في أحد الصباحات الصيفية قبل أكثر من 700 عاما اجتمع زعماء ثلاثة دويلات تقع في قلب "أوروبا" وبعد مفاوضات طويلة خرج الزعماء أمام شعوبهم ليعلنوا الاتحاد تحت شعار "أمة واحدة ذات رسالة خالدة" 1
وفي هذا اليوم أكد الزعماء على تأسيس دولة واحدة قوية تقوم على مباديء "الأُخوة" و"الهوية الواحدة" و"التاريخ المشترك" للشعوب الثلاثة وبعد أيام ظهر أروع أناشيد هذه الدولة الجديدة وهو نشيد (وطني حبيبي.."سويسرا" الكبرى) تلاها انتشار واسع للأغنية السويسرية الشعبية (وحدة ما يغلبها غلاب)2
بكل أسف شديد لم يحدث شيء من هذا ، واعتذر عن إفساد القصة التي يميل العقل الجمعي العربي إلى تصديقها ، فعندما قام "الإتحاد السويسري" في الأول من أغسطس عام 1291 كان المبدأ الوحيد هو (المصالح المشتركة) فقط لا غير، وكان الهدف الأساسي صد أي غزو عسكري 3
ولم يتحدث الزعماء الثلاثة إلى بعضهم البعض بصفة "الشقيق" ولم يرفعوا شعار "أمة واحدة ذات رسالة خالدة"ولم يغنوا بالطبع أغنية "وطني حبيبي" 4
ومع ذلك نجحت هذه الخطوة السياسية فانضمت أقاليم أخرى للاتحاد السويسري الذي يتكون حاليا من 26 إقليما يضم أعراقا متباينة ولغات مختلفة ومذاهب دينية متنافرة وهو وضع لا تتفهمه العقلية العربية التي تميل إلى التخلص من أي اختلاف أو تباين بدلا من التعايش معه .5
الوضع السويسري المزري في نظر العقلية العربية أدى إلى إزدهار دولة "سويسرا" دون أن يضطر "الكاثوليك" لإبادة "البروتستانت" أويتم فرض اللغة الألمانية على الأقاليم الناطقة بالفرنسية ولم يتطلب الأمر تذكير الشعب السويسري من حين لآخر بأنهم "أشقاء"وأن الواجب تجاه "الأشقاء" يتطلب كذا وكذا.6
بعد قرون طويلة وعلى نفس مباديء الاتحاد السويسري تأسس الاتحاد الأوروبي دون أن ينشد المواطن الأوروبي "بلاد أوروبا أوطاني وكل الأوروبيين إخواني" ، فلماذا أخفق الأوروبيون وقبلهم السويسريون في الاقتداء بالأمة العربية ؟ 7
الإجابة ببساطة هي أن الأوروبيين فتشوا في قواميس العلاقات الدولية كلها فلم يجدوا كلمة "الأشقاء" بل وجدوا "المصالح" ثم توصلوا إلى ضرورة رفع لياقة شعوبهم بالتدرب على الاختلاف داخل الدولة الواحدة عن طريق تطبيق نظام غريب وغير مألوف يُسمى "الديمقراطية" 8
ومع استيعاب الاختلافات الداخلية بالديمقراطية هذه أصبح من الممكن استيعاب التباين الحاد مع دول أخرى ذات هويات ثقافية مختلفة ، أما أمتنا الخالدة ذات الرسالة الواحدة فقد أصرت على تطبيق مبادئها الأصيلة التي تعود إلى زمن "داحس و الغبراء"، 9
وكونت فكرتها عن الوحدة بناءا على حجم عمامة السلطان العثماني ، فكلما كبرت العمامة وكثرت تلافيفها كلما أصبحت الوحدة أشد رسوخا ، وليس في هذا الكلام من المبالغة إلا القليل10
فمن يظن أن هناك تنافرا حادا بين التيار القومي العربي وتيارالإسلام السياسي عليه أن يدرك أن كلا التيارين توأم غير متماثل ولد من رحم فكرة الخلافة ، فوجود دولة موحدة تحت قيادة خليفة واحد كانت الدافع لمحاولة إعادة بناء هذه الدولة بالصيغة القومية تارة وبالصيغة الإسلامية تارة أخرى 11.
وفي الحالتين كانت العواطف الحماسية سيدة الموقف أما الحسابات العقلية فهي كالمعتاد في عالمنا العربي خارج الحسابات ونتيجة هذا "الحلم العربي" الذي أدخل مصطلح "الأشقاء" في عالم العلاقات الدولية أصبح تدخل أي دولة شقيقة في شؤون شقيقتها أمرا واجبا بحكم مباديء الأسرة العربية الواحدة 12،
وكحال الكثير من هذه الأسر تجد الأشقاء في صراع دائم لأتفه الأسباب لأن الروابط الأسرية ترفع سقف توقعات الشقيق من شقيقه.
إنه "العشم" الذي يخلط الأوراق ويجعل سعي كل دولة لتحقيق مصالحها مقيدا بموقف الشقيق ورأيه وميوله ،13
إنه "العشم" الذي يخلط الأوراق ويجعل سعي كل دولة لتحقيق مصالحها مقيدا بموقف الشقيق ورأيه وميوله ،13
وهو"العشم" الذي جعل من اتهامات الخيانة المتبادلة بين هذه الدول حالة مزمنة لا علاج لها .
العلاقات السوية بين "الأشقاء" لا تقوم على المصالح ، هذا صحيح لكن من قال أن الدولة ككيان سياسي ينطبق عليها ما ينطبق على الأفراد ؟ 14
العلاقات السوية بين "الأشقاء" لا تقوم على المصالح ، هذا صحيح لكن من قال أن الدولة ككيان سياسي ينطبق عليها ما ينطبق على الأفراد ؟ 14
من أين نبعت هذه الفكرة التي حولت وصفا مجازيا للدول وهو" الأشقاء" إلى قاعدة في العلاقات الدولية؟
15
15
الذي جرى عمليا خلال عقود طويلة أن مصطلح "الأشقاء" هذا لم يجلب إلا الشقاق والشقاء ، لأنه كان سببا مباشرا في صرف الأنظار عن حقيقة المصالح المشتركة الكثيرة التي يمكن أن تشيد أساسا متينا للوحدة المنشودة ، أو على الأقل تؤسس لكيان متناغم سياسيا واقتصاديا يمتلك الثقل والتأثير الدوليين16
عندما تدرك شعوب هذه المنطقة الفرق بين العلاقات الدولية وبين الجلسات العرفية في القبيلة ، وحين يستوعب الحالمون أن دولة الخلافة التي تأسست في الماضي بالقوة العسكرية لا يمكن استعادتها بصيغة قومية أو إسلامية إلا بالقوة العسكرية أيضا وهو أمر مستحيل عمليا 17.
عندئذ سيتغير الواقع الذي نصر على التعامل معه بنفس الأدوات والأفكارالتي أثبتت فشلها بدل المرة 67 مرة .
18
18
جاري تحميل الاقتراحات...