أ.د. عبدالرحمن السليمان
أ.د. عبدالرحمن السليمان

@AlsulaimanAbd

23 تغريدة 639 قراءة Mar 28, 2020
(1) تنتشر في الآونة الأخيرة دعوى مفادها أن اللغة العربية الأدبية (الفصحى أو الفصيحة) لغة اصطناعية من وضع النحاة واللغويين. وهذه الدعوى ليست جديدة، بل أطلقت إبان الدعوة إلى الكتابة بالعامية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. واليوم يُروّج لها من جديد.
(2) بعض هذه الدعاوى يتعلق بالعنصرية. وكان أتباع نظرية تفوق الجنس الآري يعيرون الساميين بشكل عام واليهود بشكل خاص بأن أفق التعبير في لغاتهم محدود ويستشهدون على ذلك بلغة التوراة العبرية وبساطة تراكيبها وعفويتها. أي أنهم يعيرون الساميين بأنهم ذوو عقول بسيطة قياسًا باليونانيين الخ.
(3) وبما أن هذا الحكم العنصري لا ينطبق على اللغة العربية والأدب العربي بسبب تطور العربية وتفوق شعرها على شعر اليونان والرومان، فقد ادعى بعضهم أن العربية كانت بسيطة بساطةَ العبرية وأن اللغويين العرب – و"معظمهم" من الفرس الآريين – هم الذين اخترعوا اللغة العربية الأدبية المتطورة!
(4) من هؤلاء المروجين لدعوى اصطناعية العربية الفصيحة إبراهيم أنيس الذي أنكر في كتابه (من أسرار اللغة) أن الفصحى لغة طبيعية واعتبر الإعراب صنعة وليس سليقة وأن حركات الإعراب الثلاث بدون دلالة. والإعراب ظاهرة عامة في اللغات الجزيرية (السامية).
(5) فقد ورد الإعراب في البابلية ورودَه في العربية لكن بالميم (تَمْوِيم) وليس بالنون (تَنوين). مثال للإعراب في البابلية (دُوّنت ابتداء من 2900 ق.م.):
مُشكِينُ(م) = مِسكينُ(ن)/مسكينٌ للفاعل؛
مُشكِينَ(م) = مِسكينَ(ن)/مسكينًا للمفعول به؛
مُشكِينِ(م) = مِسكينِ(ن)/مسكينٍ للمجرور.
(6) والبابلية أخت العربية وهي أول لغة جزيرية (سامية) دُونت، والعربية هي آخر لغة سامية دُونت، والإعراب في اللغتين متطابق مائة بالمائة باستثناء ظاهرة الـ (تَمْوِيم) في البابلية التي يقابلها التنوين في العربية. فهذا دليل تاريخي ثابت على أصالة الإعراب!
(7) إن النظر في مقارنة اللغات الجزيرية (السامية) ببعضها هو موضوع (علم اللغة المقارن) و(علم التأثيل) اللذان يقارنان يقارن بين اللغات على مستويات اللغة الأربعة وهي الأصوات والصرف والنحو والمعجم. وإن التأمل في بعض المظاهر النحوية وتطورها هو موضوع (علم النحو التاريخي).
(8) انتهت هذه الدعوى بانحسار التيار الذي كان يروج لها. لكنها استمرت تحت مسميات أخرى. وكان آخر المروجين لها من غير العرب صاحب الاسم المستعار (كريستوف لوكسمبيرغ) الذي زعم أن القرآن الكريم كتب بداية بلغة هجينة آرامية – سريانية – عربية في مستوطنة سريانية نصرانية اسمها مكة.
(9) تلقف هذه الدعوى عند العرب ثلاثة أضرب: (أ) نوع شعوبي يطرح أزمة هوياتية في بلاد الشام يمثله بعض السريان؛ (ب) ونوع جاهل من الباحثين عن الشهرة منهم البحريني لؤي الشريف؛ و(ج) نوع متعلم لكن لا يملك الأدوات المعرفية للخوض في هذا الموضوع.
(10) من آخر المروجين لهذه الدعوى عند العرب الدكتور سليمان العايد الأستاذ في جامعة أم القرى في مكة المكرمة، في بحث غير منشور، بشّر به في مقطع صوتي له من 2:20 دقيقة، منتشر في الشبكة، قال فيه ما نصه بالحرف:
(11) "وما نسميها الفصحى لغة لم تكن موجودة، لم تكن قائمة في بيئة عربية، لا قبل الإسلام ولا بعد الإسلام، وإنما هي لغة مصنوعة، ولغة ملفقة من لغات العرب، ولهجاتها واختيارات آراء العلماء، حيث كان العلماء أحيانا يعمدون إلى الظاهرة اللهجية، فيرقونها لتكون ظاهرة لغوية عامة ..".
(12) ودلل الدكتور العايد على قوله هذا بظاهرة الإبدال الصوتي في الجذور مثل (سقط وسخط) و(صدق وصدغ) الخ. وفي الحقيقة لم أفهم قصده جيدًا لأن المقطع قصير ولأن حضرته لم يوضح القصد جيدًا. وبانتظار قراءة بحثه الذي بشّر به في المقطع، أجيب على طرحه المتعلق بالإبدال على قدر فهمي له.
(13) ظاهرة الإبدال التي أشار إليها ظاهرة جزيرية (سامية) أصيلة وردت في جميع اللغات الجزيرية (السامية). بل إن الإبدال الذي يسميه الدكتور ظواهر لهجية "رقّاها اللغويون لتصبح ظاهرة لغوية عامة"، تتجانس العربية فيها مع أخواتها الجزيريات (الساميات). وسأضرب هنا مثالاً موجزًا عن ذلك:
(14) إن الجذور الجزيرية ثنائية الأصل، أضيف إليها حرف ثالث لتحديد المعنى. مثلاً: /ج م/ يفيد في اللغات الجزيرية (السامية) ـ "الجمع"، ثم أضيفت إليه حروف أخرى لتحديد المعنى فكانت الجذور الثلاثية /جمع/ و/جمم/ و/جمل/ الخ التي تفيد معاني فرعية تدور كلها حول المعنى العام: "الجمع". مثال:
(15) معنى الجذر الثنائي /لغ/ العام هو: "الكلام المبهم". وقد أضاف الجزيريون (الساميون) إليه حروفا ثالثة للحصول على جذور ثلاثية مثل /لغط/ و/لغو/ و/لغز/ و/لغم/ و/لغي/ تفيد كلها في اللغات الجزيرية (السامية) معاني تدور حول "الكلام المبهم". لنتأمل هذه الجذور في اللغات الجزيرية:
(أ) /لغز/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغز" المعروف. ويجانسه في العبرية: לעז = /لَعَز/ [وأصله: لَغَز بالغين] "تحدث بلغة مبهمة ومن ثمة أجنبية". ويجانسه في الآرامية القديمة: לעוזא = /لَعُوزا/ [وأصله: لغوزا] وفي السريانية: ܠܥܙ = /لِعَز/ [وأصله: لِغَز] "تحدثَ بلغة أجنبية".
(ب) /لغط/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغط" المعروف، وهو الشيء السري. ويجانسه في العبرية: לעט = /لَعَط/ [وأصله: لغط بالغين أيضا] "بلعَ الكلام بَلعاً (أي تحدث بصوت غير واضح)". الأكادية /لَعاطُ/ مثله؛ والسريانية: ܠܘܥܛܐ = /لُوعاطا/ "ثرثرة".
(ج) /لغو/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغو" المعروف، ومنه اشتقت /لغة/ وأصلها /لغوة/ وهو اسم المرة من "اللغو". ويجانسه في العبرية قطعا: לעע = /لَعَع/ [وأصله: لَغَغ] "لغا يَلغُو".
(16) وهذا هو موضوع علم اللغة المقارن. وممارسته تتطلب معرفة جميع اللغات الجزيرية بالإضافة إلى علم الصوتيات وعلم الصرف وعلم النحو وعلم الدلالة ليتمكن الباحث من ملاحظة العناصر اللسانية المتباينة وإدراك العلاقات الظاهرة والباطنة بينها واستنباط الحقائق والنتائج من مقدماتها المنطقية.
(17) ونرى أن ولوج الباحث هذه المجالات والحكم على اللغة العربية الأدبية بأنها ملفقة دون معرفة الأسرة اللغوية التي تنتمي العربية إليها (اللغات الجزيرية) مغامرة ومقامرة بالسمعة العلمية لأساتذة لهم أثرهم العلمي المعتبر في واحد أو أكثر من مجالات البحث اللغوي الأربعة المذكورة أعلاه.
(18) كما أن لهذه الدعوات نتائج منها أن الأدب العربي وجميع ما تناهى إلينا بهذه اللغة الأدبية الملفقة، ابتداء بالشعر الجاهلي، ومرورا بالقرآن الكريم والحديث النبوي والأدب الأموي والعباسي والأندلسي .. وانتهاء بهذه التغريدة، إنما هو ملفق مثل اللغة الملفقة التي لُفِّق هذا الأدب بها!
(19) ولا يفوتني هنا أن أعاتب القائمين على الجامعات الخليجية لإهمالهم تدريس اللغات الجزيرية وأنظمة كتابتها وآدابها وتاريخ المتحدثين بها. فهذه اللغات خرجت، وهي المتحدثون بها، من رحم الجزيرية العربية! إن تدريسها وتخريج جيل متخصص فيها سيكون بمثابة الفتح للدراسات اللغوية العربية!
(20) كان أرسطو يقول: (أفلاطون حبيبنا، والحقيقة حبيبتنا، ولكن الحقيقة أحب إلينا). والحقيقة كالألماسة لها جوانب كثيرة من الصعب رؤيتها كلها دفعة واحدة، لذلك يبنى الباحث رؤيته للحقيقة بناء على بحثه وأبحاث أهل الاختصاص، وإلا فإنه سوف يرى جانبًا واحًدا فقط من جوانب الحقيقة الكثيرة!

جاري تحميل الاقتراحات...