أ.د/الشريف حاتم العوني
أ.د/الشريف حاتم العوني

@Al3uny

25 تغريدة 67 قراءة Mar 07, 2020
لا تستغربوا (مقال نشرته سنة 2014)
facebook.com
عندما يكون التشديد والتزمت هو الفقه السائد ، لا نستغرب أن يكون غالب خلاف المصلحين تيسيرا وتسهيلا ، ليكون فقه المصلحين في نظرنا فقه الذين يتتبعون الرخص ؛ لأننا قد أصبحنا نحن نتتبع التنطع والتزمت !
وعندما يكون التحريم مطلقًا هو دليل الورع ومتانة الديانة ، لا تستغربوا أن تكون الإباحة مطلقا دليل التهافت على الدنيا وخفة الديانة .
وعندما يكون التكفير هو دليل صفاء العقيدة وصلابة التوحيد ، لا تستغربوا أن يكون الكلام عن حرمة أهل الشهادتين فسادًا في العقيدة وإرجاءً من إرجاء غلاة الجهمية ( ولغير المتخصصين : الإرجاء عند العقديين : هي سُبةٌ عقدية ، والجهمية : هم – باختصار- قوم ما عندهم سالفة ! ) .
وعندما يكون سد الذريعة بالتحريم هو خط الدفاع الأول لحماية الدين، فسددنا به أنفاسَ الناس، لا تستغربوا إذا تجاهل فئام كبير من المجتمع الفتاوى؛وقالوا:استفت قلبك!لأننا ضيقنا عليهم ما وسعه الله،فلا حمينا الشريعة،وهدمنا سدودها،وفتحنا ذرائع التفلت من الدين، ونحن نظن أننا نبني السدود !!
وعندما يكون كل تشبه بالكفار محرما ، لا تستغربوا إذا وجدنا من يرفض التشبه بإنسانيتهم ، مع أن الإنسانية صفة تجمعنا جميعا ، وعندها ستجد من يتشبه بهم غير مبال بالفتاوى التي لا تعقل معنى المشترك الإنساني .
وقريبا كانت إجازة الجمعة والسبت (بدلا من الخميس والجمعة) حراما لأنها تشبه بالكفار ، ثم صدر القرار باعتمادها ، فخرست الألسن المحرمة ، وتشبهنا بالكفار على زعمهم ، فوجدنا هذا التشبه حلوا طيبا !!
وعندما يكون كل جديد يخدم الدين بدعة ، فلا تستغربوا إذا ما حرموا المآذن والمحاريب ، وحرموا أن تزيد درجات المنبر على ثلاث (كما وقع فعلا) !!
وعندما تصبح المرأة مبغوضة بسبب سوء فهم تعظيم النصوص لفتنة الرجل بالمرأة،وبيانها لشدة انجذاب الرجال إلى النساء،لا تستغربوا أن تصبح الدعوة إلى إعطائها حقها الإنساني في وجداننا تعاطفا مع الشيطان!مع أن المال من أعظم الفتن،وحذرت منه النصوص أعظم تحذير كذلك،وما زال القوم يحبونه حبا جما!
وعندما لا نعترف بأخطائنا ، ونجعل كل شيء مؤامرة ، لا تستغربوا إذا أصبح التحذير من المؤامرة هو نفسه مؤامرة ، ومؤامرة التحذير من المؤامرة هي نفسها مؤامرة ، في سلسلة مضحكة من المؤامرات .
وعندما نعتقد أننا نحن (حصريًّا) امتداد السلف والصحابة رضوان الله عليهم ، لا تستغربوا إذا قلنا إن أهل الجنة هم أهل منطقتنا ومن اتبعهم ( كما قال أحدهم ) .
وعندما نعتقد أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو شيخ الإسلام حصرًا ، بمعنى الانفراد بهذه المنزلة ، لا تستغربوا إذا أصبح علماء الإسلام كلهم صفرا على الشمال !
وقد كان شيخ الإسلام يعيب على النحويين تسليمهم المطلق لسيبويه ، وكان يقول : ما كان سيبويه نبي النحو ، فأظنه لو كان هو بيننا لقال لنا : ما كان ابن تيمية نبي السنة والسلفية !
وعندما نجعل الحفظ هو مقياس العلم،حتى قالوا: احفظ فكل حافظ إمام،لا تستغربوا إذا أصبح أئمتنا مسجلات تكرر ما قيل بغير فقه ، فيكون واقع المستفتي في واد،والفتوى في واد آخر ،وكأنك تسمع في الفتوى صرير أعواد الأقلام على الرق أو الكاغذ،لا صوت أزرار لوحة المفاتيح (الكيبورد) على(الكمبيوتر)!
وعندما يصبح تعظيم النص هو الظاهرية الجامدة والسطحية الجوفاء ، سيصبح فقه النص وعلم علله ومقاصده تحريفا للنصوص وتبديلا للشريعة ، حنى أصبح وصف (الفقه المقاصدي) شتيمة وانتقاصا .
وعندما يصبح الدفاع عن الإسلام بالأدلة العقلية عقلانية مذمومة (تقديما لنتاج العقل الظني على النص) ، سيصبح الإلحاد واللادينية هو دين شبابنا الذي تجتاحه الشبهات والشكوك من كل مكان .
وعندما يصبح طلبةالعلم يسألون ماذا قال ابن باز وابن عثيمين(رحمهما الله)ولا يفكرون في معرفةماذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد،فلا تستغربوا إذا وصفنا قولا اتفق عليه الأربعةكلهم بأنه من أقوال أهل الفساد، وإذا وصفنا قول جمهورهم بأنه دعوةللسفور والإلحاد في آيات الله(كما وقع فعلا)!
وإذا أصبح وعاظنا هم علماءنا ، فلا تستغربوا إذا ما قادوا أمتهم إلى الجهل والمعارك الطائفية .
وإذا أصبح الضال من أهل البدع المسلمين أكفر من الكافر ، فمن الطبيعي أن نستعين بالكافر عليه ، أو أن نرجو هلاكه على يد اليهود والنصارى ، ولن يكون ذلك عندنا خيانة ، ولا ناقضا من نواقض الإسلام (كما يزعمون في نكفيراتهم الجملية) .
فإذا استعان هو بالكافر علينا ، صار خيانة وعمالة وتاريخا أسود من التآمر ضد الإسلام والمسلمين . ولا نشعر (مجرد شعور) أن ذلك من ازدواج المعايير ومن الكيل بمكيالين ، وتختفي معالم العدل وتموت مشاعر الوخز في ضمائرنا !!
وإذا لم نفرق بين جماهيرية الفرقعات الإعلامية ومسايرة الجماهير فيما تحب ، وجماهيرية القبول العلمي لدى أهل العلم ، فلا تستغربوا إذا ما أصبح جهلة الوعاظ هم من يقود عقل الأمة ووجدانها إلى جهالاتهم .
وأما إذا كان دليل القبول عند الله كثرة من المتابعين والمعجبين في الفيس وتويتر ، فلا تستغربوا إذا شهد الناس بالجنة لبعض الفنانين والفنانات ولاعبي الكرة ، فهم أكثر أتباعا ، وأكثر معجبين .
وإذا أصبحت لحوم من نسميهم نحن علماء لحوما مسمومة ، ونستبيح بسبب سُميتها لحوم علماء آخرين يخالفونهم ، فلا تستغربوا إذا تسمم كثير من الناس بلحوم الناس جميعًا ؛ فنحن من سن لهم أكل لحوم البشر المسمومة .
وإذا حصرنا سبب تخلفنا في معاصي الشهوات واتباع الهوى فقط ، دون التفات إلى معصية التخلف العلمي وجريمة التأخر التقني وعار التراجع الحضاري ، فلا تستغربوا إن بقينا أضعف أمة على وجه الأرض ، وإذا أصبح النموذج القاعدي أو الداعشي هو نموذج الخلافة الراشدة في وجداننا .
في قائمة طويلة من الهموم ، كتبت جزءا يسيرا منها . وهي قائمة من فنون الحديث (التي يأخذ بعضها برقاب بعض)، لا لتمتعنا ، ولكن حتى تخنقنا، و(الحديث فيها يجر الحديث)، ليسحبنا على وجهنا غما وحزنا ، و(الحديث فيها ذو شجون) لا حنينًا يسعدنا بذكرياته ، ولكن جنونًـا يُصدِّع رؤوسنا بواقعاته!
ولكن يختصر الأمر : ما يقوله العامة بسلاسة ودون تعقيد : إذا عُرف السبب بطل العجب !

جاري تحميل الاقتراحات...