أنا عند والدي زاعمة أنني ضربت ولدها أيضًا !! بريء والله 🥺
حقيقة استغرب والدي من شكواها !! فأنا صعلوك أمام ضخامة ابنها .. ولكن من باب إبراء الذمة ، ورغبة في اسكاتها صفعني أمامها رحمه الله، وبلعت الكف على مضض، فقد اتهموني تهمة لم أنل شرفها بعد .
أنا مظلومٌ حقًا .. وفي اليوم التالي أتى هذا الولد الضخم في الفسحة يبحث عني، وقال أمي تريدك !! قلت ماذا ؟ قال أمي تقول لابد أن تزورنا في البيت !! أمك يا مسلم !! وقد بهتتني وتسببت في ضربي !!ثم قلي بالله .. لماذا ظلمتني وقلت لها أنني ضربتك ؟!
المهم ..
عدت من المدرسة كالأسير بيد ابنها، حتى وصلنا صالة بيتهم، ثم خرجت أمه واعتذرت مني وكانت مكسورة الجناح، وقالت أنا آسفة يا ولدي !! ولن تذهب حتى تأكل من يدي .. فقبلت اعتذارها غصبًا.. وإلا قد يبرك ابنها على صدري !! وأصبحت هي من أحب الناس إلى قلبي حتى كتابة هذه التغريدة .
وبعدها سألته بربك لم اتهمتني بضربك !؟ هو : قال لم أستطع أن أقول لأمي أن الذي ضربني فلان وحده وأنا أضخم منه، فأضفتك معه على أنك ساعدته عليّ ..
أنا : 😳 .. الله أكبر عليك ..ظلم عيني عينك !!
وعدت للمنزل وأخبرت والدي وأذكر أنه طنشني ولم يعطِ الأمر اهتمامًا .
وعلى سيرة كورونا .. كنت أدرس الصف السادس، ومرضت ولم أتمكن من الذهاب للمدرسة، وبي حرقة على أنني سوف أغيب عن الامتحان الشهري.
قالت أمي استرح فكل مطرود ملحوق.. وبعد ساعة فقط حضر الفراش لبيتنا يطرق الباب .. يطلب مني الحضور حسب توجيه المدير !! 🥺
قالت أمي الولد مريض !! لا يمكن ..
بقلب وحنان أمي قالت الولد مسخن !!
قال الفراش نحن في حاجته حسب كلام المدير فلدينا ( مفتشون ) حضروا من إدارة التعليم .. وكان المفتش إذا حضر يسأل الطلاب فإذا أجابوا انبسط المدير ، وكنت نمبر ون في الفصل . ووعدها الفراش أن يعيدني بعد ذهاب المفتش .
قالت أمي اذهب ساعدهم بهذا المفتش .
وركبت مع الفراش، وكان يضع يده على جبهتي يتحسس حرارتي في الطريق، ويقطع لي الوعد بأنه سوف يعيدني .. قلت لقد - وزت - يا عم ظافر ..
( وزت تعني قُضي الأمر ) .. فقط أريد رؤية المفتش حتى أجعله يخجل من نفسه، فلا يزورنا أبدًا، وينبسط مني المدير والمعلم والفراش وأمي.
دخلت من باب الفصل الأخضر الملاصق لمكتب المدير، فسحبت انتباه كل زملائي إليّ وتركوا النظر للمدرس ..
إنهم ينظرون إلى زميلهم نظرة بكرٍ وتغلب للحارث بن عباد .. وجلست في مكاني أترقب دخول هذا المفتش الذي حرمني لذة الراحة عند أمي . / نتوقف الآن وسأكمل إن شاء الله لا حقًا ..
اتجه المفتش للصف الخامس وتركنا مُجحفلين، لذا كان حضوري تحصيل حاصل .. بالمناسبة أنا لست بكاتب ولا أديب، ولا أغرد بهذه السلسلة إلا من باب أن أسلي النفس، دون وضع مسطرة الكتابة الأدبية ومعيار الإملاء الصارم ..
إذا اختفى كورونا كل يصلح سيارته.
وعلى جانب آخر من التنمر، كان هنالك معلم يتفنن في ضربنا، بينما نحن أطفالٌ يسهل عجننا، فلم كل هذا الضرب !! شخصيًا كنت في منأى من هذا الجلد كوني مجتهدًا، لكنني أتألم لزملائي، وأعيش معهم لحظة الخوف هذه .. نسمع صرخات الطلاب في الفصول الأخرى إذا دخل عليهم هذا الحجاج .. كانت مأساة .
كلفوه ذات يوم أن يدرسنا مادة القراءة، وكان التكليف سوط عذاب يا قوم .. هو يشرح ونحن ننظر في العصا التي أحضرها بيده، ثم يضعها على طاولته المرتفعة، فينغلق العقل من مجرد رؤيتها .. كانت نحيفةً خضراء مقطوعة من شجر الشوحط ولابد من تجربتها بكل تأكيد.
وكانت طريقة الدرس كما تذكرون نأخذ قطعة الدرس وتُحدد لنا أسئلة الواجب، ومن الغد نحضر بالواجب محلولًا .. الجدير بالذكر أن أصعب سؤال نلقاه هو " ضع هذه الكلمات في جمل مفيدة، مثال : - مدرسة - جندب - مصنع - الملاريا " .. هذا السؤال مقبرة العقل وتحدث بعده كوارث على الأيادي والظهر .
أذكر صديقًا لي انغلق عقله تمامًا من هذا السؤال فمثلًا يصوغ جملته لكلمة - مدرسة - هكذا ( المدرسة سعيد يقرأ ).
فيشتاط المدرس غضبًا، فينهال عليه بالضرب، أما زميل آخر فكان إذا وصل الدور عنده حتى يقرأ جملته المفيدة .. ينعقد لسانه ويصبح أبكماً، ويفرز جسمه كمية عرق وكأنه من حجاج منى!!
استمر بنا هذا العذاب حتى أتى يوم الفرج، وكان على حساب ظهر زميلنا الذي يصيبه البكم إذا أتى دوره، حيث أنه لم يحل الواجب من الأساس، وكأنه يقول لن أعذب نفسي مرتين، بحل الواجب وأخرى بالضرب عليه.. مد زميلي يده أوتوماتيكياً أن تفضل اضربني وخلص، لكنه زاد عليه الكيلة هذه المرة !!
كان ينوي ضربه على ظهره، ففر زميلي من الفصل وخرج من المدرسة متجهاً للجبل حتى ينجو بظهره، فتوجه المعلم يخبر المدير بهروب زميلي … فانقلبت المدرسة رأسًا على عقب، طلبوا منّا معاشر زملاءه اللحاق والإمساك به .. وخرجنا مسرعين خوفًا عليه وفرحًا بالمصيبة، علّها النجاة لنا من هذا العذاب.
وكانت النجاة حقًا فقد انكسر قلب المُعلم، بعد أن حضر والد زميلنا شاكيًا .. وصحيح أنْ الآباء يرموننا للمعلمين لحمًا ونعود للمنزل هياكل عظمية، إلا أننا نُحسن القراءة والكتابة، وعلى قدرٍ لا بأس به من النجابة وحُسن الخط .. ولقد كانت قلوبنا برطماناتٍ مملوءة بهيبة المعلم.
رغم كل ثرثرتي إلا أنني لا بد أنْ لا أسكت، خصوصًا بعد أن صنف الشقيري الأصدقاء إلى ثلاث أصناف ( صديق وناسة، صديق مصلحة، وصديق مباديء) .. وهذا يذكرني بشخصين هما عبدالله وسعد ، زملاء مرحلة الأوريا بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
كانت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الخيار رقم ٢ بالنسبة لي بعد المرحلة الثانوية، كانت حُلمًا للكثير ولا زالت .. وكنت أتخيل طلابها " عقول تمشي على سيقان "، حتى رأيتهم وتأكدت من ذلك بنفسي .. نعم هم عقول تمشي ولكن على أقلام .
كان " سعد " شريكي في غرفة السكن، شاب من عائلة مبسوطة الحال وكنت محظوظًا به لوجستيًا، لديه سيارة آخر موديل وموبايل، كل حياته في الرياض، الابن الأول لأسرته، طيب القلب، تفكيره منطقي ومفعل حُسن الظن على الآخر ..
يحب ببسي مصنع الجميح، يشتريه كل ويكند من الرياض، ولا يشرب ببسي الشرقية !
يعجبني ترابط أسرة سعد ويعذبني، حيث أن أمه توقظه للجامعة كل يوم، تتصل عليه وأسمعه يقول .. طيب طيب ..
وذات يوم قلت له سعد .. أتدري أنني لا أعلم عن أمي شيئًا منذ شهر محرم !! وها نحن في رجب .. لا جوال ولا هاتف ثابت .. وهذا فرق ابن القرية الكلاسيك عن ابن المدينة المتحضر .
قلت نعم .. ابن القرية له نشأة مختلفة عن ابن المدينة !! نحن قريبون من الحياة، من الطبيعة، من الشمس، من التعب ، من كبار السن .. أنتم في بيوت مشيدة بعيدون عن لهيب الشموس، عن التعب، عن غبار الشارع .. عن معارك الحياة البدائية .. وهذا قدرنا وذاك نصيبكم .
ثم خرجت باتجاه غرفة زميلي عبدالله، وهو من منطقة بعيدة عن قريتي بمسافة قدرها ألف كم، وهو ابن عادات وتقاليد مختلفة، كان بالنسبة لي هو - نت فليكس وثائقيات - كلامه ممتع وقهوته لذيذة، وكنا نحتسي القهوة ونجلس نعدد اختلاف عاداتنا ونضحك، منها المعقول وغير المعقول ..
بداية كنا نراجع مادة الماث - الرياضيات - وحين أخذ يصب القهوة بقي واقفًا وليس في الغرفة سوانا.. استغربت وقوفه .. قلت له اجلس، قال لا حتى تتقهوى !! وشربت الفنجان الأول والثاني والثالث وهو واقف .. ثم أجلسته بالقوة .. وسألته لماذا يا عبدالله ؟ نحن في مجلس خاص وأنت تعاند !!
قال لو علم والدي أنني جلست لما سلم علي !! قلت أين أنت وأين والدك !! نحن شباب ولابد أن نعيش حياتنا بعقل .. قال لو تعلم ما خفي !! قلت مثل ماذا ؟ قال أتعلم أن والدي لم يشاهد وجه أمي سوى مرة !! وتتسع الدهشة في عيوني !! كيف ! لماذا ؟ متزاعلين ؟ قال لا .. هذا عادة عندنا !!
أظن عبدالله آخر إنسان يلبس الجنز ، هو أشد تماسكًا مني عامةً، وكان في الكلاس ثمانية شباب يضعون صورة ديانا على صدورهم، حُبًا، اعجباً، حدادًا .. لا أعلم .. شخصيًا لا أعرفها .. أعرف نجوى كرم !! وبعدها بمدة .. صبغ الثمانية رؤوسهم بلون أشقر - موضة منتخب رومانيا - تبارك الرحمن !!
كنت أرى هذا التنوع في الحياة الشبابية، وأقول هذه حديقة أزهار ذات ألوان مختلفة، لسنا نسخة من بعضنا، وأتينا لطلب العلم، حتى جلست مرةً بجوار طالبٍ شديد الهدوء والأدب، استعرت قلمه، ثم شكرته وسألته .. من فين الأخ؟ قال من القطيف، وآخر قال من جيزان وآخر من الكويت ..
حين بدأت حصة الكتابة - الرايتنق - دخل معلم أشقر كبير في السن، أظنه أمريكي .. وقد أرهقته.. بليز تعال .. بليز .. كم هير .. وأطلب منه أن يكتب في دفتري حتى أرى كفه فقط .. كنت أسمعهم يقولون النقط البنية التي فيه يسمونها - نمش العظماء - كنت أود رؤية هذه العظمة عن كثب.
أما فيصل فهذا أغرب طالب مرَّ عليَّ في حياتي، قياسًا على مخيلتي وبيئتي التي خرجت منها، وجوده في الجامعة تحصيل حاصل، والده تاجر وهو ابنه المدلل، نخرج صباحًا للجامعة وهو يتجه لمجمع الراشد .. يا ابن الحلال الدراسة .. يقول لا اللي في راسي بسويه .. تطلعون معي البحرين !! 😳
الأمر ليس بالسهل، أنْ تعيش مرحلةً من عمرك وهي مرحلة ما قبل القطاف، التي تترك فيها والديك لتتحول إلى شاب مُستقل مسؤول عن نفسه .. وأن تكون مستقلًا لا يعني أنْ تترك المبادىء التي تربيت عليها، أو تتأثر بكل شيء .. الحياة تتسع للجميع ولكن كن أنت .
أنا سعيدٌ اليوم مرتين، مرة لأجلي ومرة لأجل بقية الناس، لأنهم سيخرجون من منازلهم كالفراشات يوم التاسع والعشرين من شوال، ولا نقول وداعًا يا كورونا ولكن انقلعي عنّا.. ثم أما بعد .. سأكتب بيدي هاتين أنني أشعر باكتفاء ذاتي، فأزمة كورونا أعادت هيكلة السعادة داخلي بشكل آخر.
ذكرتني هذه السعادة بسعادتي القديمة وأنا أقود سيارة خالي يوم نذهب معًا - أنا وخالي ضيف الله - نطحن حبوب البر خارج القرية، كنت صغيرًا لكنني قادر على سحب أسطوانة الغاز، وربط الخروف وإخافة الطيور وهي تحوم حول سنابل الذرة .
خالي ضيف الله رحمه الله ، لم تلده جدتي فاطمة، فخالي ولدته الأرض، خرج من تربة الطيبة والبساطة، أشبه ما يكون بخوط الريحان، وفي صبره على الحياة كساق شجر العرعر الصلب، ابتسامته كالشمس صبيحة ليلة القدر، دافئة مريحة ليس لها شعاع.. أتى يؤدي رسالته في الحياة ثم رحل قبل بضعة أشهر.
لخالي رحمه الله نظرته للحياة، هو يرى أن السعادة إناءٌ صُنع من طين لازب، تحوم فوقه غيمة بيضاء باردة، تسقيه ماءً غير آسنٍ لذة للشاربين … هكذا يقول .. أخرج باكرًا يا بُني فستجد الرزق ينتظرك، وسلّم على من عرفت ومن لم تعرف، واعلم أن السعادة أن تعيش يومك مصابًا بالنسيان.
» وقفة ..
في المرة القادمة علّني أكتب عن الحب الذي لا يحتمله قلب الطفل .. وقد أفرد له شخصيات وهمية من باب التورية .
لا أدري لم قررت تأجيل ذلك، فالحديث عن الحب كأنْ تقطع شجرةً ثم تبكي عليها، وتقول ليتني لم أكن أنا وليتها لم تكن الشجرة .. ليس هذا وحسب ولكنني رأيت من هم أولى بالتذكر والحديث عنهم، ممن عِشت معهم وبينهم، فكل شخصٍ من قريتي كان شمعةً تضيء في حياتي .. هنا حيث عاشوا بين الأرض والسماء.
ذات يومٍ من أواخر شهر شعبان، تأخر عمي - مفرح - عن صلاة المغرب، وكنا مجموعة من الأطفال، وتقدمتهم للصلاة، وأذكر أنني تغنيت بالقرآن حتى تسمعني أمي عبر سماعات المسجد الخارجية، وقرأت مما نحفظه في المدرسة، وحين سلمت إلتفت ورائي، وإذ بعمي وهو الإمام غير الراتب قائم يصلي !! 🥴 ..
خشيت أنْ يوبخني ولكنه رحمه الله بعد أنْ سلّم، توجه ببصره تجاهي في المحراب وقال : يا ولدي راحلتك جميلة ( يعني صوتك جميل )، وسوف تصلي بنا صلاة التراويح في رمضان، استعد وابدأ بنا من سورة البقرة .. سكنني فورًا مزيجٌ من السرور والخوف، فأطرقت خجلًا منه وقلت أبشر .
وقد كانت حياته رحمه الله مع القرآن، كان كثير الصمت، يتأمل ما حوله…طيبًا لا يُلقي بالًا لهذه الدنيا، إذا فتح مصحفه وبدأ يقرأ، تشعر أن غيمة تصعد به للسماء. تحدثني أمي تقول لقد كان شديد البر بوالده…وكنتُ أراه مستعدًا للجنة بمصحفه ومشلحه، ومسبحته الطويلة وصمته القديم.
وبدأت أصلي بهم التراويح منذ بداية شهر رمضان، أفتح المصحف في العصر وأراجع المقاطع التي سوف أقرأها، على صوت الشيخ السديس حتى لا أخطيء، وهكذا حتى شعرت بالتعب من التحضير، فقررت أن أنتقل ذات ليلة من سورة البقرة إلى سورة الزمر - منهج القرآن في المدرسة - وقلت في نفسي لن يشعر بي أحد .
وكان يصلي خلفي ثلة من كبار السن، أغلبهم لا يقرأ ولا يكتب والبقية من الصبيان في مقتبل العمر .. وكنت إذا وصلت الوتر ورفعت من الركوع للدعاء، أفتح ورقة معي أقرأ منها - اللهم اهدنا فيمن هديت .. إلى آخره وهكذا .. وحين خرجنا من المسجد أمسك عمي بيدي وهمس لي لماذا قفزت من سورة البقرة !!
حين سألني كنا بالضبط قد وصلنا بمحاذاة شجرة تمنيتها أنا ، فقد دُهشت من سؤاله وقلت في نفسي كيف عرف !! ، ويوم أيقنت بانكشاف خطتي، اعترفت له وقلت ياعم إن سورة البقرة صعبة ولم ندرسها بعد !! فقال مبتسمًا اقرأ ما شئت يا ولدي، ومن الليلة سوف تصلي بنا بقية الفروض !! 🥴
زادت المسؤولية على كاهلي، وهذا يعني أن أحضّر لكل صلاة فريضة، وحفظي لا يكاد أنْ يتجاوز نصف جزء عمَّ .. فقررت أن أحفظ بعض المقاطع المختلفة من القرآن، فيما لو زار القرية ضيف، إلا وإمامهم محدثكم يبيض وجه أعيان القرية، وعلى وجه التحديد عمي ( مفرح ) .
وذات ليلة خرجت لصلاة العشاء وكما هو حالنا نحن الأئمة نخرج للصلاة مبكرين، وحين دخلت المسجد إلا وبه يعج بأناسٍ من خارج القرية، الذي يصلي تحية المسجد والذي يقرأ من المصحف !! وحين رأيت وجوههم ارتبكت، وقلت من سيصلي بهؤلاء، فقد كانوا كالتالي (مدير المدرسة وبقية المعلمين والفرّاش) 🥺.
ولست أذكر من هول الموقف حين دخلت، أقرأت دعاء دخول المسجد أم قلت اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، فمدير المدرسة ( الأستاذ علي ) إمام مسجد وكنت أهابه، ومعلم مادة القرآن( الأستاذ عوض) موجود وغدًا سألقاهم في المدرسة، وشيبان القرية حاضرين، يالها من ليلة عصيبة .. يا فارج الكُرب ..🤲🏼
» وقفة قصيرة ..
سأكمل إن شاء الله فيما بعد .. كونوا بالقرب .. 🌷 .. لا أريدكم أن تملوني.
قبل أن أنسى هذا هو مسجد القرية، بعد أن تم ترميمه مؤخرًا بمحرابه الذي شرفني ربي بالصلاة فيه .. رحم الله الراحلين عنه.
صباح الخير .. كنت قد توقفت عند تأملي لهؤلاء القوم ( مدير المدرسة وحاشيته ) في مسجد قريتنا ليلًا !! وتبين لي بعدها أن سبب حضورهم أن العم ( حسن ) أحد الأعيان، قد عزمهم فيما يسمى - بالثلوثية - وهي عبارة عن عشاء وسهرة على قصائد وصكة بلوت، تدور رحاها بينهم طيلة العام .
توجهت حين رأيت هذا الحشد إلى أقصى يمين الصف الأول، وتظاهرت أنني غير موجود، وقلت سيتقدم للصلاة مدير المدرسة، فهو أقرأنا وهو إمام خبرةٍ وضيف على أية حال، أخذت أطمئن قلبي أن هذا ما سيكون حتى أقام عمي ( مفرح ) للصلاة .. وبعد أن فرغ من الإقامة قال - وين إمامنا ؟ - يقصدني .. 🥺

جاري تحميل الاقتراحات...