Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

19 تغريدة 165 قراءة Mar 02, 2020
أخطر من "كورونا"..
فيروسات قاتلة في مختبرات عمرها 40 عاما
"كورونا" يجتاح العالم ، يبث الرعب في النفوس ، يحصد ضحاياه دون تفرقة بين الجنسيات أو الأعراق أو الأديان ،أو بين الأخيار و الأشرار، وكأن هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعين المجردة يُلقي على البشر بدروسه وعظاته مستخلصا الحكمة من لحظة الموت ،1
ومع ذلك لا يستوعب الكثير من البشر دروسه ولا تلين قلوبهم لعظاته ، والسبب أن تأثير فيروس "كورونا" لا يكاد يُذكر أمام تأثير فيروسات أخرى ترعرعت في منطقتنا منذ عقود وتحورت وتطورت داخل مختبرات متخصصة لتصيب مجتمعاتنا بأمراض مزمنة.2
هذه الفيروسات تمتلك القدرة على قتل الضمائر وتدمير القيم الإنسانية وتحطيم المباديء الأخلاقية ويؤدي كل ذلك لقتل البشر أنفسهم ، نعم فهذه الفيروسات قتلت وتقتل من الناس أكثر مما تقتلهم الأوبئة ! 3
هل تستطيع إحصاء ضحايا الإرهاب بعد أن قضت هذه الفيروسات على ضمائر القتلة وحسهم الإنساني؟هل تعرف كيف ساهم قتل الضمائر في قتل البشر بإهمال طبي ورقابي أدى إلى إنتشار فيروس سي؟أو بمستورد جشع أطعم الناس أغذية مسرطنة؟ أوبسائق مخدر انطلق بأقصى سرعة في طريق سريع فتسبب في حادثة مروعة؟4
كل هؤلاء الضحايا نتيجة كارثة انتشار هذه الفيروسات التي تسللت الى البنية الأخلاقية للمجتمع لتنهش أساساتها وتترك قشرةرقيقة براقة تراها في المظاهر فقط تراها في الملابس المحتشمة والكلمات المثالية المزركشة والشعارات الأخلاقية الجوفاء لكن عند أول اختبار حقيقي للأخلاق سترى العجب العجاب
مع ظهور فيروس "كورونا" شاع الحديث على أن هذا الوباء عقاب إلهي للصين !! وظهرت جوقة الشامتين المعتادة وهي شماتة تعكس تجرد هؤلاء من أي حس إنساني يدفعهم للتأمل للحظات في صورة أحد ضحايا الفيروس من الأطفال الأبرياء مثلا،6
ومع إنتشار "كورونا" في البلدان الإسلامية تحول العقاب الإلهي بقدرة قادر إلى ابتلاء إلهي ، فهذه هي طبيعة عقولهم التي أنهكتها فيروسات 40 عاما مضت ، فالتبرير ولوي عنق الحقائق هي وسيلتهم الوحيدة للحفاظ على ما يعتنقونه من أفكار منزوعة القيم الإنسانية.7
هؤلاء وشماتتهم المقدسة هم من وضعوا الأساس لانتشار ظاهرة الشماتة العلنية في الموت ، فهم يعلنون عن شماتتهم بكل فخر كما لوكانت عملا يتقرب به المؤمن إلى الله .8
حبل الشماتة في الموت الذي يبدأ من دول الكفر (كما يسمونها) ويمر بشهدائنا الذين يقاتلون أذنابهم يصل إلى أي شخص مختلف معهم سياسيا ،فقد شمتوا في وفاة مفكرين وأدباء وفنانين فضلاعن شخصيات سياسية كان آخرهم الرئيس الأسبق(حسني مبارك)الذي لا يعني الإختلاف على سياساته بل ورفض أغلبها التنصل
التنصل من كل معاني الإنسانية لتكون لحظة وفاته تحديدا مناسبة لسبه وصب اللعنات عليه!
لو أطلقت العنان لخيالك قليلا سترى تطابقا تاما بين بذاءة الشامت في الموت وبين مشاهد التمثيل بالجثث التي اُبتلينا بها منذ سنوات ،10
وسواء في حالة التمثيل بالجثث أوسب المتوفى قبل أن يُوارى الثرى ستجد التبرير الشرعي وغير الشرعي جاهزا فهي نفس الضمائر التي خربتها الفيروسات القاتلة عبرعقود فشوهت مشهدا عاما جاء رسميا وشعبيا ليعكس القيم الأخلاقية المصرية التي تتوقف عند لحظة مفارقة الحياة لتستخلص منها العبرة فحسب11.
وقبل مشهد جنازة "مبارك"،ظهر تأثير الفيروسات القاتلة كذلك في كلمات تقطر بالكراهية "المقدسة" لأحد رموز هذا الوطن وهو أمير القلوب الدكتور "مجدي يعقوب" حيث إنبرى من في قلوبهم مرض ليمنحوا الخلائق صكوك دخول الجنة والنار12
ولأن توالي الأحداث وتنوع المشاهد يكشف الكثيرعند مقارنة كل مشهد بآخر ستكتشف أن نفس هؤلاء الشامتين في موت مخالفيهم هم الذين يلطمون الخدود ويشقون الجيوب حزنا على مقتل عشرات الجنود الأتراك في سوريا وليبيا 13
فنفس هذه الفيروسات القاتلة قد دمرت كل قيمة للانتماء باستثناء الانتماء لعقيدة فاسدة تستبيح الأوطان بإسم الدين .
مشكلة هذه الفيروسات التي انطلقت من أفكار دينية متشددة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي أن تأثيرها لا يقتصر على معتنقي هذه الأفكار ، 14
فالعدوى التي انتشرت عبر عقود مضت طورت هذه الفيروسات ونشرتها على نطاق واسع ، فمبدأ الكراهية المقدسة للمخالفين استهلك طاقة الحب في المجتمع واصبح أي اختلاف عداءا ، وتحول تباين وجهات النظر إلى صراع لا يقبل إلا بإفناء الطرف الآخر 15
ودفعت فكرة "انقسام العالم بين معسكرين أو فسطاطين هما فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان" إلى تغييب التنوع والتعددية لتكون رؤية المجتمع للحياة محصورة بين لونين فقط هما الأبيض والأسود فاصبح التعصب سمة تجاوزت التعصب الديني و المذهبي إلى ساحة السياسة وحتى ملاعب الكرة .16
إنها الأفكار المؤسِسة لقيم كل مجتمع ، بذور تُبذر وحصاد يُحصد ، وكما أنك في وقت الحصاد لا ترى بذور الشجرة المطمورة تحتها، كذلك حين ترصد سلوكيات الناس اليوم لا ترى الأفكار الأساسية الغائصة في تربة المجتمع ، والتي نمت وترعرعت منذ عشرات السنين لتتحول إلى ثمارمتنوعة من الحصاد المر 17.
فحسب ما تبذر من البذور يكون الحصاد.
ورغم قوة مناعة المجتمع المصري وقدرته على صيانة قيمه الأصيلة إلا أن شدة هجوم هذه الفيروسات تركت آثارها الواضحة على المصابين الذين لا يزالون ينشرون العدوى حتى اليوم دون أن يوضعوا في "الحجر الصحي" أسوة بمصابي "كورونا". 18

جاري تحميل الاقتراحات...