Abdullah Almuqate, MD عبدالله المقاطع
Abdullah Almuqate, MD عبدالله المقاطع

@almuqate_at

85 تغريدة 87 قراءة Mar 19, 2020
#MG_ZEKE
نظراً للظروف القاهرة التي ألزمتنا بالمكوث بالمنزل، دعونا نستغرض الأفكار التي طرحها الفيلسوف #ديفيد_هيوم في كتابه "المحاورات" الذي يتناول أسئلة وثيمات إلهية/دينية، والذي نُشر بعد وفاته في عام 1779 تجنباً لتهمة الإلحاد التي شاعت في زمنه.
الكتاب عبارة عن حوارات تدور بين ثلاثة أشخاص يحملون آراء دينية فلسفية مختلفة:
- Philo صاحب الريبية الفلسفية
- Cleanthes مناصر الفلسفة التجريبية
- Demea مؤيد للفلسفة العقلية
وجاز التنبيه على عدة نقاط هنا:
١. التوصيف أعلاه موجز ومختزل، والحقيقة أن الحوار يكشف أن الشخصيات أكثر تعقيدا
٢. لا نعلم حقيقة موقف هيوم نفسه من الآراء المطروحة، ولكن جمهور الفلاسفة - بظني - يرجح بأن هيوم يميل لرأي Philo أكثر من غيره.
٣. نظراً للجزئية السابقة، سأسطر النقاط والردود من منظور ريبي، وتلخيصي - قطعاً - سيهمل الجانب البلاغي من الكتاب، ومن يريد أن يستزيد باستطاعته أن يرجع للكتاب
تدور المحاورات حول الأدلة المشهورة على وجود الله سبحانه وصفاته، ومنها:
* برهان الحدوث
* برهان الصديقين
* برهان النظم
* معضلة الشر
وعلى الرغم من قدم الكتاب، إلا أنه فتح آفاقاً فكرية لم تنضب برأيي بعد.
تنقسم الأدلة والبراهين العقلية على الله وصفاته إلى أدلة قبلية a priori وأدلة بعدية a posteriori، باعتبار الحاجة إلى التجرية الحسية للتقرير. ليس هناك تعارض بين النوعين، بل إن الكثير من اللاهوتيين يستحسنون النوعين.
من البراهين القبلية المشهورة كما تقدم برهان الحدوث وبرهان الصديقين، وكلاهما يعتمد على مبدأ السببية الذي ينص على أن "لكل شيء سبب" (بتبسيط)، وسأفصّل في هذه النقطة في موضعهاً، فلننظر الآن إلى البراهين كما طرحها هيوم، ولنحكم على سلامتها.
(لا يبدو لي أن هيوم تناول برهان الحدوث بشكل منفصل ومفصّل في هذا الكتاب، فسأختصره هنا)
*برهان الحدوث*
وهو ما يُعرف عند الغربيين اليوم بـ"البرهان الكلامي" نسبة لعلماء الكلام المسلمين، ويقوم على قياس منطقي يتكون من مقدمتين:
١. لكل حادث سبب
٢. الكون حادث
٣. اذاً للكون سبب (وهو الله)
فالمقدمة الأولى بديهية، وهي متسقة تماماً مع التجربة، فلا نجد شيئاً قد أوجد (مثلاً: إنسان) إلا لعلة (مثلاً: والديه).
والمقدمة الثانية مبنية على مفهوم "الحدوث"، أي الوجود بعد العدم، فـ(زيد) حادث أتى إلى الوجود في زمن ما، والسبب تزاوج والديه.
وقس على ذلك باقي الكون، ستجد (من خلال استنباطات أخرى لن أتطرق إليها) بأن كل ما فيه حادث، ولذلك الكون مفتقر لسبب يوجده، فإما أن يكون هناك علة أولى (نسميها "الله") أو لا.
لكن التسلسل اللانهائي محال، لأن يلزم بالقول بأن تلك السلسلة انتهت حتى يومنا هذا، فكيف ينتهي اللانهائي؟!
ولكن بعد النظر والتدقيق نجد بأن كلا المقدمتان لا تخلوان من مشاكل:
فالمقدمة الأولى ليست منطقية، لأن تصوّر بطلانها لا يدخلنا في تناقض، كما أنها ليست تجريبية تماماً، إذ أن ما نرصده بحواسنا لا يربو على تلازم للأحداث دون رصد للسببية.
وتذكر بأن النقد هنا موجه لـ[بداهة إدراك] السببية، لا لـ[ضرورتها] في عيش حياتنا اليومية (إلا إن أراد الخصم أن يستنبط الأول من الثاني، فهذا القدر من الشرح يكفينا الآن).
أما المقدمة الثانية، وهي أن العالم حادث، فتقوم على تصور ميتافيزيقي - بظننا - باطل، يقوم على مفاهيم "الذات والأعراض". أما التسلسل غير النهائي، فلا يلزم منا إلا القول بأن كل عامل في السلسلة يسببه العامل الذي يسبقه، ويسبب بدوره العامل اللاحق، فأين المشكلة؟
أما القول بأن اللازم من ذلك هو "انقضاء اللانهاية"، أو "انتهاء ما هو غير نهائي"، رأي غير صائب، إذ أن "الانقضاء" هو فرع من الحدوث والاندثار، فكيف نحاكم ما هو دهري بمفاهيم محكومة بالزمان؟
وقد يقول قائل هنا بأن السلسلة (ككل) مفتقرة لسبب. ولكن (يقول هيوم) هذا مطلبٌ غير معقول! فلنفترض بأن لدي 5 تفاحات، وسألتني عن مصدر كل تفاحة، أظن بأنه من الحماقة أن تسألني عن "مصدر التفاحات كمجموعة" بعد أن أشرح لك من أي جمعية اشتريت كل تفاحة.
*برهان الصديقين*
والأدق هو تسميتي إياه برهان الإمكان، ومقدماته كالآتي:
١. لكل موجود سبب
٢. الموجودات إما ممكنة (سببها خارج عن ذاتها) أو واجبة (سببها داخل في ذاتها)
٣. التسلسل والدور في الأسباب محالات
...
والنتيجة بعد التحليل والتدقيق تقتضي أن الوجود المرئي والحسي عموماً ممكن=
=الوجود، ذلك لأن وجوده ليس ضروري منطقي، فليس من التناقض مثلاً ألا يكون للتلفزيون وجود، وليس من التناقض فرض عدم وجود البيتزا. هذه أمثلة على "موجودات ممكنة"، والسبب الذي رجّح وجودها علماء ورجال أعمال عكفوا على تطويرها وصنعها.
ولو تأملت ستجد أن كل ما تعرفه "ممكن الوجود"، وتفتقر ذاته لعلة الوجود، فأوجده شيء آخر، وهكذا... فإن كان من المحال التسلسل في العلل، فإننا لا محالة سنقف عند السبب الذي تحتوي ذاته على الوجود، وهو "واجب الوجود"، ألا وهو الله سبحانه.
أن يكون الكون "ممكن الوجود" هو أمر لا ريب فيه، كما ما تقدّم، فكل الموجودات من الممكن تصوّر وجودها أو عدمها، فما الذي رجح وجود الكون على عدمه؟
- الصدفة؟ كلمة لا معنى لها
- العدم؟ ولكن كيف للعدم أن يسبب أي شيء؟ هذا كلام غير معقول
- واجب الوجود، والذي وجوده ضروري عقلا ومنطقا.
هذا البرهان ليس بمنأى أيضاً من النقد الذي يكشف عيوب مقدماته:
- فقد تقدّم منا نقد القضية التي تنص على استحالة التسلسل.
- لدينا مشكلة مع مفهوم "واجب الوجود"، إذ أننا لا نرى في قسمة الموجودات تلم قسمة عقلية مقبولة، فكل الموجودات التي أتتنا من التجربة تقبل (تصوّراً) القبول والعدم=
=فكل ما هو موجود يقبل العدم، ما هو في العدم يقبل الوجود كذلك، أما الضرورة فهي صفة تتحلى بها القضايا التي يؤدي تكذيبها إلى التناقض، فالعبارة ١+١=٢ قضية ضرورية، أما زيد أو محمد (أو أي موجود بتجربتنا) فليس بضروري، ولذلك "واجب الوجود" مجرد كلمات لا معنى لها.
ثم إن كانت "الضرورة العقلية" والتي يأمل اللاهوتي أن يراها تتحقق في برهانه هذا مطلبه الأسمى، لماذا لا نقف عند العالم المادي ونسميه "واجب الوجود"؟ والقصد هنا ليس محاولة لتفسير خاصية من خصايا المادة - إذ أن الفاهمة البشرية غير مهيئة لإدراك ذلك=
فإن كل التساؤلات التي تطرأ علينا عندما نتدبر العالم المادي، يمكن إسقاطها على الإله، فلا فائدة معرفية ولا سبب عقلي يجعلنا أن نفترض وجوده.
يقول الخصم بأن الله مختلف هنا لأن الوجود داخل في ذاته، بينما الواقع المادي - الذي يعج بالظواهر المتغيرة التي تسبب نشأة الأشياء ودمارها في سياق=
=مادي، تختلف عن طبيعة الوجود في حال الإله. هنا، نتوسل الخصوم بأن يشرحوا لنا كيف يكون الوجود جزء من الماهية؟ وهل أدركوا طبيعة الله وماهيته؟ ما هو السر الذي يجعل من وجود الله وجوداً واجباً، بينما الوجود في حالة الأشجار مثلاً هو وجود ممكن؟
ولا نعتقد بأن الخصوم على قدر من الغرور يجعلهم يصرون على أنهم يدركون ذات الله، وكأن الله عندهم كأي جهاز إلكتروني من إنتاج البشر. يقولون بأن الله واجب الوجود. نكرر: ولكن كيف يكون الوجود واجبا؟ فإن لم يجيبوا بحجة أن الله أعظم من أن نحيط بذاته، وأن كل ما يستطيعه العقل هو إثبات وجوده=
وهو ما نتفق معهم عليه. لكن لماذا لا نقول ذلك عن العالم المادي؟ وأن المادة واجبة الوجود، لطبيعة أو لصفة لا ندركها؟
ومن هنا يتبين لنا بأن البراهين القبلية عموماً تشوبها مشكلة، وهي افتقارها للضرورة المنطقية (وقد فصّل هيوم في هذه النقطة كما نقلت في ثريد آخر).
عرضت الأدلة القبلية على عجل، وهي أدلة تهدف لإثبات وجود الله دون التطرق إلى صفاته. لكن مادة المحاورات تتناول بشكل رئيسي الأدلة البعدية على صفات الله، وعلى رأسها حسن النظام الكوني (برهان النظم) ولها بُعد آخر في البت في وجوده كما سنرى.
*برهان النظم*
وهو برهان يقوم على التجربة، التي يقبلها كافة الفلاسفة، وله عدة أشكال منها ما يُعرف اليوم بـ"برهان التصميم" Design argument، و "برهان الضبط الدقيق" Fine-tuning argument، الذي يستنبط وجود الله وصفاته من تدبر الكون ودراسته.
فلنضرب المثال بـ"التلفزيون"، الذي نراه من الخارج على أنه مجرد صندوق ملّون، يستقبل عبر الأثير موجات ويترجمها لصورة وصوت. لكننا إن أمعنا النظر فيه، وجدناه آلة معقدة جداً، تحتوي على دوائر كهربائية منضبطة ضبطاً دقيقاً، ولكل جزء هدف وغاية، ولو اضطرب النظام قليلاً لتعطل الجهاز.
وكلما أطلنا النظر انكشفت لنا من تفاصيل الدقة والتوازن ما يثير الاعجاب، فكيف نفسّر وجود التلفزيون؟ الجواب بسيط وبديهي: التلفزيون من صنعة الإنسان.
فلنأخذ العناصر التي يتكون منها التلفزيون، ونرميها في سكة أو مخزن، سنجد بالتجربة أنها لن تتجمع من نفسها لتكوّن تلفازاً=
=بل في كل مرة وجدنا فيها تلفزيون وجدنا معه إنساناً أو مجموعة بشر تعاونوا على صنعه وتركيبه، وهذا استقراء لا يعارضه إلا أهبل أو مجنون.
لكننا إن تأملنا الطبيعة وجدناها لا تقل دقة وانضباطاً عن التلفزيون.
بلايين الكواكب التي تسير بانضباط ودقة، منها كوكبنا الذي يعج ببيئة معقدة جداً، كلما أمعنا النظر فيها وجدناها تتكون من عوالم متّسقة، حتى لو حصرنا النظر في "خلية واحدة" سنجدها تحتوي على درجة مبهرة من الضبط والتعقيد، كأنه تلفاز داخل تلفاز، ولو أن الخلية تفوق التلفزيون تعقيداً.
ويقول المحاجج هنا بأنه ما من عاقل يشكك بالمبدأ الاستقرائي الآتي: "النتائج المتشابهة تثبت أسباباً متشابهة"، وهذا صائب. في المثال: كلما رأينا تلفزيونا انتقل الذهن تلقائياً لربطه بالإنسان لا بشجرة أو بحيوان. وبما أن الكون يشبه التلفزيون بالنظر إلى الدقة والتعقيد، فإن صانع الكون=
=لابد وأن يكون مطابقاً لصانع التلفزيون من جهة؛ لكن نظراً لعظمة الكون غير المتناهية مقارنة بالتلفزيون، فإن الله يفوق بصفاته وقدرته الإنسان، فلا مجال حتى للمقارنة، فمن ينظر إلى الكون ويتدبره سيرى في خلق الله جماله وكماله وقدرته وحكمته.
وباختصار البرهان هنا يستند على مقدمتين:
١- قياس الغائب على الشاهد: أي أن الحوادث المتشابهة تكون من أسباب/علل متشابهة
٢- الكون مُحكم النظام ويحتوي على نُظم لامتناهية (مجازاً) بإحكام منقطع النظير
المقدمة الأولى لا يرفضها إلا مغفل
والمقدمة الثانية لا ينكرها إلا أعمى
فكيف سيجيب هيوم؟
من المستحيل أن يمنع هيوم أي من المقدمات لأنه استنبطها كلها بنفسه من منهجه التجريبي!
لكن نقده المدمر للحجة يبدأ بقبوله المطلق، ثم إصراره على استنباط كافة النتائج المنطقية منها دون تردد أو تهاون.
إن من شروط صحة المقدمة الأولى هو الدرجة العالية من التشابه بين الحوادث، وإلا فقدت المقدمة حجّيتها المنطقية بدرجة الاختلاف بين الحوادث.
على سبيل المثال: إنك تعلم بحكم التجربة، أن السيارات هذه كلها صنعة ألمانية، لأنها كلها تصنف على أنها "بورشة"، باستثناء الحمراء التي تشبهها ولكن لدرجة محدودة أقل من الأخريات، ولذلك فإن القياس في حالتها أضعف (يتضح هنا أن السيارة الحمراء أمريكية وليست ألمانية)
فكيف يُقارن الكون بالصنعة الإنسانية؟ هذا هو الشق الأول من نقد هيوم لدليل النظم.
أولاً: ليس في البرهان السابق قياس الغائب على الحاضر، بل قياس الكل على الجزء. في حالة التلفزيون، إننا نرى صنعته بتحويل أجزاء من الكون إلى أجزاء أخرى، أو بمعنى آخر "إعادة ترتيب لمادة موجودة سابقا"
ببيان آخر: هذه مغالطة منطقية تسمى "مغالطة التركيب". مثال: الصوديوم خطر جداً وقد يسبب حروق للجلد، وكذلك هو الحال مع الكلورايد، لكن المركب (صوديوم الكلورايد) هو الملح الذي نضيفه لطعامنا كل يوم. فليس كل ما يصدق على الجزء يصدق كذلك على الكل.
ثانياً: كيف عرفنا أن التلفاز صنعة بشرية؟ الجواب: لأننا رأينا إنسانا يصنعه ويطوره! فهل رأى أحدنا الكون وهو يُخلق؟ لا، بل إن خلقه غير مشهود (ولا يستدل عليه لبطلان الأدلة القبلية). لدينا التجربة مع خلق التلفاز، لكن لا تجربة لدينا مع خلق الكون.
ثالثاً: المقدمة الثانية مبنية على استقراء ضعيف، فنحن نرى بدائع الخلق والنظام على الأرض، لكن ماذا عن بقية أنحاء الكون؟ ماذا عن حال الكون قبل ولادة الإنسان، وكيف سيكون بعد رحيله؟ على أي أساس نزعم بأن "النظام" هو صفة يتصف بها الكون وليس عارض مؤقت جداً تلازم مع وجود الإنسان؟
رابعاً: إن هذه الحجة تُساق ممن هو متحيز مسبقاً، لكن تخيّل لو أتينا بشخص لم يسبق له أن رأى كوكبنا من قبل، ماذا سيرى؟ تقول بأنه سيرى بدائع الصنع والإتقان في الطبيعة - لكني أقول بأنه سيرى أيضاً شواهد الدمار والقتل والفوضى. كل حيوان يقتات على جثة الآخر، حيوانات تتطور وأخرى تندثر=
=منها من يأكل صغارها، ومنها من يفتك بصغار غيره، غابات تحرق، وفيضانات تدمر ممالك بشرية وحيوانية، وإذا نظرنا للإنسان الذي تسيّد الأرض وجدناه قد أُبتلي بالأمراض العضوية والعقلية. هذه ظواهر لا ينكرها أحد. قد يقول الخصم بأن الضبط هو القاعدة وأن الإنحطاط هو عارض عليه. لكن على أي أساس؟!
حتى الآن، لم يدحض هيوم هذا القياس، بل إن حجته هي أن القياس "ضعيف"، ولذلك هو أبعد من أن يكون "برهاناً" على أي شيء. نعم، الكون يشبه الصنعة البشرية بعض الشيء وبنحوٍ ما. وللقياس بشكله هذا نتائج مثيرة جداً سنعرضها لاحقاً بعد الإنتهاء من سرد ما تبقى من ردود.
الشق الثاني من النقد مبني على نتائج القياس الذي تقدّم ذكره. قلنا بأن التلفزيون والكون حوادث متشابهة، ولذلك علتهما متشابهة، وبما أن الإنسان هو من صنع التلفزيون فالنتيجة هي القول بصانع للكون يشابه الإنسان.
...
لكن يشابهه من أي نحو؟
إننا نعلم بأن التلفزيون، قبل صنعه، يسبقه الوجود الذهني، فالصانع أو المخترع يبدأ صنع التلفزيون وهو لديه تصوّر ذهني عن كيفية صنعه، منطلقاً من إدراكه لطبيعة التلفزيون والظواهر الفيزيائية والطبيعية التي بُني عليه تصميم التلفزيون.
ومن هنا قد يستنبط الناظر بأن الله "عقل" أو "روح"، تتصف بصفات الكمال.
لكن هذا الاستنباط معيب لأنه سيفتح علينا أبواب وتساؤلات لا إجابة لها.
ما هو العقل؟ ومن أين عرفناه؟ أظن بأن الإجابة واضحة: إن كنت تقرأ كلامي هذا فأنت ملم بالمقصود بـ"العقل"، والحركة الذهنية في المعقولات والتصورات
والقارئ يعلم كذلك بأن عقله في حركة دائمة، ويتنقل بين الأفكار لحظياً، وهذا الانتقال لا يكون إلا في زمان، فهل عقل الله تنتقل فيه الأفكار كما هو حاصل عندنا؟
وكما أننا نعرف بأننا غير محصنين من الخطأ أو السهو أو الخلط، بل إن هذه هي طبيعة العقل كما نعرفها=
=فهل الإله الذي يشبهه الناظر بالإنسان معرض لقدر مشابه من العيوب، خصوصاً بعد النظر في المشاكل والمصائب التي تشوب هذا الوجود (كما تقدم ذكر نبذة منها)؟
كما أن عقل الإنسان يعج بالمشاعر، كالغضب، والرضا، والحب، والكره، والامتنان، والغضب، وهي مشاعر رهينة الظروف والحدود التي يجد الإنسان نفسه فيها، فهل من المنطقي أن نصف بها الإله؟
كما أن العقل يحتوي على عدة أفكار مجتمعة في دماغ واحد، والناظر المنطّر يدعي بأن الله "بسيط"، فكيف نشبهه بالإنسان بعد ذلك؟
ثم إن أردنا تحري الدقة وجدنا بأن العقل لا يوجد إلا ملازماً للمادة (ألا وهو الجسم)، فهل نقول بأن لله جسم أيضاً؟؟
ولو سلّمنا بأنه "عقل"، ويقول اللاهوتي بأن الله عقل أزلي بسيط وغير متغير، فنقول بأن العقل الذي لا تطرأ عليه الأفكار ولا تتتابع في زمان ومكان ليس عقلا إطلاقا، بل هذا هراء لا معنى له. إذ لا معنى للـ"عقل" إلا في الظروف التي رصدنا فيها نشاط الإنسان الذهني، محكوم بالزمان والمكان.
هنا نجد بأن الدليل المذكور يقودنا للاستدلال على إله مجسم، مركب، متغير، وناقص، وهو مناقض للإله الذي يؤمن به الموحدون اللاهوتيون.
أما البديل هو تنزيه الصانع عن كل الصفات، وأنه أعظم من أن ننسب له - نحن المخلوقات السفلى - أي صفة مبنية على فهمنا القاصر.
ونستأنف البقية قريباً...
[يتبع]
في هذه الرقعة الصغيرة من الكون، وفي سياق القياس الذي يسعى لتفسير النظام الكوني ودقته، افترضنا بأن الله يشبه الإنسان (إذ أن هذا من مقتضى القياس، وهو قول اللاهوتي لا قولنا). لكن كيف انتقلنا منها إلى الجزم بأن المبدأ المنظم هو بالضرورة عقل؟ هذه قضية لا دليل عليها.
وفي هذا السياق نجد مقوله هيوم التي أسيء فهمها كثيراً، إذ يقول: "ما هذا الإمتياز الذي نضفيه على الهيجان الذهني الذي نسميه "التفكير"؟". نعم، "النظام" و "الضبط" هي مفاهيم ندركها مما يصنعه الإنسان، كالأجهزة والأسلحة والمعمار والتكنولوجيا. لكن لماذا نجعل [عقله] السبب الجذري للنظام؟
بالإضافة إلى العقل كمبدأ جذري لنحكم على الكون من خلاله، هيوم يذكر ثلاثة مبادئ أخرى: الفطرة instinct، النباتية vegitation، والحيوانيةgeneration، وهيوم يعترف هنا بقصر معرفته بأن كل هذه مبادئ لا تُعرف من ذاتها (إذ أن الفاهمة قاصرة عن ذلك) لكنها تُعرف من آثارها المرصودة.
وهذه المبادئ مرتبطة بنوع القياس المستخدم.
مثلاً: تكلمنا عن تشبيه الكون بالتلفزيون (او أي صناعة أخرى) ورأينا بعض النتائج المنطقية. لكن ماذا لو شبهنا الكون بالحيوان؟ إذ أن تركيبة الحيوان تشتمل على الضبط والتعقيد كذلك، وبذلك يقاس سبب الكون بسبب وجود الحيوان.
لكن ما الذي يوجد الحيوان؟ الجواب سهل: يوجده حيوان آخر عن طريق التزاوج والولادة. وكما أن لكل حيوان "جسد محسوس" و "روح تحرّكه"، يجوز لنا أن نفترض بأن للكون "روح" تحرّك ما يحتوي عليه ألا وهو "جسده"، كما قال الشاعر اليوناني هيسيود.
هنا نفسر نشأة الكون دون الحاجة للاستعانة بـ"عقل".
بل إننا لو تأملنا لوجدنا بأنه ما من عقل إلا ووُجد عن طريق التكاثر الحيواني، ومن يعترض فليأتينا بعقل دون جسد! ولذلك، يجوز لنا أن نقول بأن "الحيوانية" اكثر أصالة من العقل.
أو أن يكون الكون - كما قال البراهمة - أتى من نسيج عنكبوت عملاق، حاك الكون بخيوط من بطنه، وقد يضحك=
=البعض من هذا الافتراض، ولا سبب لاستخفافهم به إلا لاستخفافهم بالعنكبوت. لكن إن لم يكن العنكبوت محوراً للكون، لماذا تظن نفسك أيها الإنسان محوراً له، فتقارن نفسك بالمبدأ الذي يقوم عليه الكون؟ ما الذي يميزك عن باقي الحيوانات وأنت تضاهيها حقارة ووضاعة؟
وقد يكون الكون -في طبيعته- أقرب للنبات من الحيوان والإنسان (ذلك بأن الكون مفتقر للحواس كالحيوان)، فكما أن الشجرة تنمو ثم تزهر فتحمل الرياح البذور لتنبت شجرة جديدة في مكان آخر، قد يكون كوننا هذا نتيجة "بذرة"، غيره بذور عديدة، ونرى أن اليوم هناك نماذج فيزيائية تبحث مثل هذه الفرضيات
وهذا غيض من فيض، فالله أعلم كم من "المبادئ" بمقدرتنا أن نستنبطها من واقعنا اليوم لنسقطه على الكون ككل ليصبح "مبدأ" يفسر وجود الكون ونظامه، وما "العقل" إلا أحدى هذه المبادئ التي لا امتياز لها على المستوى الكوني.
لن تروق هذه الافتراضات لكثير من اللاهوتيين، الذين يقذفون هيوم بالرجعية واللاعقلية وغيرها من الاتهامات التي لا حجة فيها، وقد يقولوا بامتعاض "أنت قلت لنا بأن الكون نشأ عن طريق النبات، أو من نسيج عنكبوت، فمن أين أتى النبات، ومن أين أتى العنكبوت؟"
هيوم ذكر هذا الاعتراض مستغرباً، قال "لي الحق كذلك ان أسألك من أين أتى "العقل" الذي تسميه العلة الأولى، فكيف يكون افتراضك أفضل من افتراضي؟!"
إننا إن نظرنا إلى بنية العين مثلاً، وهو مثال يناقشه هيوم شخصياً، سنجد فيها تركيباً مذهلاً، يتصف بالدقة والإتقان، فكيف لهيوم=
=أن يدرك هذه البنية المذهلة ولا ينتقل ذهنه مباشرة لافتراض مصمم؟!
هيوم يعي ذلك جيداً، ويعترف ببداعة البنية، ويسأل "لكن من أوجد المصمم؟ إن قلت لي "وجوده من ذاته"، سأسألك:ولماذا لا نقول بأن المادة في هذا الكون تحتوي على علة النظام في ذاتها؟ لماذا نخطو خطوة إضافية لا فائدة منها؟"
بل إنها خطوة تزيد من حيرتنا وتساؤلنا ولا تقلله. إذا كان نظام العين دليل على منظّم، فمن أين أتت الأفكار التي من خلالها خلق هذا النظام؟ وكيف ترتبت تلك الأفكار؟ كيف تقول بأن افتراضي غير معقول عندما نرى أن افتراضك ليس بأفضل من افتراضي بأي شكل من الأشكال؟
ما الذي نستخلصه من هذا النقاش الطويل والمعقّد؟
النتيجة التي يريد أن يثبتها هيوم هي أن هذا الموضوع عصيّ عن الحسم، لأننا نفتقد للتجربة الحسية اللازمة، وفي هذه الظروف العاقل هو من اعترف بجهله وقال "لا أدري" ??‍♂️
لقد ناقشنا حتى الآن، في سياق دليل النظم، الصفات الطبيعية التي قد يتصف بها موجد الكون، لكن ماذا عن الصفات الأخلاقية؟ هنا يلتفت هيوم (على لسان Philo) إلى معضلة الشر.
*معضلة الشر*
إن من يتأمل الطبيعة سيجدها تعج بشتى الشرور، ابتداءً من شقاء الحمل والوضع، وانتهاءً بحتمية الموت وفراق الأحبة. الطبيعة مليئة بالسلالات الحيوانية التي تتنافس على البقاء، فيفترس بعضها بعضاً بكل وحشية وقسوة. وهل يعتبر الإنسان استثناء من ذلك؟
حتى بعد أن أمّن الإنسان سلالته من الأخطار الطبيعية، أصبح الإنسان اليوم عدو نفسه، فأصبح الإنسان يكذب ويخون ويستغل نظيره الإنسان، وإن آمن الإنسان شر أخيه، أصابته الأمراض والظروف القاهرة والمصائب الطبيعية كالفيضانات والزلازل وغيرها.
إننا لو أتينا بشخص لم يسبق له أن زار عالمنا، لرأى السجون المكتضة بالمجرمين، والمستشفيات المليئة بالمرضى، وبقية الناس الذين رهنوا حياتهم وأحلامهم رهن ضروريات الحياة، وشعوب تعيش الفقر والقهر تحت قيادات استبدادية. ولو أشرنا بعدها بمظاهر الترف في الحياة كالموسيقى والسينما لظن أننا=
=منه ساخرون. وعلى الرغم من هذا الوجود المظلم، فإننا نخشى الموت أكثر من أي شيء آخر، فهنا نحن هنا عالقون في حالة من الخوف والجزع والضجر. ولنوجز، نقول: إن العناء يعم هذا الوجود، والإنسان ليس مستثنى من ذلك، فهو يحارب الطبيعة من جهة ويحارب بني جلدته من جهة أخرى.
ثم يطرح هيوم صياغة أبيقور لمعضلة الشر: -هل الإله يريد منع الشر، لكنه غير قادر؟ إذاً، الإله عاجز.
-هل الإله قادر على منع الشر لكنه لا يريد ذلك؟ إذاً الإله شرير.
-هل الإله قادر ومريد لمنع الشر؟ إذاً، من أين أتى الشر؟
إن الغاية في الطبيعة (يقول هيوم) ليس الخير بل استمرار النسل فقط
هنا نجد اعتراضين شهيرين. الاعتراض الأول هو أنه - باعتراف هيوم - تجربتنا محدودة جداً، إذ أن حصيلتنا من التجربة لا تُعمم، فما أدرانا بما يخبؤه لنا الدهر، أو أن ما سنلاقيه من إحسان وإنعام بعد الموت قد يجعل من شرور الأرض الحالية شيئاً لا يُذكر؟
هيوم يوافق خصمه، لكنه يقول بأن هذا افتراض لا أصل له، إذ أن افتقادنا للتجربة يحتم علينا تعليق الأحكام لا التنظير الأعمى. إن هذه الفرضية [متوافقة] مع طبيعة تتصف بالخير، لكن علينا [اثبات] ذلك أولاً.
أما الاعتراض الثاني الذي ساقه الفيلسوف الألماني لايبنتز، وهو أن عالمنا هذا هو "أفضل العوالم" الممكنة، وهيوم يرى هذا التنظير هروباً من الواقع. ما الدليل على أن موت ابنائك من الحروب والأمراض يعد جزء من كمال هذا العالم؟ ومن سيقبل، وهو يحتضن صغار ورضع ساقتهم قسوة الوجود إلى موت مبكر=
=أن "هذا هو أفضل من أراده الإله"؟
إن العاقل هو من نظر إلى الطبيعة وبنى افتراضاته على ما يعلمه، لا على ما يجهله. فلو أتينا بشخص من عالم آخر ليحكم على عالمنا هذا، هل سيجده متّسق مع ما نفترضه من صفات للخالق؟
هناك أربعة عوامل ترجع لها مآسي الوجود، وليس في أي منها أي ضرورة.
١. فيسيولوجيا الألم. كما قلنا، إن الغاية الأولى والأخيرة للحيوان هي الحفاظ على النسل، والإنسان ليس مستثنى من ذلك، فيحركه شعور النقص والحاجة والافتقار، ويمنعه الألم والخوف، وهو في العموم بين الحالتين أسير.
لكن الألم أكثر المشاعر حدة وشدة، فساعة واحدة من الألم لا تضاهيها ساعات من السعادة، هذا دون اعتبار الحالات التي يكون فيها الألم مزمن لخلل فسيولوجي أو تعذيب أو غيره. فلماذا خلق الألم؟ لماذا لم يخلق الإله حيوانات تستجيب لدرجات متفاوتة من السعادة دون الحاجة للشعور بأي آلام؟
إنه من الممكن تماماً أن يكون الحيوان قادراً على إدارة شؤون حياته بأمان ونجاح دون الحاجة للألم كإحساس.
٢. وجود القوانين الطبيعية، والتي تؤدي بالضرورة إلى الشرور، فلماذا لا يكون الإله مشرفاً مباشراً على الخلق دون وضع قوانين تحتم علينا بعض النتائج المؤسفة؟
٣. عدم الدقة في ضبط الظواهر الطبيعية، فأنا (أي هيوم) أتفهم ضرورة وجود الرياح (كقوة عاملة في الطبيعة)، لكن ما الجدوى من الأعاصير؟ أتفهم الحكمة من الأمواج، لكن ما الحكمة من الفيضانات؟ إن الكثير من الظواهر الطبيعية نجد فيها زيادة أو نقصان يؤدي لأشكال المعاناة والضرر.
٤. تصميم الكائنات. إننا إن أمعنا النظر في المخلوقات سنجد وكأنها صممت بدقة لتؤدي الوظائف اللازمة لاستمرارها بإحكام. ولكن كم من السهل أن يفسد جزء صغير من هذا التصميم فينهار الحيوان بأكمله، فكم من حيوان فقد فرص النجاة والاستمرار لكسر في رجله، وكم تعرض الإنسان لأمراض لا حصر لها لخلل=
=بسيط جداً في الحمض النووي، فلماذا خلق الإله الكائنات بهذا الضعف؟ لماذا لم يخلق فيهم آليات إضافية فيزيد من قوة وعزم الحيوانات؟
وباختصار، إن أغلب الشر والمعاناة في هذه الطبيعة يرجع لهذه الأسباب الأربعة (وقد يكون هناك غيرها أيضاً)، وليس في أي منها أي ضرورة.
هذا وقد تبقى من الثريد الآتي:
١- المزيد من النتائج المنطقية لزعم النظم، والافتراضات القائمة على هذا الدليل.
٢- سنناقش رأي هيوم بالإلحاد
٣- ما هو الموقف الفلسفي الأمثل لمثل هذه الأسئلة؟
٤- كيف نستفيد من هذا الطرح لهيوم في يومنا هذا؟
...
يتبع...

جاري تحميل الاقتراحات...