♐️ ثنايا طب ♋️
♐️ ثنايا طب ♋️

@woonh_0

17 تغريدة 228 قراءة Apr 19, 2020
الساعة تشير إلى الثانية صباحا، الحمد لله لم تتبق سوى سويعات قليلة على انتهاء مناوبتي. صعدت إلى الطابق العلوي لأرتاح قليلا في الغرفة المخصصة للأطباء، لم اكد أغمض عيناي حتى تلقيت اتصالا من قسم الطوارئ. كان الأمر يتعلق برجل في الستينات من عمره مجهول الهوية فاقد للوعي.
ارتديت مئزري و نزلت الدرج مسرعة، دخلت غرفة الفحص و اقتربت من المريض لتكون المفاجأة ... أنه ... والدي.
تسارعت دقات قلبي و شعرت بدوار شديد حتى كاد يغمى علي انا الأخرى.
تمالكت نفسي بصعوبة شديدة و قمت بفحصه بسرعة ... ما شد انتباهي توسع حدقة العين اليسرى بشكل ثابت رغم وجود إضاءة قوية، مما جعلني أشك في اصابة والدي بنزيف في الدماغ.
قمت باجراء بعض الفحوصات التصويرية لأجد ان شكي في محله، لقد كان مصاب بورم دموي فوق الجوفية مما تطلب إدخاله فورا إلى غرفة العمليات.
لقد كان مصاب بورم دموي فوق الجوفية مما تطلب إدخاله فورا إلى غرفة العمليات.
كنت اعرف ان سياسة المشفى تمنع الأطباء من القيام بأي تدخل جراحي لأحد أفراد العائلة مما جعلني اتستر على علاقة القرابة التي تجمعني به.
قمت بالاستعداد و دخلت غرفة العمليات، لطالما رسمت في مخيلتي هذا المشهد مرات عديدة، حتى أنه كان الدافع الذي جعلني أستمر في كل مرة فكرت فيها في الاستسلام.
انتظرت هذه اللحظة بفارغ الصبر ... اللحظة التي يكون فيها هذا الوحش تحت تصرفي.
كنت أعتقد أنني لن أشعر نحوه بأي شيء، حتى أنني لن أخشى فقدانه أثناء العملية و لكنني كنت مخطئة ... كنت ارتعش خوفا، حتى أكثر من المرة الأولى التي أجريت فيها اول عملية جراحية بمفردي.
( نضال ... كل التحديات التي سبق و تخطيتها ستضيع هباءا في حال فشلت في هذا التحدي ، بسم الله ). دامت العملية بضعة ساعات و الحمد لله تكللت بالنجاح.
لم اشأ مواجهة والدي في الايام الأولى التي تلت العملية لذا طلبت من زميلتي رقية متابعة حالته الصحية بدلا عني.
مع الايام تحسنت حالته الصحية و بفضل العلاج التأهيلي استعاد قدرته الحركية و حان موعد مغادرته...حينها قررت مواجهته لأول مرة بعد 20 سنة.
دخلت غرفته و جلست بالقرب منه :
مرحبا سيد أشرف ، كيف حالك ؟! ادعى الدكتورة نضال ... انا من تكفلت بإجراء العملية لك.
في الحقيقة انا معتادة على متابعة الحالة الصحية لمرضايا حتى اخر لحظة ، ولكن حالتك كانت استثناءا نظرا لماضينا الأسود ... قليلا.
انت لم تتعرف علي اليس كذلك ؟! 20 سنة كاملة سيد أشرف او دعني أقول ... أبي ! نعم هذه انا ، الحشرة كما اعتدت تلقيبي، لا تقلق لم يعد يزعجني هذا اللقب، اصلا لقد تعادلنا...أتدري لما ؟! لأن كل الذي جعلتني اعايشه ايام طفولتي جعلتك تعايشه انت ايضا في غرفة العمليات.
أتتذكر حين قمت بحلق شعر رأسي كليا و رغما عني!
قمت بنفس الشيء ، حلقت شعرك.
هذه الندبة التي اهديتني إياها يوم غرزت السكين في معصمي انا ايضا اعطيتك تذكارا بسيطا ... ندبة مماثلة على مستوى رأسك.
الاختلاف الوحيد بيننا ان غايتك كانت تحطيمي أما انا فكنت اهدف لإنقاذك.
ولكن في الحقيقة انت لم تحطمني بل ساهمت في بناء النسخة القوية مني وأنا لم انقذك بل منحتك فرصة ثانية لتغرق في بحر الندم و تأنيب الضمير ... هذا ان كنت إنسانا طبعا.
أتدري ما يؤلمني يا ... بابا، طوال السنوات الماضية دربت نفسي على كرهك، عندما طلب منا المعلم كتابة نص نتكلم فيه عن الأب فشتمتك في كل سطر ، يومها صفعني المعلم أمام زملائي و اجلسني في كرسي العقاب ليوم كامل ... حينها كرهتك أكثر.
عندما حل موعد زفافي و لم تكن حاضرا لتخرجني عروسا من منزلي ... حينها كرهتك اكثر. عندما أنجبت أبني علاء و وضعته في كفة و العالم بأجمعه في الكفة الأخرى ... حينها كرهتك أكثر.
كنت أعتقد أنني نجحت في كرهك، ظننت انني تجاوزتك كليا، ولكن فور رؤيتك تصارع الموت أمامي أدركت كم أحبك، أدركت كم أخشى فقدانك مرة ثانية.
صحيح انك لم تكن يوما الوالد المثالي ، لم يسبق ان كنت حاضرا في أهم مراحل حياتي حتى أنك كنت اسوء كابوس لي و لكن ... مجرد وجودك على قيد الحياة كان يرضيني.
أبي انت فخور بي اليس كذلك ؟ ابنتك طبيبة مختصة في جراحة المخ و الأعصاب، ابنتك أكبر من مجرد حشرة.
- ميساء ✒️.

جاري تحميل الاقتراحات...