آســـرار قُيـــدتّ
آســـرار قُيـــدتّ

@Halimo_1

256 تغريدة 23 قراءة Jul 07, 2021
(1289)
القضاء على حواجز نظام الملل، ليتمتع كل مواطني الامبراطورية بمواطنة عثمانية متساوية.
أن تصبح المسائل المدنية الخاصة بالرعايا المسيحيين من اختصاص مجلس مختلط من الأهالي ورجال الدين المسيحيين يقوم الشعب بانتخابه بنفسه.
فتح معاهد التعليم أمام المسيحيين لتفتح أمامهم وظائف الدولة
(1290)
السماح للأجانب بامتلاك الأراضي في الدولة كما وعد السلطان بالاستعانة برأس المال والخبرات الأوروبية بهدف تطوير اقتصاد الدولة...
ويعتبر السلطان عبدالمجيد أول سلطان عثماني يضفي على حركة تغريب الدولة العثمانية صفة الرسمية
(1291)
إذ إنه أمر بتبني الدولة لهذه الحركة وأمر بإصدارفرماني التنظيمات عامي1854م،1856م وبهما بدأ في الدولة ماسمي بعهد التنظيمات وهو اصطلاح يعني تنظيم شؤون الدولة وفق المنهج الغربي وبهذين الفرمانين تم استبعاد العمل بالشريعة الاسلامية ، وبدأت الدولة في التقنين وإقامة المؤسسات
(1292)
والحق أن السلطان عبدالمجيد كان خاضعاً لتأثير وزيره "رشيد باشا" الذي وجد في الغرب مثله وفي الماسونية فلسفته، ورشيد باشا هو الذي أعد الجيل التالي له من الوزراء ورجال الدولة، وبمساعدته أسهم هؤلاء في دفع عجلة التغريب التي بدأها هو
(1293)
وحينما رأى المسلمون أن الدولة تساوي بهم النصارى واليهود وتستبدل بالشريعة الحنيفة قوانين النصارى وتخلع الأزياء القديمة الشريفة لتتخذ زي النصارى وأحسوا كذلك أن حكومة رشيد لاتكاد تأتي أمرا إلا راعت فيه خاطر النصارى وحرصت أن لاتمسهم بأذى أو تنالهم بضيم نفروا من ذلك نفورا عظيما
(1294)
ولم يجد السلطان ورجال دولته من بد في إسقاطه وعزله أمام مظاهر السخط الشعبي، وخوفهم من وثوب المسلمين وثورتهم غير أن عزل رشيد باشا لم يؤد الى وقف حركة التغريب من استقدام المزيد من الانظمة والقوانين من الغرب بعد أن مهد لها الطريق ، وفتحت لها الأبواب
(1295)
ومع أن هذه المعارضة لرشيد باشا ودستوره قد نجحت في إقصائه سنة 1841م إلا أنه عاد في عام 1845م تسانده مجموعة من أعضاء المحافل الماسونية الذين ركزوا السير في طريق التحول العلماني وعاد بعد ذلك ليتولى الصدارة العظمى سنة 1846م وعزل منها سنة 1858م
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1296)
ازدادت الأحوال سوءاً وانحطاطاً ، مما جعل رجال الدولة يفكرون حقيقة في التغيير والاصلاح فلا يجدون أمامهم غير الطريقة الأوروبية في الإصلاح، والوجهة التغريبية في التغيير التي بدء في اتخاذها
(1297)
خصوصاً إذا علمنا أن كثيراً من رجال الدولة هؤلاء ممن بعثتهم الدولة للعمل في التمثيل السياسي الخارجي أو للدراسة العسكرية في الخارج، بعد أن خلت الساحة من ظهور مصلح إسلامي يعيد الأمور الى نصابها، ويقطع الطريق على أنصار الغزو الفكري بتبني إصلاح جاد يعتمد على المنهج الاسلامي
(1298)
وكما قال الكاتب التركي الاستاذ نجيب فاضل: لخلو الامبراطورية العثمانية طيلة ثلاثة قرون أو أربعة قرون من زعيم فكري أو مصلح اجتماعي كبير وأصيل فقد ترك المجال للدوبلوماسيين السطحيين المنبهرين بالغرب والمقلدين له وكانت النتيجة فقدان الروح، وضمور العقل وذبول الارادة ،وعموم الشلل
(1299)
وقد انتشرت أفكار الغزو الفكري بين الجمهور الاعظم من ساسة الترك وولاتهم، وركبوا متن التفرنج والتحلل من الدين حتى إن العلامة العراقي الآلوسي لما زار والي كركوك علي باشا عام 1267هـ أثنى عليه وامتدحه بحب العلماء واكرامهم، وبالأخلاق الفاضلة
(1300)
ثم قال بعد ذلك : (والظاهر أنه غير منحل العقيدة، ولا منتحل شيئاً من الآراء الإفرنجية الجديدة، حيث إنه لم يسمع منه جليس حديث لوندرة وباريس! ويكفي اهل البلد اليوم رحمة أن واليها سالم من تلك الوصمة، وقلما تنال هذه الرحمة في هذا الزمن الذميم)
(1301)
وقد استمر التيار التغريبي في محاولة إحكام السيطرة على جميع المجالات والأجهزة في الدولة العثمانية وعلى كل حال لقد كانت المعالم الرئيسة لحركة الاصلاح والتجديد العثمانية تدور حول نقاط ثلاثة هامة :
(1302)
1- الاقتباس من الغرب فيما يتعلق بتنظيم الجيش وتسليمه في نظم الحكم والإدارة.
2- الاتجاه بالمجتمع العثماني نحو التشكيل العلماني
3- الاتجاه نحو مركزية السلطة في استانبول والولايات
(1303)
كانت سنة صدور خط كلخانة حدثاً في الأوساط الأوروبية يسجله أحد المنصرين الفرنسيين بقوله:كان عام 1839م عاماً عظيماً بالنسبة للتوغل الفرنسي في تركية لقد كان بداية التنظيمات والسنة الأولى في الإصلاح
(1304)
ونحن رجال الدين سنبدأ بالاستفادة من هذه الليبرالية الخجولة، ونبدأ بإرسالية تبشيرية للتعليم الكاثوليكي وقال السيد إيتيان الذي ترأس هذه الارسالية : هذه أول إمكانية لتعزيز انتصار الايمان الذي سنعلمه ، ذلك لأن القرآن يحرم حتى ذلك الوقت التعليم
(1305)
لقد سافرت أول إرسالية مكونة من سبعة رجال دين في 1839م الى استانبول الأخوات يفتحن داراً لليتامى وفصولاً للتدريس في نهاية 1840م يصل عدد التلاميذ الى 230، وعام 1842م يصل العدد الى 500
(1306)
وهكذا لم تضيع أوروبة المسيحية وكنيستها وقتاً طويلاً للاستفادة من ظروف التحديث والتنظيمات؛ فبعد سبعة عشر يوماً من صدور الخط، كانت الارساليات التبشيرية الاولى تغادر مارسيلية باتجاه العاصمة العثمانية
(1307)
وهي تحمل أفكارها العدائية للمسلمين ولقرآنهم الكريم الذي تتهمه بتحريم التعليم انتقلت عدوى التنظيمات الى الولايات العثمانية العربية شبه المستقلة وبسرعة ففي تونس أصدر محمد باي (عهد الأمان) عام 1857م وبناه على القواعد التالية:
(1308)
أولاً: الحرية:
إذ أن الانسان لايستطيع بلوغ الفلاح إلا إذا كانت الحرية مضمونة له، وكان العدل سياجاً له ضد العدوان
ثانياً: الأمان التام.
ثالثاً: المساواة التامة بين المسلمين وغير المسلمين أمام القانون :
(1309)
وهذا متضمن في النقطة الثانية لأن هذا الحق إنما هو ملك لجميع الناس، ويجب أن يكون للأجانب حقوق التونسيين وأن يمارسوا الأعمال التجارية على أنواعها، وأن يكون لهم حق التملك وسارت مصر على هذا المنوال ، وبصدور هذه القوانين في استانبول وتونس ومصر
(1310)
تحول التحديث الذي كان رغبة أوروبة تدعمها بعض فئات نخبوية الى قوانين رسمية يتعهد فيها السلطان بإجراء التنظيمات اللازمة لتغريب المجتمع الاسلامي وتحول الصراع من كونه ضغطاً خارجياً على الدولة العثمانية الى الداخل
(1311)
أي الى صراع داخلي عنيف بين سلطة اختارت أو أجبرت على تغريب المؤسسات ومجتمع يرفض هذه المؤسسات مستعيناً بالعلماء والفقهاء والدعاة الذين واجهوا بقوة تيار التحديث من منطلق أنه مخالف للشريعة الإسلامية إن من ابرز خصائص التنظيمات أنها :
(1312)
1- كانت أولى الوثائق الرسمية التي لم تستمد مصدريتها من الشريعة الاسلامية بل اعتمدت مصدراً وضعياً للتشريع مستوحى من التجربة الدستورية الأوروبية، وقد احتوت على مفاهيم غربية مثل "وطن" التي تضمنها خط كلخانة بدلاً من الأمة فكانت والحالة هي أولى الخطوات نحو فصل الدين عن الدولة
(1313)
2- إن إقرار الأمنية ومجلس شورى النواب أو المظاهر الأخرى المستوحاة من التجربة الغربية سمحت بإضفاء نوع من الشرعية على استمرار الحيف على العامة من ناحية وفتح الطريق لطبقة التجار الغربيين والمبشرين لإلحاق المجتمع العثماني بقوانيين السوق وبمعايير الفكر التبشيري من ناحية ثانية
(1314)
3- لقد تكلل خطا كلخانة وهمايون بدستور مدحت باشا عام 1876م. ولأول مرة في تاريخ الاسلام ودوله يجري العمل بدستور مأخوذ عن الدستور الفرنسي والبلجيكي والسويسري وهي دساتير وضعية علمانية...
(1315)
لقد وضعت التنظيمات الدولة العثمانية رسمياً على طريق نهايتها كدولة اسلامية، فعلمنة القوانين، ووضع مؤسسات تعمل بقوانين وضعية، والابتعاد عن التشريع الاسلامي في مجالات التجارة والسياسة والاقتصاد، قد سحب من الدولة العثمانية شرعيتها في أنظار المسلمين
(1316)
ناهيك أن عدو الدولة أصبح داخلياً، فالتوغل الأوروبي في مستوياته الثقافية والاقتصادية والسياسية من ناحية، والمسلمون وعلماء الدين الذين يرتابون بمسلك الدولة من الناحية الثانية، سيبدأون صراعاً لن ينتهي حتى بعد نهاية الدولة العثمانية، بل استمر الى يومنا هذا
(1317)
إن من الأهمية بمكان أن نقوّم ماحدث ولقد ترك السلطان عبدالحميد الثاني في مذكراته شهادته التاريخية، لقد حاول انقاذ الدولة العثمانية، بعد أن دارت عليها الدوائر وأحكم عليها الحصار، لقد كان سلطاناً واعياً لحقيقة الدعوات التحديثية
(1318)
التي اتخذت لها تسمية الحركة الاصلاحية تغطية لنواياها الحقيقية في ربط الدولة العثمانية بالغرب، وعن ذلك فحاربه الدستوريون ويهود الدونمة وعزلوه وفي أواخر عهده كتب وهو سلطان مسلوب الإرادة يكشف حقيقة التجديد والإصلاح يقول :
يـــبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1319)
(التجديد الذي يطالبون به تحت اسم الاصلاح سيكون سبباً في اضمحلالنا ترى لماذا يوصي أعداؤنا الذين عاهدوا الشيطان بهذه الوصية بالذات. لاشك أنهم يعلمون علم اليقين أن الإصلاح هو الداء وليس الدواء ، وأنه كفيل بالقضاء على هذه الامبراطورية
(1320)
إذا أردنا أن نتبنى بعض الاصلاحات، فعلينا أن نأخذ بالحسبان الظروف السائدة في البلاد،وأن لانقيس الأوضاع على اساس المستوى الفكري لحفنة قليلة من الموظفين، ويجب أن يكون في الحسبان شكوك طبقة العلماء في كل ماهو أوروبي
(1321)
الأوروبيون يتوهمون أن السبيل الوحيد في الخلاص هو الأخذ بحاضرتهم جملةً وتفصيلا لاشك أن طراز التطور عندنا هو غير ماعند الأوروبيين علينا أن نتطور تحت ظروف طبيعية ومن تلقاء أنفسنا وأن نستفيد من الظروف الخارجية في حالات خاصة ومن الظلم الفادح أن نتهم بمعاداة كل شيء يأتي من الغرب
(1322)
لقد أصاب ميزان العدل في تقويمه لحركة الاصلاح العثمانية وبين كيفية الاستفادة من حضارة الغرب وأرى من الفائدة للقارئ الكريم أن يتعرف على موقف الاسلام من الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات الجاهلية الأخرى وكيف تكون الاستفادة من هذه الحضارات؟
(1323)
إن الاستفادة من الحضارة الغربية الكافرة وغيرها على ثلاثة أنواع:
1- الاستفادة من الصناعات وأصولها والاكتشافات العلمية والعلوم التجريبية والعسكرية والطبيعية كالرياضيات والكيمياء والفيزياء والهندسة والاحياء والفلك بعد أن تمحص وتصفى من شوائب المؤثرات الجاهلية
(1324)
وتصاغ بقوالب إسلامية صافية، فهذه الأمور مابين: واجب أخذه واقتباسه وهو مايحتاجه المسلمون حاجة ماسة أو لاتقوم بعض الواجبات إلا به، كالسلاح، والنظم العسكرية، في مجالات الدعوة الى الله ، والجهاد في سبيله ...
(1325)
فكل مايحتاجه المسلمون من المباحات في هذا المجال فيجب أخذه والاستفادة منه مع التحفظ الكامل والوعي التام يجب الأخذ به وإلاّ فتركه أولى أو مباح وهذا قليل لأن الله أوجب على المسلمين الأخذ بالأسباب والحيطة لاكتفاء والاستغناء عما في أيدي الكفار أياً كان
(1326)
الثاني :
التقليد في العبادات والعقائد والمبادئ والتصورات والآراء الفلسفية حول الكون والحياة والانسان والتي تتصل بالعقيدة، فهذه الأمور لاتفصيل فيها، فهي محرمة قطعاً، والاستمداد فيها من الكفار ردة أو كفر إذا اعتقد المقلد صحتها ودان بها، وعلى الأقل تكون حراماً مع جهل حقيقتها
(1327)
الثالث: التقليد في الأخلاق وإنماط السلوك والآداب والثقافة والفكر، والانتاج الفني ، ونحو ذلك ، فهذه الأمور لاتخلو إما أن تتعارض مع أصول الاسلام وقواعده أو توقع فيما نهى الشارع عن تقليد الكفار فيه، فهذا أمر محرم، أو تكون مم يجهل أمره وحكمه فهو على الأقل مكروه
(1328)
أما الشيء الذي يعتبر فضيلة في تلك الحضارة وما أقله فقد يكون مباحاً والله أعلم
ولقد تحدث بعض العلماء والمفكرين المسلمين والمعاصرين حول التقليد وكيفية الاستفادة من الحضارة الغربية
(1329)
مصطفى صادق الرافعي يقول : وإني أرى أنه لاينبغي لأهل الأقطار العربية أن يقتبسوا من عناصر المدنية الغربية اقتباس التقليد، بل أقتباس التحقيق، بعد أن يعطوا كل شيء حقه من التمحيص
(1330)
فإن التقليد لايكون طبيعة إلا في الطبقات المنحطة!! على أننا لانريد من ذلك إلا نأخذ من القوم شيئاً ، فإن الفرق بعيد بين الأخذ من زخرف المدينة وأهواء النفس، وفنون الخيال ورونق الخبيث
(1331)
أبو الأعلى المودودي يقول: إن كان هناك شيء ينبغي ويستحق أن تأخذه أمة من الأمم الأخرى فإنما هو نتاج أبحاثها العلمية، وثمرات قواها الفكرية ، ومعطياتها الاكتشافية ومناهجها العلمية التي تكون قد بلغت بها معارج الرقي في الدنيا
(1332)
إن أي أمة في الأرض إذا كان في تاريخها أو في نظمها الاجتماعية أو في أخلاقها درس نافع، فمن الواجب أن نأخذه منها، ومن الواجب أن نستقصي أسباب رقيها وازدهارها بكل دقة وتمحيص، ونأخذ منها مانراه ملائماً لحاجتنا وظروفنا
(1333)
ولكننا إذا أعرضنا عن هذه الأمور الجوهرية ورحنا نأخذ من أمم الغرب ملابسها وطرقها للمعيشة وأدواتها للأكل والشرب، برغم أن فيها السر لنجاح تلك الأمم ورقيها فلا يكون ذلك إلا دليلاً على غباوتنا وبلادتنا وحماقتنا
(1334)
فهل لأحد عنده العقل أن يعتقد أن كل ما أحرزه الغرب من التقدم والرقي في مختلف حقول الحياة، إنما أحرزه بالجاكيت والبنطلون وربطة العنق والقبعة والحذاء؟ أو أن من أسباب رقيه وتقدمه أنه يتنالو طعامه بالسكين والشوكة؟
(1335)
أو أن أدواته للزينة والرفاهية والمساحيق والمعاجين والأصباغ هي التي قد رسمت به الى أوج الرقي والكمال؟ فإن لم يكن الأمر كذلك والظاهر انه ليس كذلك فما للتقدميين المتشدقين بالإصلاح عندنا لايندفعون أو مايندفعون إلا بهذه المظاهر
يــتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1336)
الشيخ محمد الأمين الشنقيطي قال في (أضواء البيان) عارضاً موقف المسلمين من الحضارة الغربية:
الاستقراء التام القطعي دل على أن الحضارة الغربية تشتمل على نافع وضار، أما النافع فيها فهو من الناحية المادية ، وتقدمها في جميع الميادين المادية أوضح من أن أبينه
(1337)
وما تصمنته من المنافع للانسان أعظم مما يدخل تحت التصور، فقد خدمت الانسان خدمات هائلة من حيث إنه جسد حيواني، وأما الضار منها فهو الاهمال بالكلية الناحية التي هي رأس كل خير ولاخير البتة في الدنيا بدونها، وهي التربية الروحية للانسان وتهذيب أخلاقه
(1338)
ثم قال بعد أن ذكر حكم الانتفاع من النافع منها:
وقد انتفع الرسول ﷺبدلالة ابي الأريقط الدؤلي له في سفر الهجرة على الطريق مع أنه كافر، فاتضح من هذا الدليل أن الموقف الطبيعي للاسلام والمسلمين من الحضارة الغربية هو أن يجتهدوا في تحصيل ماأنتجته من النواحي المادية
#افتحو_المساجد
(1339)
ويحذروا مما جنته من التمرد على خالق الكون جلا وعلا فتصلح لهم الدنيا والآخرة والمؤسف أن أغلبهم يعكسون القضية فيأخذون منها الانحطاط الخلقي والانسلاخ من الدين ولا يحصلون على نتيجة مما فيها من النفع المادي فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين
#افتحو_المساجد
(1340)
سيد قطب يقول :ولقد كان رسول الله ﷺ يتشدد مع أصحابه رضوان الله عليهم في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج بقدر مايفسح لهم في الراي والتجربة في شؤون الحياة العلمية المتروكة للتجربة والمعرفة كشؤون الزرع وخطط القتال وأمثالها من المسائل العلمية البحتة
#افتحو_المساجد
(1341)
والتي لاعلاقة لها بالتصور الاعتقادي، ولا بالنظام الاجتماعي، ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الانسان وفرق بين هذا وذلك بيّن فمنهج الحياة شيء، والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر
#افتحو_المساجد
(1342)
والاسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله هو الاسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة ثم أورد قصة عمر حين رأى معه النبيﷺشيئا من التوراة وغضب عليه حتى رجع الحديث وقوله ﷺ لاتسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا
#افتحو_المساجد
(1343)
فقال :(هؤلاء هم أهل الكتاب وهذا هو هدي رسول الله ﷺفي التلقي عنهم في أمور تختص بالعقيدة والتصور أو بالشريعة والمنهج، ولا ضير وفق روح الاسلام وتوجيهه -من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة علماً وتطبيقاً
#افتحو_المساجد
(1344)
مع ربطها بالمنهج الايماني من ناحية الشعور بها وكونها من تسخير الله للانسان ومن ناحية توجيهها والانتفاع بها في خير البشرية وتوفير الأمن له والرخاء وشكر لله على نعمة المعرفة ونعمة تسخير القوى والطاقات الكونية شكره بالعبادة وشكره بتوجيه هذا التسخير لخير البشرية
#افتحو_المساجد
(1345)
فأما التلقي عنهم في التصور الإيماني وتفسير الوجود وغاية الوجود الانساني وفي منهج الحياة وانظمتها وشرائعها ومنهج الأخلاق والسلوك أما التلقي في شيء من هذا كله فهو الذي تغير وجه رسول الله ﷺلأيسر شيء منه وهو الذي حذر الله الأمة المسلمة عاقبته وهو الكفر الصّراح
#افتحو_المساجد
(1346)
إن موجة تقليد الغرب بدأت عارمة حين دبّ الضعف والوهن في الخلافة العثمانية وتكالبت قوى الهدم بتقويضها -في الداخل والخارج وحين شعرت هذه الدولة الضعيفة بالنقص أمام الدول النصرانية الفتية، فاتجهت الدولة العثمانية الى تقليد تلك الدول وأخذت من إنتاجها الجديد
#افتحو_المساجد
(1347)
وقد وافق هذا شلل في التفكير لدى المسلمين وبعد عن منهج الله الأصيل فاستمدت من الكفار دون وعي أو إدراك أو تفكير في أسباب تقدم تلك الدول الكافرة ودون أن تجد في اللحاق بها بالجد والاعتماد على القوة الذاتية، والجهود المسلمة
#افتحو_المساجد
(1348)
وبدأت موجة التقليد الأعمى قوية عارمة تدفعها بحمق وعنف الاهواء والانحرافات في الداخل والجهود الماكرة المخططة من الخارج فأخذت البلاد الاسلامية تسلك هذا الطريق واحدة تلو الأخرى ؛والعجيب أن كل إتجاهات التقليد في العالم الإسلامي بدأت بالإحساس بالضعف العسكري
#افتحو_المساجد
(1349)
ومن ثم نشأت عقدة الاعتماد على الغرب والإعجاب بكل ماهو غربي وافد من بلاد الكفار مهما كان فاسدا وتافها واحتقار كل ماهو شرقي مهما كان صالحاً وعظيما لقد نهى الله في كتابه الكريم عن التقليد الأعمى، فمقته وحذر من مغبته، في آيات كثيرة ومناسبات عديدة، وأساليب متنوعة
#افتحو_المساجد
(1350)
ولاسيما تقليد الكفار فتارة بالنهي عن تبعيتهم وطاعتهم، وتارة بالتحذير منهم ومن الاغترار بمكرهم والانصياع لآرائهم والتأثر بأعمالهم وسلوكهم وأخلاقهم وتارة بذكر بعض خصالهم التي تنفر المؤمنين منهم ومن تقليدهم
يتبع غدا ان شاء الله
#افتحو_المساجد
بسم الله
(1351)
أكثر مايرد التحذير في القرآن من اليهود والمنافقين، ثم من عموم أهل الكتاب والمشركين وقد بين سبحانه وتعالى في القرآن أن تقليد الكفار وطاعتهم منه ماهو ردة
(1352)
فقال الله تعالي : { إن الذين أرتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا مانزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر } ( سورة محمد الآيتان 25-26 )
(1353)
حيث جعل الله في شريعته الكمال فقد نهى عن اتباع غيرها من الأهواء والنظم البشرية،واتباع الكفار والذين لايعلمون فقال:{ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} ( الجاثية)
(1354)
وقال تعالى في معرض التحذير من أهل الكتاب: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ماتبين لهم الحق} ( البقرة، آية: 109 ). وقال: { مايود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم } ( البقرة: 105 )
(1355)
وقال: { يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء } ( المائدة، آية: 51 )وكذلك نهى عن طاعتهم واتباع أهوائهم وخصالهم السيئة فقال: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ( البقرة، آية: 120 )
(1356)
وقال: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } ( آل عمران، آية: 100 ) وقال: { ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك } ( المائدة، آية: 49 )
(1357)
وبين خطر موالاتهم واتخاذهم بطانة، وأن ذلك فيه خطر عام يهدد مصالح الأمة وكيانها، فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا بطانة من دونكم لايألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } ( سورة آل عمران، آية: 18 )
(1358)
كما جاء النهي عن التقليد والتحذير منه بأسلوب القصة فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن الكريم الأمم الكافرة الغابرة وأخبارها ومواقفها العدائية ضدّ دعوة التوحيد ومسيرة الإيمان على مدار التاريخ، وما حصل لها من أنواع العقوبات والعذاب جزاء ضلالها وانحرافها
(1359)
وهو بذلك يأمرنا بأخذ العبرة والعظة، وبالاعتبار بهم والاتعاظ بقصصهم والابتعاد عن تقليدهم، وتجنب سلوك نهجهم وذلك مثل قوله تعالى لمّا ذكر مافعله بأهل الكتاب من المثلات { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ( الحشر : 9 ) وقال تعالى: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } ( يوسف:111 )
(1360)
وقسم العلماء الآيات التي نهت عن تقليد الكفار في القرآن على قسمين:
_
قسم بين أن مخالفتهم في عامة الأمور أصلح للمسلمين، وهذا تدل عليه جميع الآيات
_
وقسم بين أن مخالفتهم مطلوبة وواجبة شرعاً، وهذا تدل عليه بعض الآيات
(1361)
ووردت في السنة عن رسول اللهﷺ أحاديث عامة تنهى عن التقليد الأعمى، والتشبه الممقوت، وتحذر من مغبة ذلك فقال ﷺ في معرض النهي عن التشبه بكل مالم يشرعه أو يقره الإسلام، والنهي عن تقليد كل ماهو على غير سلوك المسلمين، مثل قوله ﷺ: من تشبه بقوم فهو منهم
(1362)
كما وردت أحاديث كثيرة وصحيحة في النهي عن تقليد الكفار عموماً وأهل الكتاب، والمشركين، والمجوس، وأهل الجاهلية، فقال ﷺ في مناسبات عديدة:
" خالفوا اليهود "
" خالفوا المشركين"
" ولا تتشبهوا باليهود"
(1363)
وحين حذرﷺمن تقليد الكفار وماينتج عنه من خطر على عقيدة المسلمين وكيانهم علّل ذلك بما هم عليه من انحراف وضلال قالﷺ:لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ماحل له إلا أن يتبعني
(1364)
كما بين ﷺ محذراً ومشيراً الى ماسيحصل للمسلمين بتخليهم عن منهج الله واقتفائهم آثار اليهود والنصارى والأمم المنحرفة، وذلك فيما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ
(1365)
(لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا يارسول الله: اليهود والنصارى؟ قال : فمن ... إن من مقاصد الشريعة منع المسلمين من التقليد الأعمى، إذ أن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد أكمل الله الشريعة للناس
(1366)
وواضح مايحدثه التقليد من خلل في شخصية المسلم، من الشعور بالنقص والصغار، والضعف والانهزامية، ثم البعد والعزوف عن منهج الله وشرعه، فقد أثبتت التجربة أن الأعجاب بالكفار وتقليدهم سبب لحبهم والثقة المطلقة بهم والولاء لهم والتنكر للاسلام ورجاله وابطاله وتراثه وقيمه وجهل ذلك كله
(1367)
وهذا ماحدث للدولة العثمانية وولاياتها التابعة لها في القرنين الماضيين، حين تخلوا عن رسالتهم وحين استسلموا لسلطان الغرب ونهلوا من سمه الزعاف إن الحكم الشرعي للتقليد يختلف باختلاف نوعه وكيفيته ومدى خطورته وأثره، كما يختلف باختلاف المقلِّد والمقلَّد، والعلاقة الشرعية بينهما
(1368)
واعتقاد المقلِّد في تقليده لغير المسلمين. فيكون التقليد كفراً إذا كان في العقائد لأصول الإيمان وأصول العقيدة، أو الأحكام القطعية في الشريعة، أو مسائل الغيب الثابتة بالنص، وذلك كتقليد النصارى في عقيدة التثليث وتقليد الشيوعيين في إنكار النبوات والأديان
(1369)
وكتقليد الدول الكافرة في تعطيل حدود الله واعتقاد عدم صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق، وغير ذلك. ويكون التقليد فسقاً حين يكون في الأخلاق الفاسدة وارتكاب المنكرات والمعاصي كشرب المسكرات ونحوه ويكون حراماً مطلقاً، كموافقة الكفار في أعيادهم واحتفالاتهم وتقليدهم في ذلك
(1370)
ويكون مكروهاً كالتقليد غير المقصود ولا المتعمد في أمور الحياة العامة إذا لم يمس العقيدة ولم يكن من خصائصهم وسماتهم وإذا خيف أن يؤدي التقليد إلى شيء من الأمور السابقة الكفر أو الفسوق أو الحرمة أو الكراهة اتخذ الحكم ذاته، سداً للذريعة.
(1371)
ويكون التقليدمباحا بشروط وقيود،كالتقليد في الإنتاج المادي والعلوم الإنسانية والتجريبية البحتة والتجارب العسكرية ونحوها وذلك بعدصياغتها صياغة إسلامية وتنقيتها من شوائب(الجاهلية) وتجريدها من مصالح الكفار وبألاّ تتعارض مع المصالح الشرعية الدينية والدنيوية
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1372)
إن النظرة الفاحصة في تاريخ الأمم واستقراء أحوالها تبين لنا أن التقليد بين أمة وأمة، وبين قوم وقوم يحدث بينهمامن التشابه والتفاعل والانصهار مايضعف التمايز والاستقلال في الأمة المقلِّدة ويجعلها مهتزة الشخصية
(1373)
واقتضت سنة الله في خلقه أن الأمة الضعيفة المغلوبة تعجب بالأمة القوية المهيمنة الغالبة ومن ثم تقليدها فتكسب من أخلاقها وسلوكها وأساليب حياتها، إلى أن يصل الأمر إلى تقليدها في عقائدها وأفكارها وثقافتها وأدبها وفنونها، وبهذا تفقد الأمة المقلِّدة مقوماتها الذاتية وحضاراتها
(1374)
إن كانت ذات حضارة وتعيش عالة على غيرها وإذا لم تستدرك الأمة المغلوبة أمرها، وتتخلص بجهودها الذاتية وجهادها من وطأة التقليد الأعمى فإنه ولابد أن ينتهي بها الأمر إلى الاضمحلال والاستعباد وزوال الشخصية تماماً
بسم الله
(1375)
ألسلطان عبد العزيز الأول ابن السلطان محمود الثاني
تولى الحكم بعد أخيه في أواخر عام 1277هـ وفي عهده تفجرت ثورة في جزيرة كريت وأخمدت عام 1283هـ/1863م وتم فتح قناة السويس عام 1285هـ/1869م وصدرت مجلة الأحكام العدلية وقانون التجارة البحرية في أوائل عهده
(1376)
وزار أوربا وفكر في الاستفادة من خلاف الدول الأوربية فيما بينها، لكنه وجد أنها تتفق جميعها ضد الدولة لأنها دولة إسلامية، ولم يستطع الأوربيون أن ينسوا الحقد الصليبي المغروس في نفوسهم، غير أنهم كانوا يختلفون فيما بينهم حسب مصالحهم الخاصة
(1377)
وكانت الدول الأوربية عازمة على الضغط على الحكومة العثمانية للإستمرار في خطوات الإصلاح والنهوض المزعوم على النهج الغربي، والفكر الأوربي، والمبادئ العلمانية وأكد السلطان عبدالعزيز عزمه على مواصلة السير في الطريق الذي سلكه أبوه محمود الثاني وأخوه عبدالمجيد
(1378)
فأبقى على كل أصحاب المناصب من المتكلفين بتنفيذ الإصلاحات وكان من أهم الإصلاحات الإدارية في عهده قانون الولايات و أنشئت محكمة عليا قضائية ديوان الأحكام العدلية كما أنشئ مجلس للدولة على النسق الفرنسي سمي شواري دولت مجلس شورى الدولة، وكان من أهم اختصاصاته مناقشة الميزانية
(1379)
أما في مجال التعليم، فقد أسست مدرسة ثانوية عام 1285هـ/1868م هي مدرسة " غلطة سراي "، كان برنامج الدراسة فيها خيراً من برامج المدارس الثانوية الأخرى، وكانت كل المواد التي تدرس فيها باللغة الفرنسية فيما عدا اللغة التركية
(1380)
وكانت الغاية من إنشائها هي تخريج طائفة من الشباب القادر على حمل عبء الوظائف العامة وكان هؤلاء الشباب من مختلف الديانات، فالأغلبية من المسلمين، ولكن كان بها اليونان والأرمن، وهم نصارى، كما كان بها أعداد من اليهود
(1381)
والواقع أن الطلاب قد أقبلوا على هذه المدرسة حتى بلغ عددهم عام 1869م ستمائة طالب مسلمين ونصارى ويهود ورغم هذه الخطوات الإصلاحية التي تمت في عهد السلطان عبدالعزيز، إلا أن الدول الأوروبية لم تعتبرها كافية لتنهض دليلاً على أن الدولة العثمانية إنما تريد الإصلاح
(1382)
وتعمل لتحسين رعاياها النصارى، ولإزالة المفاسد التي استشرت في نظام الإدارة والحكومة، وهي مفاسد كانت في نظر الكثير من المعاصرين الأوروبيين تهدد بانهيار الدولة في النهاية وكان رأي فريق كبير من الإنجليز وغيرهم من المعاصرين، أن زوال الدولة العثمانية قد بات ضرورياً
(1383)
حيث إنها قد فشلت في الأخذ بأسباب الإصلاح الأوروبي، فقال لورد كلارندون وزير الخارجية البريطانية في عام 1865م: "إن الطريقة الوحيدة لإصلاح أحوال العثمانيين هي بإزالتهم من على سطح الأرض كلية " وهذا يؤكد حقد النصارى على الدولة العثمانية المجاهدة لأنها هزمتهم منذ فتح القسطنطينية
(1384)
لقد فشلت الدولة العثمانية في الأخذ بأسباب الإصلاح الأوروبي لإنعدام كل صلة بين المبادئ الأوروبية وبين مبادئ الدولة العثمانية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم
(1385)
عزل السلطان عبدالعزيز:
كان السلطان عبدالعزيز قد زار أوروبا، ورأى اتفاق وتآمر الدول الأوروبية على الدولة العثمانية، فحاول أن يستفيد من الخلاف القائم على المصالح بين دول أوربا الغربية وروسيا لمصلحة الدولة العثمانية، فبدأ يكثر من دعوة السفير الروسي إلى استانبول
(1386)
فخافت الدول الأوروبية وبدأت تشيع الشائعات عنه في التبذير والإسراف واستطاع مدحت باشا أن يعزله ثم قام مع عصابته بقتله عام 1293هـ إن مدحت باشا كان من يهود الدونمة روجت له الدعاية الماسونية على أنه البطل العظيم حامل لواء الإصلاح والحرية في السلطنة العثمانية وسمّته أبو الدستور
(1387)
وسخّر له أبواب دعايتها من صحف ومجلات وإذاعات، فوصل بذلك إلى أعلى الرتب منها باشوية سوريا والعراق، ومنصب الصدر الأعظم الذي يعتبر أكبر الرتب في السلطنة العثمانية. ثم بدأ بعد ذلك يدس ويخرّب كما تملي عليه يهوديته وماسونيته
(1388)
ويغمز دائماً بالتعاون مع الماسونية إلى مساوئ الحكم وخاصة حكم السلطان عبدالحميد عدو الماسونية الأكبر الذي لم يترك ثقباً من بصيص أمل لليهود في فلسطين إلا وسدّه
(1389)
ثم أسس مدحت باشا ويهود الدونمة الماسونية العالمية حوله جمعية الاتحاد والترقي
التي حملت نفس شعار الماسونية وجعلت مقرها بسلانيك وانكشفت جوانب من هذا اليهودي للسلطان عبدالحميد فألقى القبض عليه وعزله ونفاه فيما بعد
(1390)
سبب مقتل السلطان عبدالعزيز :
رفضه للدساتير الغربية برمتها، وكذلك العادات الغربية البعيدة عن البيئة الإسلامية، وتمكنه من إصلاح أحوال الدولة العثمانية إلى درجة كبيرة، وخاصة في المجال العسكري، حيث قوّى الجيش، واستبدل الأسلحة القديمة بأخرى حديثة
(1391)
واستورد مايلزم من السلاح من أفضل مصانع السلاح في أوربا، ووضع التنسيقات العسكرية على الطراز الحديث، وشكَّل الفرق العسكرية لأبناء العشائر والقبائل من كافة الولايات، وسلّح القلاع والحصون بأضخم وأحدث المدافع، فأصبحت مدفعية الدولة العثمانية يضرب بها المثل في التقدم
(1392)
وأصلح دار المدفعية " الطوبخانة " وأدخل فيها المعدات والآلات الحديثة، حتى صار بإمكانها صنع كافة الأسلحة على الطراز الجديد، كما قام بإصلاحات في مجال البحرية وأحل الخبراء العثمانيين محل الخبراء الأجانب رغم اعتراض هؤلاء ودولهم
(1393)
وأصبحت في عهده الدولة العثمانية من الدول البحرية الأولى في العالم، وعمل على إرسال البعثات البحرية إلى الخارج، واشترى المدرعات، وشيد عدة معامل لصنعها ولصنع الآلات والمراجل، وعادت دار صناعة " إزميت " إلى ما كان لها من مجد، كما أصلح الكثير من أحواض السفن
(1394)
وأسس مجلة الأحكام العدلية، وعمل على احقاق الحق، وحوكم كبار الحكام، أمثال " خسرو باشا " و " عاكف باشا " و " طاهر باشا " وبذلك ظهر للعموم حبّه للعدل والإصلاح وهذا لايرضي الدول الأوروبية ولاتقبل به لأنها تريد أن يسود الظلم حتى تنهار الدولة بسرعة وقام بإصلاحات مالية
(1395)
وأمر بوضع ميزانية منضبطة وألغيت القوائم المالية، وسوّت بذلك الدولة جميع ديونها، وأصبحت المعاملة بالنفوذ وانتظمت الأحوال المالية، لقد هال الدول الأوروبية رؤية ماحدث على يد هذا السلطان في وقت قصير فتعرقلت مخططاتهم في القضاء على الرجل المريض لذا رأوا تدبير مؤامرة خلعه ثم قتله
(1396)
إن جذور المؤامرة في مقتل السلطان عبدالعزيز ترجع إلى تخطيط مدروس من قبل القناصل وممثلي الدول الأوروبية في العاصمة العثمانية وقاموا بتنفيذها عن طريق عملائهم وعلى رأسهم صنيعة الماسونية المدعو مدحت باشا الذي اعترف أثناء محاكمته باشتراكه في عزل وقتل السلطان عبدالعزيز
بسم الله
(1397)
السلطان مراد الخامس مدة ولايته 93 يوماً هو ابن السلطان عبدالمجيد ألاول ولد في عام 1256هـ وارتقى منصب الخلافة في عام 1293هـ كان على جانب كبير من الذكاء والثقافة التركية والغربية، كما أبدى اهتماماً بالأدب والعلوم والشؤون الأوروبية
(1398)
وزار أوروبا والتقى ببعض الأوروبيين، وانخرط في سلك الماسونية، وكان على اتصال بنامق كامل أحد أعضاء الحركة وغيره، وكان ميالاً إلى الدستور والليبرالية والعلمانية وكانت الحركة الماسونية هي التي دفعت به إلى السلطنة
(1399)
ولكنه أصيب باضطراب عقلي بعد أن أصابته الدهشة والفزع عند إيقاظه بعد منتصف الليل عند خلع السلطان عبدالعزيز ولمّا بلغه مقتل حسن الجركسي ظهرت عليه اضطرابات عصبية أثّرت على جهازه الهضمي
(1400)
وكانت صحته في تدهور مستمر في الوقت الذي كان مدحت باشا يحاول إعلان الدستور الوضعي بدلاً من الشرع أثناء مرضه ويدرس القوانين والنظم الغربية ويتصل بأعوانه حتى استطاع إعداده بشكل جاهز وقد قيل إنَّ جنون السلطان ظهر للناس بشكل واضح
(1401)
فكان لابد من خلعه وأعلن ذلك من قبل شيخ الإسلام عام 1876م وكان نص الفتوى : إذا جنَّ إمام المسلمين جنوناً مطبقاً ففات المقصود من الإمامة فهل يصح حل الإمامة من عهدته؟ الجواب: يصح والله أعلم: كتبه الفقير حسن خير الله عفي عنه
(1402)
وبعد عزله تعافى من مرضه العقلي، وأمضى باقي حياته في قصر "جراغان " حتى توفي عن عمر يناهز الرابعة والستين لقد أثر الشباب من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي على مراد الخامس، فانتسب إلى المحفل الماسوني، وأدمن شرب الخمر وتشبع بالأفكار العلمانية والفلسفية الغربية
(1403)
وقد قال عنه السلطان عبدالحميد : كان من طبيعته أن ينخدع لمن يبتسمون في وجهه، دون أن يفكر في المعقول وغير المعقول، حتى أنه بسبب ذلك لم يكن يخطر على باله، عدم لياقة اشتراكه، وهو خليفة المستقبل، في المحفل الماسوني
(1404)
وتقدير المصيبة التي ستنجم عن ذلك، وقد استطاع بعض الأشخاص، ممّن يدعون أنهم أنصار التجديد أن يحرِّضوه على إدمان الخمر، وزيَّنوا له جوانب نستخف بها في الحياة الأوروبية ....
(1405)
ألنـــهاية
السلطان عبدالحميد بن عبد المجيد الأول بن محمود الثاني بن عبد الحميد الأول بن أحمد الثالث بن محمد الرابع بن إبراهيم الأول بن أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح
يتـــــبع
(1406)
ماتت والدة السلطان عبدالحميد وهو في العاشرة فاعتنت به الزوجة الثانية لأبيه وكانت عقيماً فأحسنت تربيته وحاولت أن تكون له أم فبذلت له من حنانها كما أوصت بميراثها له وقد تأثر السلطان عبدالحميد بهذه التربية وأعجب بوقارها وتدينها وكان لهذا انعكاس على شخصيته
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1407)
تلقى عبدالحميد تعليماً منتظماً في القصر السلطاني على أيدي نخبة مختارة من أشهر رجالات زمنه علماً وخلقاً. وقد تعلم من اللغات العربية والفارسية ، ودرس التاريخ وأحب الأدب، وتعمق في علم التصوف، ونظم بعض الأشعار باللغة التركية العثمانية
(1408)
وتدرب على استخدام الاسلحة وكان يتقن استخدام السيف، وإصابة الهدف بالمسدس، ومحافظ على الرياضة البدنية، وكان مهتماً بالسياسية العالمية ويتابع الأخبار عن موقع بلاده منها بعناية فائقة ودقة ناردة.
(1409)
أولاً : زيارته الى أوروبا مع عمه السلطان عبدالعزيز:
قام السلطان عبدالعزيز بزيارة أوروبا يرفقه وفد عثماني رفيع المستوى وكان من ضمنه الأمير عبدالحميد الذي ظهر أمام الأوروبيين بملابسه البسيطة وسيرته الحميدة في العفة وقد استعد الأمير عبدالحميد لهذه الرحلة بمطالعات واسعة
(1410)
فإنه كان دقيقاً في رؤيته، وفي حكمه على الأشياء التي رآها في الغرب، ولقد ألتقى الوفد العثماني بساسة ذلك العصر في أوروبا مثل؛ نابليون الثالث في فرنسا، والملكة فكتوريا في إنجلترا، وليوبلد في الثاني في بلجيكا، وغليوم الأول في ألمانيا، وفرنسوا جوزيف في النمسا
(1411)
وقد سبقت تلك الرحلة زيارته مع السلطان عبدالعزيز الى مصر وانتبه أثناء وجوده في مصر الى الزيف الكاذب للبريق الأوروبي والأخذ هناك بالشكليات الأوروبية ، مما جعل مصر تستدين وتغرق في الديون، نتيجة انطلاق الوالي الخديوي اسماعيل باشا في إسرافه ومحاولته جعل مصر قطعة من أوروبا
(1412)
وأما رحلته الى أوروبا فقد استغرقت من 21 يونيو الى 7 أغسطس من عام 1867م. زار الوفد العثماني: فرنسا وإنكلترا وبلجيكا والدولة النمساوية المجرية وفي هذه الرحلة الأوروبية تفتح ذهن عبدالحميد الى أمور كثيرة، انعكست على فترة حكمه كلها بعد ذلك. وهذه الأمور هي :
(1413)
1- الحياة الأوروبية بكل مافيها من طرق معيشة غريبة وأخلاقيات مختلفة وشكليات.
2- التطور الصناعي والعسكري وبخاصة في القوات البرية الفرنسية والألمانية وفي القوات البحرية البريطانية
3- ألاعيب السياسة العالمية
(1414)
4- تأثير القوى الأوروبية على سياسة الدولة العثمانية، وبخاصة تأثير نابليون الثالث على عمه السلطان عبدالعزيز، وضغط نابليون عليه، ليلتزم بمساندة الوزير علي باشا. رغم أن السلطان عبدالعزيز لم يكن يُشعر أحداً أنه تحت تأثير أي قوة غريبة
(1415)
اقتنع الأمير عبدالحميد في هذه الرحلة : أن فرنسا دولة لهو، وإنكلترا دولة ثروة وزراعة وصناعة. أما ألمانيا فيه دولة نظام وعسكرية وإدارة وكان إعجابه بألمانيا كثيراً، لذلك عهد بتدريب الجيش العثماني إليها عندما أصبح سلطاناً
(1416)
ولقد تأثرالأمير عبدالحميد بهذه الرحلة ودفعه ذلك التأثر الى الاهتمام بإدخال المخترعات في دولته في مختلف نواحي الحياة تعليمية وصناعية ووسائل إتصالات وعسكرية، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: شراؤه غواصتين وكان سلاح الغواصات جديداً. وأدخل التلغراف الى بلاده من ماله الخاص
(1417)
وأنشأ المدارس الحديثة، وأدخل فيها العلوم العصرية، وأدخل الى البلاد أول سيارة وأول دراجة، وأخذ بنظام القياس المتري. لكنه وقف بحزم ضد سريان الفكر الغربي في البلاد
أثرت رحلة عبدالحميد الى أوروبا أيضاً في اتباعه سياسة استقلالية تجاه أوروبا
(1418)
ولم يعرف عن عبدالحميد تأثير أي حاكم أوروبي عليه، مهما كانت صداقته ومهما كانت درجة التقارب بين بلده وبين الدولة العثمانية ولفت انتباه عبدالحميد أثناء هذه الرحلة الحوار الذي كان يجريه فؤاد باشا الصدر الأعظم العثماني مع بعض الزعماء الأوروبيين:
(1419)
سُئل فؤاد باشا أثناء هذه الرحلة : بكم تبيعون جزيرة كريت؟
فرد الباشا قائلاً: (بالثمن الذي اشتريناها به) وكان يعني بذلك : أن العثمانيين حاربوا في سبيل الحفاظ على جزيرة كريت 27 عاماً كلها حروب
(1420)
وسُئل فؤاد باشا أيضاً: (ماهي أقوى دولة في العالم الآن؟)
فرد قائلاً: ( أقوى دولة الآن هي الدولة العثمانية. ذلك لأنكم تهدمونها من الخارج ونحن نهدمها من الداخل. ولم يستطع كلانا هدمها)
(1421)
تعلم عبدالحميد من هذا درس القدرة على إسكات القوى التي تود تحطيم الدولة العثمانية. وتعلم ذكاء الحوار السياسي وهو مابرع فيه بعد ذلك وكان عمر عبدالحميد أثناء هذه الرحلة 25 عاماً..
(1422)
ثانياً: بيعته للخلافة وأعلان الدستور:
بويع بالخلافة بعد أخيه مراد يوم الخميس 11 شعبان 1293هـ وكان عمره آنذاك اربعاً وثلاثين سنة وحضر لمبايعته الوزراء والأعيان وكبار الموظفين من مدنيين وعسكريين في سراي طوب قبو
(1423)
وهنأه بالخلافة كذلك رؤساء الطوائف المختلفة، وأطلقت المدافع بسائر أطراف السلطنة احتفالاً بهذه المناسبة. وأقيمت الزينات بجميع جهات استانبول ثلاثة أيام وأرسل الصدر الأعظم برقيات الى دول العالم لإعلامها بذلك..
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1424)
كان السلطان عبدالحميد قد عين مدحت باشا صدراً أعظم، ثم أعلن في 23 ديسمبر (1293هـ/1876م) الدستور الذي يضمن الحريات المدنية وينص على مبدأ الحكومة البرلمانية. هذا الدستور ، كان البرلمان يتكون من مجلسين: مجلس النواب أو المبعوثان ثم مجلس الأعيان أو الشيوخ
(1425)
وقد تعرض السلطان عبدالحميد في بداية حكمه الى استبداد الوزراء واشتداد سياستهم التغريبية بقيادة جمعية العثمانيين الجدد والتي كانت تضم النخبة المثقفة التي تأثرت بالغرب والتي استطاعت الأيدي الماسونية تجندهم لخدمة أهدافها
(1426)
وقد بلغ من استبداد الوزراء بالحكم، أن كتب مدحت باشا، وهو في مقام الرئاسة لنخبة العثمانيين الجدد، الى السلطان عبدالحميد في أول عهده بالعرش (1877م): (لم يكن غرضنا من إعلان الدستور إلا قطع دابر الاستبداد، وتعيين مالجلالتكم من الحقوق وما عليها من الواجبات
(1427)
وتعيين الوزراء، وتأمين الناس على حريتهم وحقوقهم، حتى تنهض البلاد الى مدارج الارتقاء، وإني أطيع أوامركم إذا لم تكن مخالفة لمنافع الأمة ويقول السلطان عبدالحميد في هذا: (ولقد وجدت مدحت باشا ينصّب نفسه آمرا ووصيا عليّ وكان في معاملته بعيداً عن المشروطية وأقرب الى الاستبداد
(1428)
وكان مدحت باشا وأصحابه من الماسون يدمنون الخمر قال السلطان عبدالحميد في مذكراته: (ومن المعروف أن أحرار ذلك العهد من شعراء وأدباء اجتمعوا مساء يوم صدور مرسوم القانون الأساسي في قصر مدحت باشا، لا ليتحدثوا في أمور الدولة ، بل في أمور السكر والعربدة، وهم يحتسون الخمر
(1429)
ومدحت باشا يدمن الخمر منذ شبابه ومشهور عنه هذا وألتقت نشوة الخمر بالنشوة التي بعثها إعلان القانون الاساسي وعندما نهض مدحت باشا من على مائدة الأكل خرج مستندا على أذرع الآخرين حتى لا يقع وبينما كان يغسل يديه قال لزوج أخته طوسون باشا وهو يؤرجح لسانه في فمه بتأثير الخمر)
(1430)
- ياباشا! من يستطيع الآن، وبعد كل ما وصلت إليه أن يبعدني عن منصبي؟! من ؟! قل لي كم عاماً سأبقي في الصدارة العظمى ؟ رد عليه طوسون باشا قائلاً: إذا بقيتم على هذا الحال، فليس أكثر من أسبوع
(1431)
لقد كان مدحت باشا في مجالس الخمر الخاص به يفشي أدق اسرار الدولة وكانت هذه الأسرار تنتشر في اليوم التالي بين أهالي استانبول وفي إحدى الليالي تحدث عن عزمه على إعلان الجمهورية وأنه سيصبح رئيساً للجمهورية العثمانية الجديدة ثم إمبراطوراً لها مثلما حدث مع نابليون الثالث بفرنسا
(1432)
وكان مدحت باشا متهماً بقتل السلطان عبدالعزيز وشكل السلطان عبدالحميد لجنة للتحقيق في ذلك ثم قدم المتهمون الى المحكمة التي أدانتهم وحكم على مدحت باشا بالإعدام وتدخل السلطان عبدالحميد وخفض الحكم الى السجن ثم نفي الى الحجاز حيث مقر السجن العسكري هناك
(1433)
كان الدستور ينص على فصل السلطات من حيث الشكل لا المضمون، كما أن التغييرات التي طرأت على نظام الحكم طبقاً له كانت من قبيل التطور، فلم يفكر أحد في تقليص حق السلطان في السيادة، كما نص الدستور على أن شخص السلطان مصون لا تمس، وأنه لايسأل أمام أحد عن أعماله
(1434)
ومن ثم كان الدستور مرتهناً بشخصه فله وحده حق تعيين وإقالة الوزراء، كما أنه هو الذي يعقد المعاهدات ويعلن الحرب ومعاهدات الصلح وهو القائد العام للقوات المسلحة ومن حقه كذلك إصدار كافة القوانين في شتى المجالات دون الرجوع الى البرلمان.
(1435)
وهكذا ظل السلطان عبدالحميد الثاني من (1876-1909م) يتمتع بالسلطة التي سبق لأسلافه أن تمتعوا بها، بحيث إن مدحت باشا ذاته كان أول الضحايا كما أن الصلاحيات الواسعة التي منحها الدستور للسلطان حدت من سلطة رئيس الوزراء بحيث لم يتيح له أن يلعب سوى دور ثانوي في تسيير دفة الحكم
(1436)
ونص الدستور على حرية اعضاء البرلمان في إبداء آرائهم وفي التصويت، وكان لايمكن محاكمتهم إلا إذا تجاوزوا حدود قوانين المجلس، وحدد الدستور اللغة التركية العثمانية بإعتبارها اللغة الرسمية للدولة التي يجري بها الحديث في كل الجلسات
(1437)
كما نص أن يكون التصويت سريا أو علنيا بحسب الظروف وعلى أن يقر مجلس النواب الميزانية دون تدخل من جانب السلطان بعكس الحال فيما يتعلق بالقوانين العادية
وأما بالنسبة لحقوق الأفراد فقد أعلن الدستور أن العثمنة هي السياسة الرسمية للدولة في إطارمبدأ المساواة الذي نصت عليه التنظيمات
(1438)
خلع الدستور صفة العثمانية على كل رعايا الدولة ايا كان دينهم ونص على تمتعهم بالحرية الشخصية وكل العثمانيين أمام القانون ومنحهم نفس الحقوق مع نفس الواجبات كذلك استقلال القضاء وأبقى على المحاكم الشرعية على أن يلجأ غير المسلمين لمحاكم الملل في المسائل المتعلقة بشؤونهم الدينية
(1439)
وقد أمر السلطان عبدالحميد بأن يوضع الدستور موضع التنفيذ، وبأن تجرى انتخابات عامة، كانت الاولى من نوعها في التاريخ العثماني ، وقد أسفرت تلك الانتخابات على تميثل المسلمين بـ(71) مقعداً والنصارى بـ(44) مقعداً واليهود بـ(4) مقاعد
(1440)
واجتمع أول برلمان عثماني في 29 مارس عام 1877م (1294هـ) وكان مجلس الأعيان والشيوخ يتكون من 26 عضواً بالتعيين من بينهم 21 مسلماً، في حين كان مجلس النواب يتكون من مائة وعشرين عضواً
(1441)
وقد قام بعض نواب العرب بدور هام خلال المناقشات، غير أن مجلس المبعوثان كانت مدته قصيرة؛ فقبل أن يتم المجلس دورة انعقاده الثانية طلب النواب في 13 فبراير عام 1878م
أن يمثل ثلاثة من الوزراء أمام المجلس للدفاع عن أنفسهم من الاتهامات الموجهة إليهم
يـــتبع غدا ان شاء الله..
بسم الله
(1442)
فما كان من السلطان عبدالحميد إلا أن عطل المجلس وأمر بعودة النواب الى بلادهم وقام بنفي وإبعاد البارزين منهم وبذلك بلغت مدة انعقاد المجلس خلال دورته الأولى والثانية عشرة شهور وخمسة وعشرين يوماً ولم يدع هذا المجلس للاجتماع ثانية لمدة ثلاثين عاما
(1443)
لقد كان السلطان عبدالحميد مضطراً في إعلان الدستور بسبب الضغوط التي مارسها عليه الماسون بقيادة مدحت باشا ولذلك عندما اتحيت له الفرصة قام بتعطيل المجلس
إن عبدالحميد الثاني كان ضد الديمقراطية والحكم بالدستور
(1444)
الذي يعرف في المصطلح العثماني باسم "المشروطية" أي الاشتراط على الحاكم بتحديد سلطاته، على اعتبار أن هذا فكر وافد من الغرب ولذلك كان ضد المنادين به ورائدهم مدحت باشا وانتقد وزيره هذا بقوله:
(1445)
لم ير غير فوائد الحكم المشروطي في أوروبا، لكنه لم يدرس أسباب هذه المشروطية ولا تأثيراتها الأخرى. أقراص السلفات لاتصلح لكل مرض ولكل بنية. وأظن أن أصول المشروطية لا تصلح لكل شعب ولكل بيئة قومية. كنت أظن أنها مفيدة أما الآن : فإني مقتنع بضررها
(1446)
كان للسلطان حججه في هذا، منها سوء تصرف المنادين بالدستور في أول استجابة للسلطان لأفكارهم من ذلك: أن طلبت الحكومة من السلطان في وقت إعلان السلطان للدستور ، أن يوقع على بعض قرارات منها تعيين ولاة نصارى في ولايات، أغلب السكان من المسلمين
(1447)
وعلى قرار، بقبول طلبة من النصارى في الكلية الحربية العثمانية التي هي عماد الجيش العثماني فرفض السلطان التوقيع فما كان من مدحت باشا وهو الوزير إلا أن قال لسلطان: (إن مقصدنا من إعلان الدستور أن ننهي استبداد القصر، ويجب على جلالتكم أن تعرف واجباتكم
(1448)
ومن الأسباب التي يسوقها السلطان عبدالحميد في رفضه للفكر الدستوري قوله: إن الدولة العثمانية دولة تجمع شعوباً شتى، والمشروطية في دولة كهذه موت العنصر الأصلي في البلاد، وهل في البرلمان الانكليزي نائب هندي واحد؟ وهل في البرلمان الفرنسي نائب جزائري واحد
(1449)
ولم يغير السلطان عبدالحميد موقفه تجاه الحكم الدستوري ، في دولته حتى بعدأن عزل عن العرش، وأخذ الناس يمارسون الحكم الدستوري، فيقول :ماذا حدث عندما أعلنت المشروطية؟ هل قلت الديون؟ هل كثرت الطرق والموانئ والمدارس؟ هل أصبحت القوانين الآن أكثر تعقلاً ومنطقاً؟!
(1450)
وهل ساد الأمن الشخصي؟هل الأهالي الآن أكثر رفاهية؟ هل تناقصت الوفيات وزاد المواليد؟هل أصبح الرأي العام العالمي الآن بجانبنا أكثر من ذي قبل؟الدواء النافع يصبح سما زعافاً إذا كان في يد غير الأطباء. أو في أيدي من لا يعرفون أصول استعماله وإني لجد آسف فالأحداث قد أظهرت صدق كلامي
(1451)
ويبين السلطان عبدالحميد بأن موقفه ليس دائماً تجاه الحكم الدستوري، فالظروف التي كان يحكم فيها، إذا أختلفت، فستختلف وجهة نظره في الحكم الدستوري. وفي هذا يقول : (ينبغي ألا يظن أن فكري واقتناعي دائماً ضد الحكم الذي يعتمد على أصول المشروطية)
(1452)
إن السلطان عبدالحميد مر عصره بظروف عصيبة، وازمات شديدة، وتآمر عالمي على الدولة العثمانية من الداخل والخارج فشرع في إصلاح الدولة وفق التعاليم الاسلامية لمنع التدخل الأوروبي في شؤون الدولة وحرص على تطبيق الشريعة الاسلامية وقام بإبعاد الكتّاب والصحفيين عن العاصمة
(1453)
قاوم كافة الاتجاهات الغربية المخالفة للحضارة الاسلامية في ولايات الدولة واستطاع أن يشكل جهاز استخباراتي قوي لحماية الدولة من الداخل وجمع معلومات عن أعدائه في الخارج واهتم بفكرة الجامعة الاسلامية وحقق بها نتائج عظيمة واهتز الأوروبيون من هذا التفكير العميق وعملوا على تفتيتها
(1454)
تكلم السلطان عبدالحميد عن جهاز مخابراته وبين الغرض منه فقال:حسب العرف العثماني،يتعرف السلطان على تفكير الرعية وشكواها عن طريق جهاز الحكم ومن ولاته وقضاته من جانب وعن طريق التكايا المنتشرة في ربوع البلاد بمشايخها ودراويشها من جانب آخر فيجمع كل هذه الأخبار ويدير البناء عليها
(1455)
جدّي السلطان محمود الثاني وسع دائرة مخابراته بإضافة الدراويش الرحل إليها. كان ذلك عندما ارتقيت العرش، وعلى ذلك استمر علمت ذات يوم من موسوروس باشا، سفيرنا في لندن، أن الصدر الأعظم السابق، السَرْ عسكر حسين عوني باشا، تسلم نقوداً من الانكليز
(1456)
إذا كان الصدر الاعظم وهو يحكم البلاد باسم السلطان يخون دولته، فإن مخابراته لابد أن تبلغ القصر على أنه يؤدي عمله على الوجه الأكمل ، لذلك تكدرت وتأثرت في أثناء تلك الايام قابلني محمود باشا، وأدلى إلي ببعض معلومات عن بعض أعضاء "تركيا الفتاة" ، وكانت الاخبار التي قدمها لي هامة
(1457)
سألته عن طريق حصوله عليها، فعرفت أنه أنشأ مخابرات خاصة، واحتوى بالنقود أقارباً لبعض الأشخاص من "تركيا الفتاة" وهؤلاء كانوا يقابلون أقاربهم ويسمعون منهم ثم يخبرونه فيدفع لهم صحيح أنه زوج أختي، إلا أنه لايصح أن يقيم أحد باشوات الدولة مخابرات مستقلة عن مخابرات الدولة
(1458)
قلت له أن يحل جهازه هذا فوراً، وألا يعاود العمل بمثل هذا الأمر مرة أخرى، أحال إليّ جهازه هذا، وهو متضايق كثيراً. لايمكن للدولة أن تكون آمنة، إذا تمكنت الدول الكبرى أن تجند لخدمة أهدافها أشخاصاً في درجة وزير أعظم. بناءً على هذا قررت إنشاء جهاز مخابرات يرتبط بشخصي مباشرة
(1459)
وهذا هو الجهاز الذي يسميه أعدائي بالجورنالجية (الشرطة السرية = المخابرات)
وكان ضرورياً أن أعرف أن بين أعضاء جهاز الجورنالجية (المخابرات) المخلصين الحقيقيين أشخاصاً مفترين، لكني لم أصدق ولم آخذ بأي شيء يأتي من هذا الجهاز مطلقاً دون تحقق دقيق
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1460)
كان جدي السلطان سليم (سليم الثالث) يصيح قائلا: ( إن أيدي الأجانب تتجول فوق كبدي، وعلينا أن نرسل السفراء الى الدول الأجنبية لنقل أساليب التقدم الأوروبي وعلينا إرسال الرسل الى الخارج، ولنعمل سريعا على تعلم ماوصلوا إليه.
(1461)
كنت أحس أنا أيضا بأيدي هؤلاء الأجانب، ليست فوق كبدي، وإنما في داخله. إنهم يشترون صدروي العظام ووزرائي ويستخدمونهم ضد بلادي. كيف يحدث هذا وهم الذين أنفقت عليهم من خزانة الدولة ولا أستطيع معرفة ما يعملونه وما يديرون ويعدون؟
(1462)
نعم ، أنا أسست جهاز الجورنالجيه (المخابرات). وأنا أدرته.
متى حدث هذا؟بعد أن رأيت صدروي العظام يرتشون من الدول الأجنبية مقابل هدم دولتهم والتامر على سلطانهم أسست هذا الجهاز لا ليكون أداة ضد المواطن، ولكن لكي يعرف ويتعقب هؤلاء الذين خانوا دولتي
(1463)
في الوقت الذي كانوا يتسلمون فيه رواتبهم من خزانتها، وفي الوقت الذي كانت النعمة العثمانية تملؤهم حتى حلوقهم
لقد وجهت للسلطان عبدالحميد انتقادات عنيفة من قبل جمعية الاتحاد والترقي بسبب جهاز الاستخبارات الذي شكلته
(1464)
وفي الحقيقة إن ذلك الجهاز استطاع أن يحقق ايجابيات كبيرة فعندما كان مثيرو الشغب يثيرون الأرمن للتمرد ضد الدولة العثمانية كان الجنود يتصدون لهم وتراق دماء كثيرة كان هذا الجهاز خلال30سنة يخبر السلطان فور ظهور كل حركة ولذلك تمكن السلطان من اخماد كل تمرد داخلي في حينه
(1465)
تمردات وثورات في البلقان:
قام سكان الجبل الأسود والصرب بتحريض بلاد الهرسك للخروج عن الدولة العثمانية وكان ذلك في عام 1293هـ واستطاع العثمانيون أخمادها،ورغب السلطان عبدالحميد في منع الدول الأوروبية من التدخل،فأصدر قرارا بفصل القضاء عن السلطة التنفيذية
(1466)
وايضا تعيين القضاة بالانتخاب عن طريق الأهالي، والمساواة في الضرائب بين المسلمين والنصارى ولم يرض ذلك السكان، فعادوا الى الثورة التي قمعت أيضا، ولكن النمسا التي كانت وراء الثورة وترغب في ضم البوسنة والهرسك إليها استمرت في تحريض السكان ضد الدولة العثمانية
(1467)
فعملت النمسا مع روسيا وألمانيا وفرنسا وانكلترا على الطلب من السلطان بالقيام بإصلاحات فوافق عليها السلطان ولكن نصارى البوسنة لم يتقبلواذلك وهذا يدل أن ألإصلاحات ليست سوى مبررات واهية،وحقيقة الأمر أنهم يريدون التدخل في شؤون الدولة بشكل مباشر وغير مباشر لإضعافها والإطاحة بها
(1468)
كما قامت ثورة البلغار في نفس الوقت الذي قام فيه نصارى البوسنة والهرسك بثورتهم بدعم من النمسا والدول الأوروبية وخاصة روسيا، فقد تأسست جمعيات في بلاد البلغار لنشر النفوذ الروسي بين النصارى الأرثوذكس والصقالبة، وكانت تدعمها روسيا وتمدها بالسلاح
(1469)
وتبذل هذه الجمعيات بدورها جهدها لإثارة سكان الصرب والبوسنة والهرسك، وتحرضهم على الثورة ضد العثمانيين. وعندما أنزلت الدولة العثمانية بعض الأسر الشركسية احتج البلغار على ذلك، فقاموا بثورة وساعدتهم روسيا والنمسا بالسلاح والأموال؛ فتمكنت الدولة العثمانية من القضاء على الثورة
(1470)
فأخذت الدول الأوروبية تثير الشائعات عن المجازر التي ارتكبها العثمانيون ضد النصارى والعكس هو الصحيح وبهذه الشائعات اثير الرأي العام الأوروبي ضد العثمانيون وطالبت حكومات أوروبا بإتخاذ إجراءات صارمة ضد العثمانيين ومنها الحصول البلغار على استقلال ذاتي وتعيين حاكم نصراني لهم
(1471)
وقام الروس والألمان والنمساويون بدفع الصرب والجبل الأسود للقيام بحرب ضد العثمانيين، وكانت روسيا ترغب في توسيع حدودها من جهة بلغاريا، والنمسا تريد توسعة حدودها من جهة البوسنة والهرسك، ووعدت هذه الدول أمير الصرب والجبل الأسود بالدعم
(1472)
وشرع الجنود الروس بالتدفق سرا على بلاد الصرب، والجبل الأسود، وتمكنت الدولة العثمانية من الانتصار على الصرب وحلفائهم، فتدخلت الدول الأوروبية وطلبت وقف القتال وإلا فالحرب الواسعة واجتمع مندوبوا الدول الأوروبية في استانبول وقدموا اقتراحات للدولة من أهمها:
(1473)
تقسيم بلاد البلغار الى ولايتين ويكون ولاتها من النصارى، وأن تشكل لجنة دولية لتنفيذ القرارات، وأن تعطى هذه الامتيازات لإماراتي البوسنة والهرسك أيضا، وأن تتنازل الدولة عن بعض الأراضي للصرب والجبل الأسود.
(1474)
ولكن الدولة العثمانية رفضت هذه القرارات، وعقدت صلحا منفردا مع الصرب سحبت نتيجته جيوشها من بلاد الصرب، وأن يرفع العلم العثماني والصربي دليلا على السيادة العثمانية
لقد كان السلطان عبدالحميد الثاني على يقين من أن هدف الدول الغربية هو السعي لسقوط الدولة العثمانية
(1475)
حيث قال في مذكراته: (رأيت أثناء مؤتمر الدول الكبرى الذي عقد في استانبول ماعزمت عليه هذه الدول، وهي ليست كما يقولون تأمين حقوق الرعايا المسيحيين بل تأمين الاستقلال الذاتي لهؤلاء الرعايا وبذلك يتم تقسيم الدولة العثمانية
كانوا يعملون على تقسيم هذا الهدف على صورتين:
(1476)
الأولى: إثارة الأهالي المسيحيين، وتعكير صفاء الجو، وبهذا تتصدى هذه الدول لحمايتهم...
والثانية: القول بالمشروطية، لإحداث الفرقة بيننا أنفسنا واستطاعوا أن يجدوا من بيننا أنصارا يستخدمونهم في كلا الغايتين، وبكل أسف كان على خبز العدو شيء من السمن
(1477)
فلم يستطع بعض الشباب العثماني المثقف أن يفرق بين التطبيق السهل والحكم الدستوري في بلاد تتمتع بوحدة قومية، وبين تعذر هذا الحكم في الدول التي لاتتمتع بوحدة قومية
(1478)
الحرب العثمانية الروسية :
كانت روسيا ترغب في الوصول الى المياه الدافئة بسبب عوامل دينية واقتصادية وجغرافية وقد نص (بطرس الأكبر) في وصيته للروس على ضرروة الصراع الحضاري ضد العثمانيين الى أن تنتهي الدولة العثمانية من الوجود..يتـــبع غدا ان شاء الله
@6fLpx8DeEGAdiEs تكرم حبيبي
بسم الله
(1479)
يقول (بطرس الأكبر) في الفقرة التاسعة من وصيته:
(نقترب من القسطنطينية والهند بقدر الإمكان فمن يملك القسطنطينية فقد ملك العالم. بناء على ذلك ينبغي ملازمة الحرب مع العثمانيين)وفي الفقرة الحادية عشرة يقول: (نشارك النمسا فيما قصدناه من إخراج العثمانيين من أوروبا)
(1480)
وفي الفقرة الثالثة عشرة يقول: (وبعد التسلط على الممالك العثمانية، نجمع جيوشنا وتدخل أساطيلنا بحر البلطيق والبحر الأسود ونشرع في التفاوض مع فرنسا ودولة النمسا في قسمة العالم بيننا)
(1481)
إن روسيا أهتمت بتلك الوصية وفي عصر السلطان عبدالحميد الثاني كثرت الثورات بدعم من روسيا والدول الأوروبية في البلقان واليونان وغيرها من الاقاليم العثمانية ولم تكتفي بذلك بل عملت على قيام دول نصرانية مستقلة مثل رومانيا، وبلغاريا والصرب واليونان
(1482)
وبعد أن حقق العثمانيون انتصارات رائعة في البلقان استعدت روسيا للحرب ثم أعلنتها حرب لاهوادة فيها ضد الدولة العثمانية وانضمت رومانيا الى روسيا ودخل العثمانيون في حرب طاحنة مع الروس، وعبرت الجيوش الروسية نهر الدانوب
(1483)
واستولت على بعض المدن التابعة للعثمانيين ومنها "تيرنوه" و"نيقولبلي بل" التي تقع في بلغاريا حاليا كما استولى الروس على بعض النقاط المهمة والمعابر المؤدية الى البلقان، وقام السلطان عبدالحميد بتغيير كبير في قيادات الجيوش العثمانية للتصدي للغزو الروسي
(1484)
وقد حاول الروس الاستيلاء على مدينة (بلفنه) التي تقع في بلغاريا حاليا وهي من أهم المعابر الى البلقان، ولكن القائد العثماني الشجاع الغازي (عثمان باشا) تصدى لهم بكل شجاعة ، فردهم على أعقابهم منهزمين، فأعادوا الهجوم مرة أخرى بقوات أكثر كثافة
(1485)
ومع ذلك نجح ذلك القائد العثماني الفذ في التصدي للروس مرة أخرى، مما جعل السلطان العثماني يصدر مرسوما خاصا في الثناء على ذلك القائد وأمام هذا الصمود حاول الروس التغيير من سياستهم في الاستيلاء على هذه المدينة واتبعوا سياسة الحصار لها
(1486)
وحاولوا منع الإمدادات من الوصول الى الجيوش العثمانية فيها، وفي الوقت نفسه عززوا قواتهم وحضر القيصر الروسي بنفسه على المعركة القادمة وانضم أمير رومانيا الى روسيا وكان معه 100 ألف مقاتل، فأصبحت الكفة العسكرية في صالح الروس
(1487)
حيث تجاوز عددهم 150 ألف مقاتل ففرضوا حصارا على ثلاثة خطوط على القوات العثمانية، ومع هذا فإن العثمانيين المحاصرين بقيادة عثمان باشا صمدوا صمود الابطال، ورغم أن عددهم كان قرابة 50 ألف مقاتل، فإنهم لم يكتفوا بذلك الصمود
(1488)
بل أعدواخطة رائعة لهجوم معاكس على خطوط العدو المحاصر لهم طالبين بذلك إماالنصر وفك الحصار عنهم أو شهادة وقاد عثمان باشا قواته التي انحدرت على الأعداء وهم يهللون ويكبرون فسقطت أعداد منهم شهداء على أيدي قوات الروس
(1489)
ومع ذلك فقد تمكنوا من اختراق الخط الأول للمحاصرين والخط الثاني، واستولوا على المدافع فيه، وأصيب القائد عثمان باشا ببعض الجراح عند الخط الثالث فسرت إشاعة قوية بين جنده باستشهاده ففت ذلك في عضدهم، وحاولوا الرجوع الى المدينة، ولكن بعض قوات الروس أصبحت بداخلها
(1490)
وبذلك أصبح الجند العثمانيون في العراء بين نيران العدو المختلفة، فأضطروا الى الاستسلام للقوات الروسية. وكان ذلك في عام 1294هـ أواخر سنة 1877م، وقد سلم القائد العثماني نفسه وهو جريح الى الروس الذين كانوا معجبين به ويشيدون بشجاعته وإقدامه
(1491)
حتى أن القائد العام للقوات الروسية قام بتهنئة عثمان باشا على دفاعه الرائع وأعاد له سيفه احتراما لقدرته القتالية وصبره. وارسل عثمان باشا الى روسيا في شهر ديسمبر من نفس العام 1877م، واستقبله القيصر بكل مراسم الاحترام ولم يعامل "عثمان باشا" معاملة الأسير
(1492)
وقد شجعت تلك الانتصارات الروسية الصرب في البلقان على التحرك ضد العثمانيين وقامت جيوشهم بالهجوم على المواقع العثمانية هناك، فأشغلتهم عن الروس، الذين كانوا في الوقت نفسه يسعون لاحتلال مناطق جديدة. وبالفعل تمكن الروس من الاستيلاء على صوفيا (عاصمة بلغاريا حاليا)
(1493)
ولم يكتف الروس بهذا ، بل توجهوا جنوبا ناحية العاصمة العثمانية القديمة، ووصلوا الى مواقع لاتبعد سوى خمسين كيلومترا عن استانبول ، وأصبح الموقف داخل الدولة العثمانية سيئا الى أبعد الحدود وفي الوقت نفسه كانت تجري العديد من المعارك بين العثمانيين والروس في الجانب الاسيوي
(1494)
حيث وصل الروس الى الأناضول ، ومع ذلك تمكن العثمانيون من هزيمتهم ومطاردتهم داخل الأراضي الروسية، وانتصر العثمانيون بقيادة احمد مختار باشا على الروس في أكثر من ست معارك، مما جعل السلطان عبدالحميد يصدر مرسوما في الثناء عليه
(1495)
وقد عاود الروس الهجوم في تلك المناطق مرة أخرى وتمكنوا سنة 1295هـ من إنزال الهزائم بالقوات العثمانية والاستيلاء على بعض المناطق في الأناضول نفسها وأمام تلك الهزائم العثمانية في أوروبا وفي اسيا اضطرت الدولة العثمانية للدخول في هدنة مع الروس وقبول المفاوضات معهم
(1496)
حيث وقعت بين الطرفين معاهدة سان ستيفاس عام 1878م.
عقدت هذه المعاهدة في 3 مارس عام 1878م. ووقعها "صفوت باشا" عن الدولة العثمانية وهو يبكي. وكان لابد بالضرورة أن تحتوي هذه المعاهدة على شروط مجحفة بالدولة العثمانية
(1497)
معاهدة سان ستفانو 15 فبراير 1878م (1295هـ):
قدم المندوب الروسي شروطا مسبقة، وطلب التوقيع عليها مباشرة وإلا تتقدم الجيوش الروسية وتحتل استانبول ، ولم يكن للعثمانيين من خيار سوى التوقيع. وتنص المعاهدة على ما يلي:
يـــتبع غدا ان شـــاء الله
بسم الله
(1498)
تنص معاهدة سان ستفانو على ما يلي :
(1)
تعيين حدود للجبل الأسود لإنهاء النزاع، وتحصل هذه الإمارة على الاستقلال
(2)
تستقل إمارة الصرب وتصاف إليها أراضي جديدة
(1499)
(3)
تستقل بلغاريا استقلالا ذاتيا إداريا،وتدفع مبلغا محددا الى الدولة العثمانية ويكون موظفو الدولة والجند من النصارى فقط وتعيين الحدود بمعرفة العثمانيين والروس.وينتخب الأمير من قبل السكان ويخلي العثمانيون جنودهم نهائيا من بلغاريا
(4)
تحصل دولة رومانيا على استقلالها التام
(1500)
(5)
يتعهد الباب العالي بحماية الأرمن والنصارى من الأكراد والشركس.
(6)
يقوم الباب العالي بإصلاح أوضاع النصارى في جزيرة كريت.
(7)
تدفع الدولة العثمانية غرامة حربية قدرها 245 مليون ليرة ذهبية ويمكن لروسيا أن تتسلم أراضي مقابل هذا المبلغ.
(1501)
(8)
تبقى المضائق (البسفور والدردنيل) مفتوحة للسفن الروسية في السلم والحرب.
(9)
يمكن للمسلمين في بلغاريا أن يهاجروا الى حيث يريدون من أجزاء الدولة العثمانية
(1502)
وهكذا جرى تفتيت أملاك الدولة في أوروبا، وإن يكن تكبير بلغاريا قد أثار سخط الدول البلقانية الأخرى: النمسا،اليونان والصرب كما استاءت بريطانيا لازدياد النفوذ الروسي في البلقان واستعدت لمحاربة روسيا وحصلت من الدولة العثمانية على حق احتلال جزيرة قبرص (يونيو 1878م) وإدارتها
(1503)
على أن تبقى تابعة للدولة العثمانية وذلك في مقابل تعهدها بالدفاع عن أملاك الدولة في اسيافي وجه أي من التهديدات الروسية بشرط أن يتعهد السلطان من جانبه بإدخال الإصلاحات اللازمة في أملاكه الاسيوية بالتشاور مع بريطانيا
(1504)
وقد تعاهدت بريطانيا بالجلاء عن قبرص في حالة جلاء الروس عن المناطق التي احتلوها في اسيا ؛ ولم يكن السلطان عبدالحميد راضيا في الأصل بدخول هذه الحرب لذلك لم يصدق على المعاهدة وقام بجهود سياسية ودبلوماسية مكثفة، حتى أقنع بريطانيا في الوقوف بجانبه
(1505)
وبذلك ضمن عقد مؤتمر اخر (مؤتمر برلين) لتخفيف اثار معاهدة سان ستفانوه من ناحية، وإخافة روسيا بمنافستها بريطانيا، لكي تصرف روسيا النظر عن الحرب، واستطاع تحقيق مكاسب للدولة، وقللت البنود الخسائر في المعاهدة الأولى
(1506)
ودلت أحداث المعاهدتين على عبقرية السلطان عبدالحميد السياسية، التي تمثلت في إحداث النفور بين دولة روسيا ودولة ألمانيا أيضا..
يتـــبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1507)
يقول الامبراطور الألماني غليوم الثاني في مذكراته:
(جرى لي حديث مع أحد كبار القواد الذين ألحقوا بخدمة البلاط القيصري في عهد "الكسندر الثاني" قيصر روسيا،عن العلاقات بين البلاطين الروسي والألماني وبين الجيشين والبلدين
(1508)
فقلت لهذا القائد :إني أرى انقلابا محسوسا في هذه العلاقات فقال لي :(الذنب في ذلك على مؤتمر برلين !تلك غلطة كبرى ارتكبها "بسمارك" فقد قضى على الصداقة القديمة التي كانت بيننا، وأزال الثقة بألمانيا من البلاط الروسي ومن الحكومة الروسية
(1509)
وجعل الجيش يشعر بانه جنى عليه جناية عظمى بعد الحرب الدموية التي خاص غمارها عام 1877م
_________
مؤتمر برلين (1305هـ/1887م):
حضر ذلك المؤتمر الدول الكبرى (انكلترا، فرنسا، ألمانيا والنمسا)وجرى البحث في هذا المؤتمر تعديل معاهدة سان ستفانو التي عقدت بين روسيا والدولة العثمانية
(1510)
وذلك لمعارضة الدول المعنية لهذه المعاهدة لأنها لاتتفق مع مصالحها الاستراتيجية ؛ واتفق المؤتمرون على تعديل معاهدة سان استفانو وعقدت معاهدة برلين والتي تناولت الشروط التالية:
(1511)
1- استقلال بلغاريا وتعديل في حدودها، وتتشكل في جنوب البلقان ولاية باسم الرومللي الشرقي تكون تحت سيادة الدولة العثمانية سياسيا وعسكريا، ويحكمها نصراني، يعين لمدة خمس سنوات باتفاق الدولة وتبقى قوة لروسيا في بلغاريا والروميللي الشرقي وتحدد بخمسين الف جندي.
(1512)
2- تقدمت حدود اليونان قليلا الى الشمال مع العلم بأن اليونان لم تدخل في موضوع القتال، ولم تشمل معاهدة سان استفانو أي جزء منها...
3-ضم البوسنة والهرسك للنمسا...
4-ضم بسارابيا الى روسيا بعد إقتلاعها من رومانيا، وتضم مقاطعة دوبرجيه وبعض الجزر الى رومانيا ومنحها الاستقلال التام
.
(1513)
5- استقلال الصرب والجبل الاسود..
6- ضم مدن قارص وردهان وباطوم لروسيا..
7- قرر المؤتمر الإبقاء على الغرامة الحربية التي قررتها معاهدة سان استفانو على الدولة العثمانية ..
8- تعهد الباب العالي بأن يقبل بلا تمييز في الدين شهادة جميع رعاياه أمام المحاكم ...
(1514)
9- الموافقة على تحسين أوضاع النصارى في جزيرة كريت
وكان المستشار الألماني بسمارك هو الذي دعا الى عقد المؤتمر خشية أن يؤدي تصدي بريطانيا الى روسيا الى نشوب حرب أوروبية عامة وتهديد الاتحاد الألماني الذي جاهدكثيرا من أجل قيامه
(1515)
فإنه دعا الدول العظمى الى المؤتمر في برلين لمراجعة صلح سان استفانو وتسوية نتائج الحرب التركية الروسية وقد ذكر بعض المؤرخين أن في كواليس مؤتمر برلين عرض بسمارك تقسيم الإمبراطورية العثمانية على مذبح السلام الأوروبي
(1516)
فعرض على بريطانيا مصر وعلى فرنسا تونس والشام وعلى النمسا البوسنة والهرسك وعلى روسيا البوغازين (البسفور والدردنيل) وغير ذلك من أملاك السلطان. غير أن هذه العروض لم تدرج في مقررات المؤتمر
(1517)
وهكذا فإن مؤتمر برلين من المعالم البارزة لتدهور الامبراطورية العثمانية التي أرغمت على التنازل عن مساحات واسعة من أملاكها كما أنه يسجل تعهد بريطانيا وفرنسا بالمحافظة على ممتلكات الدولة العثمانية
(1518)
غير أن بريطانيا وفرنسا قد كشفتا عن نواياهما الاستعمارية فقد احتلت فرنسا تونس عام 1881م نطير احتلال بريطانيا لقبرص واحتلت بريطانيا مصر عام 1882م معلنة أن احتلالها مؤقت
وهكذا كانت النتيجة من الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا
(1519)
ولمواجهة هذه الأوضاع المتردية كان على السلطان أن يتخذ لقب الخلافة لمواجهة التحديات الجديدة، وعمل على إنشاء الجامعة الاسلامية لكي يعمل على تكتل كافة المسلمين من حوله في الداخل والخارج
(1520)
ولاشك أن حركة الجامعة الاسلامية قد لاقت استحسانا وقبولا لدى المسلمين الذين اعتقدوا أن ضعف الدولة العثمانية مرجعه ضعف الشعور الديني عند المسلمين ، الأمر الذي دفع فيه أعداء الاسلام للزحف على دار الاسلام ونهبها بلدا تلو الاخر..
يـــتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(1521)
الجامعة الاسلامية
لم تظهر فكرة الجامعة الاسلامية، في معترك السياسة الدولية إلا في عهد السلطان عبدالحميد، وبالضبط بعد ارتقاء السلطان عبدالحميد عرش الدولة العثمانية عام 1876م
(1522)
فبعد أن ألتقط السلطان عبدالحميد أنفاسه وجرد المتأثرين بالفكر الأوروبي من سلطاتهم، وتولى هو قيادة البلاد، قيادة حازمة وقد تكلم في مذكراته عن ضرورة العمل على تدعيم أواصر الأخوة الاسلامية بين كل مسلمي العالم في الصين والهند وأواسط أفريقيا وغيرها
(1523)
وحتى ايران وفي هذا يقول: (عدم وجود تفاهم مع ايران أمر جدير بالتأسف عليه وإذا أردنا أن نفوت الفرصة على الانجليز وعلى الروس فإنا نرى فائدة تقارب إسلامي في هذا الأمر وتحدث عن علاقة الدولة العثمانية بإنجلترا التي تضع العراقيل أمام الوحدة العثمانية
(1524)
يقول عبدالحميد الثاني: (الإسلام والميسيحية نظرتان مختلفتان ولايمكن الجمع بينهما في حضارة واحدة) لذلك يرى أن (الأنجليز قد أفسدوا عقول المصريين، لأن البعض أصبح يقدم القومية على الدين. ويظن أنه يمكن مزج حضارة مصر بالحضارة الأوروبية
(1525)
وإنجلترا تهدف من نشر الفكر القومي في البلاد الاسلامية الى هز عرشي وأن الفكر القومي قد تقدم تقدما ملموسا في مصر. والمثقفون المصريون أصبحوا من حيث لا يشعرون ألعوبة في يد الانجليز إنهم بذلك يهزون اقتدار الدولة الاسلامية ويهزون معها اعتبار الخلافة
(1526)
ويقول عن السياسة الانجليزية تجاه الخلافة:(قالت صحيفة ستاندرد الانكليزية مانصه : (يجب أن تصبح الجزيرة العربية تحت الحماية الانكليزية، ويجب على انكلترا أن تسيطر على مدن المسلمين المقدسة)
(1527)
إن إنجلترا تعمل لهدفين : إضعاف تأثير الاسلام وتقوية نفوذها وبالتالي لذلك أراد الانجليز أن يكون الخديوي في مصر خليفة للمسلمين ولكن ليس هناك مسلم صادق واحد يقبل أن يكون الخديوي أميرا للمؤمنين لأنه بدأ دراسته في جنيف وأكملها في فيينا وتطبع بطابع الكفار
(1528)
وعندما ظهر اقتراح انكلترا (لإعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة المسلمين ويعترف السلطان عبدالحميد الثاني بأنه لم يكن لدية الطاقة ولا القوة لمحاربة الدول الأوروبية ولكن الدول الكبرى كانت ترتعد من سلاح الخلافة، وخوفهم من الخلافة جعلهم يتفقون على إنهاء الدولة العثمانية
(1529)
وأن الدولة العثمانية تضم أجناسا متعددة من أتراك وعرب وألبان وبلغار ويونانيين وزنوج وعناصر أخرى، ورغم هذا فوحدة الاسلام تجعلنا أفراد أسرة واحدة
(1530)
ويعبر عبدالحميد الثاني عن ثقته في وحدة العالم الاسلامي بقوله: (يجب تقوية روابطنا ببقية المسلمين في كل مكان، يجب أن نقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثر، فلا أمل في المستقبل إلا بهذه الوحدة. ووقتها لم يحن بعد لكنه سيأتي.
(1531)
سيأتي اليوم الذي يتحد فيه كل المؤمنين وينهضون فيه نهضة واحدة ويقومون قومة رجل واحد وفيه يحطمون رقبة الكفار
كانت فكرة الجامعة الاسلامية في نظر السلطان عبدالحميد يمكن بها أن يحقق أهدافا منها:
(1532)
مواجهة أعداء الاسلام المثقفين بالثقافة الغربية، والذين توغلوا في المراكز الادارية والسياسية الحساسة، في أجهزة الدول الاسلامية عموما، وفي أجهزة الدولة العثمانية خصوصا، عند حدهم، عندما يجدون أن هناك سدا إسلاميا ضخما وقويا يقف أمامهم.
(1533)
محاولة إيقاف الدول الاستعمارية الأوروبية وروسيا، عند حدها عندما تجد أن المسلمين ، قد تكتلوا في صف واحد، وقد فطنوا الى أطماعهم الاستعمارية ووقفوا ضدها بالوحدة الاسلامية.
(1534)
إثبات أن المسلمين يمكن أن يكونوا قوة سياسية عالمية، يحسب له حسابها في مواجهة الغزو الثقافي والفكري والعقدي الروسي الأوروبي النصراني.
-
تأخذ الوحدة الاسلامية الجديدة دورها في التأثير على السياسة العالمية
(1535)
تستعبد الدولة العثمانية بوصفها دولة الخلافة قوتها وبذلك يمكن إعادة تقويتها، وتجهيزها بالأجهزة العلمية الحديثة في الميادين كافة وبذلك تستعيد هيبتها يقول:(إن العمل على تقوية الكيان السياسي والاجتماعي الاسلامي،أفضل من إلقائه أرضا،وتكوين كيان غريب فكريا واجتماعيا على نفس الأرض
)( ).
(1536)
إحياء منصب الخلافة، ليكون أداة قوية، وليس صوريا كما حدث لفترة . وبذلك لا يكون السلطان وحده فقط هو الذي يقف في مواجهة أطماع الغرب وعملائه في الداخل، وإنما هي وحدة شعورية بين شعوب المسلمين جميعا. يكون هو الرمز والموجه والموحد.
(1537)
والى هذا اشار المؤرخ البريطاني (ارنولد توينبي) في قوله: (إن السلطان عبدالحميد ، كان يهدف من سياسته الاسلامية، تجميع مسلمي العالم تحت راية واحدة، وهذا لايعني إلا هجمة مضادة، يقوم بها المسلمون ضد هجمة العالم الغربي التي استهدفت عالم المسلمين
(1538)
ولذلك استخدم السلطان عبدالحميد ، كل الإمكانيات المتاحة في ذلك الوقت، من اتخاذ الدعاة من مختلف جنسيات العالم الاسلامي، من العلماء والمبرزين، في مجالات السياسة، والدعاة الذين يمكن أن يذهبوا الى أرجاء العالم الاسلامي المختلفة
(1539)
للالتقاء بالشعوب الاسلامية وفهم ماعندهم وإبلاغهم باراء وتوجيهات السلطان الخليفة ونشر العلوم الاسلامية، ومراكز الدراسات الإسلامية، في الداخل والخارج، وطبع الكتب الاسلامية الأساسية، ومحاولة اتخاذ اللغة العربية لأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية، لغة للدولة
(1540)
ايضا العناية بالمساجد والجوامع من تجديد وترميم وبناء الجديد منها،والقيام بحملات تبرع لإحياء المساجد في العالم، والاهتمام بالمواصلات لربط أجزاء الدولة العثمانية، واستمالة زعماء القبائل العربية
(1541)
وإنشاء مدرسة في عاصمة الخلافة، لتعليم أولاد رؤساء العشائر والقبائل، وتدريبهم على الإدارة،واستمالة شيوخ الطرق الصوفية، والاستفادة من الصحافة الاسلامية في الدعاية للجامعة الاسلامية، واتخاذ بعض الصحف وسيلة للدعاية لهذه الجامعة، والعمل على تطوير النهضة العلمية والتقنية
(1542)
ولقد ألتفت مجموعة من العلماء ودعاة الأمة الاسلامية الى دعوة الجامعة الاسلامية من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومصطفى كامل من مصر، وأبي الهدى الصيادي من سوريا، وعبدالرشيد إبراهيم من سيبريا، والحركة السنوسية في ليبيا وغيرها
(1543)
أولاً: جمال الدين الأفغاني والسلطان عبدالحميد:
أيد جمال الدين الأفغاني ، دعوة السلطان عبدالحميد الى الجامعة الاسلامية وقدم مشروعات أكبر بكثير من طموح السلطان. ولم يكن السلطان يأمل في أكثر من وحدة هدف بين الشعوب الاسلامية ...
يتبع غدا ان شاء الله

جاري تحميل الاقتراحات...