38 تغريدة 106 قراءة Apr 26, 2020
"نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن
وإن كنت من قبله لمن الغافلين"
في مائة آية لا غير..
تقف هذه القصة في جملةتاريخنا الإنساني كإعجاز في فن السرد القصصي..
في إشارات مقتضبة سنتناول قصة يوسف عليه السلام القرآنية
بوصفها سيناريو
(ثريد)
كنت أتساءل كثيراً لماذا يصف القرآن قصصه بـ"أحسن"رغم واقعيتها وأمثولتها..
شيئاً فشيئاً فطنت إلى أن العالم من بعدأن كتب أرسطو"فن الشعر"قبل أكثر من ألفي عام، متناولاً وناقداً لتراث إنساني قصصي يمتد لحوالي ستةآلاف عام.. إنما يبحث ويتقصّى عن "الأحسن" ملحمياً/مسرحياً/روائياً/سينمائياً
عكفت على كتابةرسالة ماجستير فقط في الإبداع اللانهائي لقصة يوسف القرآنية- بوصفها سيناريو (نموذج أدبي متقدم في سرد القصة)
بطبيعةالحال لن يتسع المقام ولو لعشرالإشارات، فما لايدرك كله لا يترك عشر معشاره:
قصةيوسف تتطابق أولاً مع"رحلةالبطل" حسب كتاب جوزيف كامبل"البطل ذوالألف وجه"
ومغزى التطابق في قصةيوسف أنهاتتفوق على كثير من القصص المتناصةمع"رحلةالبطل" في أنها تهندس البناء على 3-4 نقاط تحول للبطل في رحلته.. لكن قصةيوسف جاءت بالخمس نقاط تحول كاملة
حللنا -لو تذكرون- رائعة هايو ميازاكي Spirted away على نسق رحلةالبطل هنا:
(كيف بدأت القصة؟):
بدأت مباشرةمن فضاءخارج عن الزمن"رؤيا"
ولا أبالغ إن قلت أن نصف الإبداع القصصي قائم على ثنائية(النبوءة Forecasting والإنذار Foreshadowing)
وهي التي ستعطينا الإحساس ماإذا كانت القصص ستتحول إلى بطولةتحقق أو إلى مأساة
هذا أول ماتطرقنا إليه حتى قبل تعرفنا إلى البطل
والآن نحن في الفصل الأول من القصة..
أعظم بناءهندسي للسيناريو هو الفصول الثلاثة أو الـ3Acts
وهي تحدد زخم تصاعدالأحداث وتناوبها للوصول إلى ذروةالقصة في فصلها الثالث..
كلما كان مشاهدالجوالعام أسرع في التعريف بالبطل وفضاءقصته كلما كان أجمل
اختزلت مشاهدالجوالعام في 3 آيات فقط (من4-6)
هنا يجب أن نضيف أنه من أهم روائع قصةيوسف دوناً عن باقي القصص القرآنية،أنها أكثرها تقمصاً في مجموع شخصياتها
جنباً إلى جنب وأسلوب الالتفات القرآني البديع:
وهو نقل الكلام من أسلوب إلى آخر،من الغيبةللخطاب،ومن الواحد للجمع ومن الخطاب للتكلم ومعكوساتها.. في الجملة الحواريةالواحدة
لذلك.. عندما تأخذ وجهات نظرالشخصيات في القصة عليك أن تتمتع بما يؤتيك "الالتفات" من قدرة تقطيع المشهد وكأنه ديكوباج جاهز..
على سبيل المثال الآيات (81-83):
ستجد خيالك يقطع من إخوةيوسف، بينما الكاميرا تتابع القافلة من علٍ وهي خارجة من مصر وصوت الأخ الخارجي يستكمل كلامه، إلى أن نقطع
إلى لقطة مقربة لسيدنا يعقوب وردة فعله " قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً"
حيوية الالتفات البلاغيةللقرآن كله، لكنها تأخذ زخماً مشهدياً متدفقاً، تغير منظورك لجزئيةالقصة التي تعرف هدفها أولاً..
لاحظ أننا سنتعامل مع الآيات بوصفها مشاهد سيناريو، والالتفات بمثابةالتقطيع داخل المشهد الواحد
(عودة إلى القصة):
تختلف القصة القرآنية عن التوراتية في عدد مقدر، وسنتطرق إليها كلما حل بنا المقام
في رؤيا يوسف التوراتية: رأى الشمس والقمر قبل الكواكب، وسبب غيرةإخوته كانت ردة فعل لنيل يوسف الجبّةالملونة من والديه كدليل على إيثارأبيه له..
لكن القرآن لم "يمظهر"سبب الغيرة
لماذا؟
1- لاستمرارية حالةالتقمص(سببية الجبةالأثيرة ستقلل احتمالات التماهي مع القصة)
2- لأن ظهور الجبةكرمزية،ستحجب عنا (أو تظلل) واحدةمن أشهر رمزيات القصة في التاريخ: قميص يوسف
والذي اتخذ محل الغرس أو الإرهاص أو الـ Mcguffin في فضاء القصة، بشكل غايةفي الروعة والتوظيف (سنفصل فيه لاحقاً)
الإرهاص غرض أوآلة في القصة تعمل عمل المحفزللحبكة،لكنه غيرمهم أو ذي صلةبحد ذاته
إنها الكأس المقدسةفي الروايات الأسطورية، كالملك آرثر، فرسان الهيكل.. إلخ
وفي سينما التشويق"هو الشيء الذي يسعى وراءه الجواسيس لكن الجمهور لايهتم به"كما بسّطها هيتشكوك
لكن قميص يوسف اتخذ بعداً أشدعمقاً
(شخصيات الفصل الأول):
يوسف- يعقوب- بنيامين- الإخوةالأحد عشر (شخصيةدراميةواحدة لأن هدفهم الدرامي واحد)
دعونا نستبطن تلك الشخصيات حسب القصةالقرآنية:
(شخصيةيوسف):
هي شخصيةالبطل والتي يجب علينا ان نتقمصها حتى نضمن قيادتها لنا لتحقيق موضوع الرغبة
مع أن نصف القصةيمر ولا نرى ذلك بوضوح
(شخصية يعقوب):
وهي شخصية دفاعية في"كتابتها" بأروع مايكون
ارجع لكل حوارات بعقوب عليه السلام في القصة، ستجده يبدي خوفه وشفقته أولاً قبل كل شيء، يضمر خوفاً وإحساساً يخشى تحققه، لذلك فكل كلامه "لا تقصص رؤياك/ إني ليحزنني أن تذهبوا به/ بل سولت لكم أنفسكم/ هل آمنكم عليه إلا كما.." إلخ
(شخصية إخوةيوسف):
الإسقاط (Projection) كما يجب أن يكون!
لأنهم فشلوا في نيل محبةأبيهم رغم استماتتهم "ليوسف وأخيه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة"
تحول الحب المفقود،إلى كرهٍ هجومي يحمون به أنفسهم من هذا الفشل، ألصقوا بيوسف كل أخطائهم ونقائصهم كسبب يمنعهم من الاستئثار بحب أبيهم، لاالعكس
وهذا الإسقاط النفسي لا يزول بزوال المؤثر، بل تفرغ الذات من استقلاليتها ونضجها..
نقاشهم الذي دار عما يجب عمله، يجب أن يتجاوز 11رغبة وخوفاً، لذلك عندما اتفقوا على المكيدة لم يكن عن كره بل عن حب أهم، من خلاله سيستعيدون ذواتهم المسلوبة "يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين"
إذن هذا الكره المموه لم يكن عرضياً،بل قصته الخلفيةمطولة
لذا كان أول رد فعل ليعقوب بعدسماع رؤياولده"لاتقصص رؤياك على إخوتك"، لكن يبدوأن الخبر وصلهم رغم كل ذلك
أريدكم أن تتذكروا معي هذه اللحظة لأنني سأعود إليها بنهايةالمقال
لحظةتفسير يعقوب للرؤيا بأنها استحقاق لميراث النبوة(الآية6)
وبذلك نكون ختمنا الفصل باتجاه "الحدث المحفز" -إلقاء يوسف في البئر-
وهنا نفسح المجال للحديث عن أعظم تقنيةمفضلة أثناء كتابةالحدث المحفز:
المشهد الإجباري
يقول نقادالقصةوالسيناريو أن أفضل أنواع القصص هي التي يتطابق فيها المشهد الإجباري(نهايةالقصل الأول) مع الذروة (بدايةالفصل الثاني)
لحد الآن وأنا أعيش رعشةالتأثر عندما وجدت ما وجدت المرةالأولى..
في فن القصةيقولون أن إبداع حالةالمشهدالإجباري ستربط المشاهد/القارئ مباشرةبمنحنى القصةومآله، لذا يجب أن "يتخيل"المشاهد ذلك المشهدالإجباري المعاكس في قوة واتجاه ما نشاهده الآن بين البطل وغريمه، بينما نرى الحدث المحفز
وهذا ما ساقه القرآن "حرفياً".. ح ر ف ي اً!
" فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب
وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون"
ويقول النقّاد كذلك أن الجمال الصعب والفائق
أن يكون المشهد الإجباري هو نفسه مشهد لحظة الذروة
وهو ما تحقق كذلك بحذافيره في قصة يوسف
وبذلك نكون قد انتقلنا إلى الفصل الثاني من السرد:
(فصل المعاناة، والانحراف/ الإصرار على موضوع الرغبة):
وللاختصار
هذا مخطط بياني لحركةالمنحنى بين الفصول الثلاثة
(شخصية يعقوب مضافة غلى المنحنى لارتباطها المصيري بشحصية يوسف)
إلى جانب مسار تحقيق الرغبة:
طريق الحلم المفروش بالرؤى
(ثيمة التتابع)
في السينما،يلجأ المؤلف لتكوين تتابع مشهديSequence بلحن أو تأليف موسيقي موحّد ليشدد على تشكيل"الحالة" كلماتبادر إلى ذهننا هذا اللحن..
في القرآن وظف الجملةلإعطاء نفس التأثير:
تتابع المكيدة/ الإنذار (جاء):
" وجاؤوا أباهم عشاء يبكون"
"وجاؤوا على قميصه"
" وجاءت سيارة"
في مقابلها
تتابع حل العقد باتجاه تحقق النبوءة (دخلوا):
"ولما دخلوا على يوسف عرفهم.."
" ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم.."
" فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز.."
هذا التقابل بين الغريمين في المشهدية والتناول، بل حتى في تمصير العدالةالشعرية من أبدع ما عرفت
(لولا أن رأى برهان ربه)
يتميز الفصل الثاني في ديناميكية إيقاعه عن الأول بشكل فارق:
مشاهدالفصل الأول تتخذطابع الحتميةوالصيرورة،بينمامشاهد الفصل الثاني تأخذ طابع الديالكتيك والمقاومةوالممانعةبين قوتين شبه متكافئتين
نرى بأم أعيننا تطورشخصيةيوسف من"أداة" إلى"فاعل"حتى لو كان ضعيفاً
خذ مثال مشهد الإغواء كمثال:
أغوته/ رفض/ استبقا الباب/ قدت قميصه/ ألفيا سيدها لدى الباب/ دبرت مكيدةنجاتها/ أشار الشاهد/ المحقق ببراءة يوسف/ أعرض عن هذا واستغفري لذنبك
بعدها:
نميمةالطبقة المخملية/ مكيدةلتذيقهن من نفس الكأس/ اخرج عليهن/ تقطيع وإكبار/ تفتخر: راودته واستعصم... وهكذا
( شخصية امرأة العزيز)
من أجمل شخصيات القصة،ابنةعصرها وطبقتها، حيث المبادئ يمكن لها أن تتجزأ وتسير بالتوازي مع أضدادها..
تهتك حجاب الأمومةالمفترضة/حجاب الرغبة/حجاب "أخلاق الطبقة نفسها"
كان يمكنها أن"تلم"الموضوع لكنها منقادةبرغبة"تحققها"
في النهاية حصحص الحق بشجاعةأمام البلاط كله!
وقس على ذلك جميع شخصيات القصة..
إنها شخصيات ثلاثيةالأبعاد مغرقة في الرمادية، ليست شخصيات مثالية أو خطابية..
وجميعهم يمرون بمرحلة التحول الدرامي shifting من خلال تجارب اختياراتهم الصعبةحتى يصلوا إلى جوهرهم وخلاصهم الأخلاقي..
لاحظ: من خلال الخيارات التي اتخذوها/ عوضوها بدون ثرثرة
(السجن: الإيذان بالتحول)
في أول محنة: تخلصوا منه- كان بلا مقاومة
في ثاني محنة: تخلصوا من براءته-
كان ممانعاً لكن دهاليز البلاط ومكره جعله يختار"السجن"
في محنته الثالثة- بدأت شخصيةيوسف تقوم بالاختيار، تؤول، وتطلب،وتذكر،وتفسر،وتبحث عن إثبات البراءة
نحن على أعتاب الفصل الثالث إذن
وهو تحول واعٍ، كان كامناً.. لكننا لم ننتبه إلى ذلك
تخيلناها قصةمجزأة ليس من "حبكة شاملة" تجمعها، لكن هنا تحديداً نعلم أن يوسف عليه السلام كان داخلياً يعدّالعدة ليصل إلى السجن (سنعرف لماذا)
وهنا فقط نرى يوسف كنبيّ، مشرع الفصل الثالث لقول رسالتك بوضوح.. وقد فعل
نحن هنا تحديداً..
وهنا نعود إلى
(إرهاص القميص)
3قمصان: (موت/ بعث) (خيانة/ براءة) (ظلمة/ نور)
3ظلمات: ظلمة الجب/ ظلمة السجن/ ظلمة العمى
3مواقع رؤيا:رؤيا سيدنا يوسف/ رؤيا صاحبي السجن/ رؤيا الملك
معنى القميص يتمصر ليرمز لكل فصل من فصول القصة
هذا التوظيف تجد مثله هنا
أكثر الخيارات غرابة (جعلتنا نؤمن ببتهيؤه لقطف موضوع رغبته بشكل واعٍ):
^^ خيار تفسيره لرؤيا الملك بلاأي ضمانات،من ثم طلبه التحقيق وهو لمايزل بسجنه
"ولو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبت - ثم قرأ - فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن"
كما جاءفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم..
^^ خيار إبقاء بنيامين معه، مع علمه اليقيني بفداحة تأثير ذلك على أبيه يعقوب (لا يمكن أن يقدم على هكذا قرار إن لم يكن موقناً من اجتياز الذروة بنجاح)
هنا يجب أن نتحدث عن أعذب شخصيةفي القصة كلها
(يعقوب عليه السلام)
يعقوب الحب غيرالمشروط/ يعقوب الصبرالجميل/ يعقوب الحاجةفي نفسه.. يذهب هكذا في ذكرى فقيده وعالمه ينهار فوق وعيه إلا من"موجودات"الفقيد في حياته..
شاهدت وقرأت الكثير جداً..لكن لم يؤثر فيّ فلسفةحزن فقد كما فعل يعقوب
الشيخوخةتعصف به ولا تبقي من ذاكرته إلا فقيده، وكأن عماه كان اختياراً!
إن كنت لا تزال متماسكاً فإن قلبك سينفرط مع هذا المشهد:
يعقوب الصابر لسبعين سنة،يفقد ابنه الثاني
(الحبيبان الآن في أكثر حالاتهما ضدية: أحدهما بقمةالمنحنى والآخر في قاعه السحيق)
وعندما يفقد بنيامين نراه يصيح بعد أن يتولى عنهم" وا أسفى على يوسف!"
وهنا ينهار صبره الجميل به ويكتسحه
وياللغرابة!
من قاعه السحيق هذا وجد فسحةالأمل أكبر من ذي قبل..
هنا يناشدهم الأعمى بأن يتحسسوا من يوسف/ يجد ريح يوسف/ضلاله القديم يشيع به وبأهله هدىً واقتفاءً
(العدالةالشعرية)
تطورت شخصيةيوسف كمارأينا، لكن هل كان يبحث عن قصاص عادل في المشهدالإجباري؟
طبعاً لا! فالمسألةلم تعدشخصية
لو كان الغرض تصفيةحساب شخصية، فقد جاءته الفرصةأكثر من مواتية:
" قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل
فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم"
هنا أكبر تحول في القصة، والتي يسميها كتاب السيناريو ثنائية الهدف الظاهر/الهدف الخفي وهي ديناميكةحاذقة
تجدها مختصرة هنا
هنا يعود بنا يوسف نفسه في (فلاش باك بعيد):
عندما قص رؤياه صغيراً على أبيه -الذي فسرها باختياره للنبوة-، بينما يوسف الصغير فسرها باصطفائه للملك وبجلب أهله أجمعين لمصر
" وقال هذا تفسير رؤياي قد جعلها ربي حقاً
وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو"
لذلك صبر كل ما صبر..
{ لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب
ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديقَ الذي بين يديه
وتفصيلَ كل شيءٍ وهدىً ورحمة لقوم يؤمنون }
صدق الله العظيم

جاري تحميل الاقتراحات...