في يناير ١٩٤١، بدأ الكاتب الفرنسي ألبير كامو العمل على رواية عن فيروس ينتشر بشكل لا يمكن السيطرة عليه من الحيوانات إلى البشر وينتهي به الأمر بتدمير نصف سكان البلدة.
نشر روايته The Plague/ الوباء عام ١٩٤٧ والكثير من النقاد اعتبرها أعظم رواية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
نشر روايته The Plague/ الوباء عام ١٩٤٧ والكثير من النقاد اعتبرها أعظم رواية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
تبدأ الرواية ، يسود بوصف طبيعي للجو العام لمدينة وهران. يكتب كامو: "وهران مدينة عادية، ليس أكثر من ولاية فرنسية على ساحل الجزائر، يعيش السكان حياة مزدحمة ومليئة بالمال ؛ بالكاد يلاحظون أنهم على قيد الحياة”. ثم ، مع تقدم الأحداث، يبدأ الرعب.
يصادف الدكتور ريو فأرًا ميتًا في الشارع. ثم فأرا آخر وآخر وآخر. سرعان ما يجتاح المدينة موت غامض لآلاف الفئران، التي تخرج من مخابئها في حالة ذهول قبل أن تنزف وتموت.
ويتهم السكان السلطات بعدم التصرف بالسرعة الكافية. وتتم إزالة الفئران - وتتنفس المدينة الصعداء.
ويتهم السكان السلطات بعدم التصرف بالسرعة الكافية. وتتم إزالة الفئران - وتتنفس المدينة الصعداء.
ولكن الدكتور ريو يشك في أن هذه ليست النهاية. لقد قرأ ما يكفي ن البحوث والمقالات عن تركيبة الطاعون وانتقاله من الحيوانات إلى البشر ليعرف أن شيئًا ما يعمل في الخفاء على قدم وساق. ثم سرعان ما يستولي الوباء على وهران، ويبدا في الانتقال بين البشر وينشر الذعر والرعب في كل شارع.
وانغمس أيضا في دراسة الطاعون الإيطالي عام ١٦٢٩ الذي أودى بحياة ٢٨٠٠٠ شخص عبر سهول لومباردي وفينيتو، والطاعون العظيم في لندن عام ١٦٦٥ وكذلك الأوبئة التي دمرت المدن على الساحل الشرقي للصين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
في مارس ١٩٤٢، أخبر كامو الكاتب أندريه مالرو أنه يريد أن يفهم ما يعنيه الطاعون للبشرية وأضاف “قد يبدو قول هذا غريبا لكن الأمر (الطاعون) بالنسبة إلي طبيعي جدا.” لم يكن كامو يكتب عن وباء معين أو مرض محدد.
إن الأحداث التاريخية التي نسميها (وباء أو جائحة) ماهي إلا شرط مسبق للوجود: هي أمثلة درامية لقاعدة مطلقة: أن البشر عرضة للإبادة العشوائية من خلال المرض أو ظاهرة طبيعية أو الحرب.
إن تعرضنا للطاعون -في صميم وجهة نظر كامو - معناه أن حياتنا هي في الأساس على حافة ما سماه "العبث".
إن تعرضنا للطاعون -في صميم وجهة نظر كامو - معناه أن حياتنا هي في الأساس على حافة ما سماه "العبث".
ولا ينبغي أن يقودنا الاعتراف بهذا العبث إلى اليأس. يجب أن يكون بداية لتصحيح منظورنا: مثل أهل وهران قبل الطاعون، نفترض أننا قد مُنحنا الخلود، وبسبب هذه السذاجة تأتي السلوكيات التي كرهها كامو: قسوة القلب، هاجس المكانة الاجتماعية، رفض أشكال الفرح والاستشراف والحكم على الناس.
في الرواية، يربط شعب وهران الطاعون بشيء متخلف ينتمي إلى عصر آخر. إنهم أناس عصريون لديهم هواتف، ترام ، طائرات وصحف. هم بالتأكيد لن يموتوا مثل بؤساء لندن في القرن السابع عشر أو كانتون في القرن الثامن عشر.
تقول إحدى الشخصيات في الرواية: "من المستحيل أن يكون هذا هو الطاعون، الجميع يعلم أنه اختفى من الغرب".
"نعم، الجميع يعرفون ذلك" ، يضيف كامو ساخرا ، "باستثناء ضحاياه”.
"نعم، الجميع يعرفون ذلك" ، يضيف كامو ساخرا ، "باستثناء ضحاياه”.
بالنسبة لكامو، عندما يتعلق الأمر بالموت، لا يوجد تطور ولا تقدم ولا مفر من ضعفنا. كونك على قيد الحياة كان دائمًا وسيبقى دائمًا “حالة طوارئ”. كونك على قيد الحياة كان دائمًا وسيبقى دائمًا السبب الرئيسي للموت.
بالجائحة أو بدونها، نحن دائما عرضة للموت المفاجئ: وهو حدث يمكنه أن يضفي على حياتنا عبثا جليا و يجعلها بلا معنى!
ومع ذلك ينكر المواطنون في الرواية مصيرهم. حتى عندما يموت ربع سكان المدينة، يستمرون في تخيل أسباب عدم إصابتهم بالوباء.
ومع ذلك ينكر المواطنون في الرواية مصيرهم. حتى عندما يموت ربع سكان المدينة، يستمرون في تخيل أسباب عدم إصابتهم بالوباء.
لا يحاول كانو أن يثير فينا الهلع، لأن الذعر يستوجب الاستجابة لحالة خطيرة يمكننا من خلالها العثور على الأمان في نهاية المطاف، لكننا لسنا بمأمن عن الموت وأسبابه - ولهذا السبب نحتاج إلى حب إخواننا البشر والعمل بدون أمل أو يأس على تلطيف معاناتنا.
يقول كامو في روايته: يعلم الجميع أن الأوبئة لديها طريقة في العودة إلى العالم باستمرار، ولكننا نجد صعوبة في تصديق تلك التي تصطدم برؤوسنا من السماء الزرقاء. لقد كان هناك العديد من الأوبئة مثل الحروب في التاريخ؛
تأخذ الحرب الناس على حين غرة. تجدهم يقولون “أن الحرب غباء وشر مطلق” ولكن هذا لا يمنع اقرب من الاستمرار، كذلك الحال مع الأوبئة نقول لأنفسنا أن الوباء هو مجرد حلم سيئ سيزول. لكنه لا يزول دائماً، ومن حلم سيء إلى آخر، البشر يفرون".
في ذروة الوباء، عندما يموت ٥٠٠ شخص في الأسبوع، أحد أعداء كامو في الرواية يتحول إلى وجهة نظر. كاهن كاثوليكي اسمه بينلو يلقي خطبة على أهل المدينة في كاتدرائية الساحة الرئيسية - ويسعى إلى تفسير الطاعون كعقاب الله على فساد البشر. لكن الدكتور ريو -بطل الرواية- يكره هذا النهج:
إذا سلّمنا أن الطاعون عقوبة على شيء، هذا يعني أن للكون مغزى أخلاقي علينا تحقيقه، لكن ريو يشاهد طفلًا بريئًا يموت في المستشفى ويدرك أن المعاناة موزعة بشكل عشوائي تمامًا على أهل الأرض، ولا معنى لها ، ولا قوة أخلاقية ، إنها ببساطة عبث.
يحارب الطبيب بلا كلل الموت، ويحاول تخفيف معاناة من حوله: يكتب كامو في أحد أكثر السطور المهمة في الكتاب: "الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. إنها مسألة حمية مشتركة. الوسيلة الوحيدة لمحاربة الوباء هي الحمية المشتركة."
فتسأل أحد شخصيات الرواية “ماهي الحمية المشتركة؟” فيرد دكتور ريو “لا أستطيع القول، ولكن في حالتي أعرف أنها قيامي بواجبي كطبيب.”
----
على الرغم من الرعب في الرواية، يذكرنا كامو بكل ما يجعل الحياة تستحق استمرارنا.
----
على الرغم من الرعب في الرواية، يذكرنا كامو بكل ما يجعل الحياة تستحق استمرارنا.
يقدر طبيبه ريو الرقص والحب والطبيعة، فهو يحب الزهور ، ويقدر ألوان الغروب - مثل كامو - يعشق السباحة في البحر. في نهاية المطاف، بعد أكثر من عام ، ينحسر الطاعون ويحتفل سكان البلدة.
تبدو أنها نهاية المعاناة وأن الحياة ستعود إلى حالتها المستقرة الطبيعية. لكن بطل الرواية يعلم جيدا أن هذه ليست النهاية وأن دائما هناك طاعون آخر على مشارف القدوم. يقول كامو: “يعلم ريو أن هذه الحكاية ليست الانتصار النهائي...
... أنها مجرد سجل لما يجب أن نفعله ضد هذا الوباء. بينما كان يستمع إلى هتافات الفرح التي ارتفعت فوق البلدة، تذكر ريو أن هذا الفرح دائمًا تحت التهديد. كان يعلم أن هذا الحشد السعيد ليس على دراية بشيء يقرأه المرء في الكتب، وهو أن فيروس الطاعون لا يموت أو يختفي تمامًا...
...بل ينام لعشرات السنين منتظرا بصبر في غرف النوم والأقبية والجذوع والمناديل والأوراق القديمة، وأن اليوم سيأتي ... حين يصيب الطاعون الحيوانات مرة أخرى ويرسلها لتموت في بئر جديدة في مدينة حديثة.”
نتأثر بعمل كامو في أوقاتنا هذه لأنه حجّم الطبيعة البشرية بشكل صحيح وعرّفنا على ضعف أساسي وسخيف فينا. عرف كامو، أن كل شخص منا بداخله هذا الطاعون. لأنه لا يمكن لأي شخص في العالم -ولا أحد- أن يكون محصناً على الإطلاق.
انتهى
انتهى
جاري تحميل الاقتراحات...