عدنان العبار
عدنان العبار

@Alabbar94

63 تغريدة 81 قراءة Feb 27, 2020
سأتناول في هذه {السلسلة} شذرات من الفلسفة السياسية لمدرسة شيكاغو للاقتصاد فيما يخص الوظائف الأساسية (أو اللائقة) للحكومة.
مدرسة شيكاغو هي أهم مدرسة اقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية. ولدى الجامعة ٣٣ خريج أو أستاذ حاصل على جائزة نوبل للاقتصاد — أكثر من أي مؤسسة في العالم.
سأتكلم في هذه السلسلة عن المجتمع واحتياجاته. ثم عن الدولة والحكومة. ثم عن الاقتصاد بشكلٍ عام وقوانينه. ثم عن مدرسة شيكاغو، ونظرياتهم عن الوظائف الأمثل للحكومة والوظائف التي يستطيع أن يقوم بها السوق.
وبعد ذلك سأتطرق على فكرة وأنواع الحقوق، وإلى أنظمة رأسمالية أخرى، وبعض المشكلات.
١) المجتمع.
العلاقة بين المجتمع والدولة هي علاقة تنظيمية. الدولة، في النهاية، هي مجموعة قوانين وأعراف يتفق الناس على الإذعان لها في حدود جغرافية معينة.
الحكومة هي الجهة التنظيمية، ونقصد في الحكومة والسلطة معنى جامع، سأعرفه في الفقرة الآتية.
ولكن أولا، لكل مجتمع متطلبات أساسية.
مثلًا، المجتمعات تتطلب حماية من الخطر الخارجي، وتتطلب مستشفيات أو وحدات لعلاج الأمراض حتى لو كان الطبيب هو شامان — أي معالج روحاني. ولو لم يكون هناك طبيب أو شامان، سيشغل أحدهم هذه الوظيفة مع الوقت بشكل طبيعي وتلقائي جدًا.
المجتمع يتكون من مجموعات، وهذه المجموعات تسعى للاكتفاء.
أخيرًا، يجب أن نؤكد على بعض الحقائق:
أ) مستحيل أن يعيش الفرد بمفرده ويقوم بكل الوظائف. مستحيل، أيضًا، على مؤسسة واحدة أن تقوم بكل الوظائف. المجتمعات مترابطة، وبينها علاقات اقتصادية واجتماعية يحل بها كل طرف مشاكل الطرف الآخر.
٢) الحكومة.
كما بينت سابقًا، المجتمع فيه قوى طبيعية وتلقائية تسعى للاكتفاء.
الدولة والحكومة هي أطراف أخرى للمعادلة. الدولة بتعريفها هي كيان مستقل وذات سيادة sovereignty.
وهذا يعني أن للدولة أكبر سلطة authority أو قوة في أي بقعة جغرافية معينة.
الدولة، بكل بساطة، هي الممارس الشرعي للقسر، للقوة، للإكراه.
عندما تصطاد قاتل، لا يحق لك أن تقتله إلا إن سمحت لك الدولة. ولكن الدولة دائمًا لها الحق في القتل، في السجن، في ممارسة السلطة.
الدولة، بالتعريف، هي الآمر الناهي، والأول والآخر من الناحية القانونية.
حاول الكثير من الفلاسفة محاولة فهم هذه الظاهرة الطبيعية—الدولة؛ وحاول أيضًا الكثير منهم شرعنتها.
فنرى في كتابات هوبز ولوك وروسو وهيغل وماركس عن طرق تكون الدول ومحاولة تاريخية لفهم، شرعنة، أو محاربة طريقة تنظيم الدولة أو طريقة السياسة.
في النهاية، الدولة لاعب أساسي في المجتمع.
والدولة تحدد القوانين وتطبقها. والقوانين التي تختارها، سواءً كانت وحشية أو مدنية، لها الحق الشرعي، بالتعريف، كدولة، في أن تطبقها.
لن أتفرع لأنواع الدول، ولكن سأركز على الدول الحرة، سواءً كانت ديموقراطية أم لا.
هناك عدة أنواع من الحرية. أنا شخصيًا لا أعرف إن كانت لدينا حرية إرادة free-will، ولكن ما يهمني هي حرية وجودية existential freedom؛ أي، حرية تحديد مصيري — حرية شكلية ولكن بوعيي حرية.
والأهم، التحرر من القوانين liberty.
والحرية تنقسم لثلاثة أصناف: حرية سياسية، ومدنية، واقتصادية.
الحرية السياسية هي حريتي في أن أغير القوانين إن لم تعجبني.
الحرية المدنية هي حريتي في أن أعبر عن آرائي وأن أتحدث وأن ألبس ما أريده.
والحرية الاقتصادية هي حريتي في أن أمارس أي مهنة لكي أكسب قوت يومي؛ أو أن أخلق كيان تجاري بوسعي أن أغطي احتياجات المجتمع.
٣) الاقتصاد.
علم الاقتصاد هو العلم الذي يبحث في خيارات الناس تجاه الموارد التي لها عدة استعمالات تحت ظروف الندرة، وفي عواقب هذه الخيارات—المدروسة وغير المدروسة.
الاقتصاد ليس عن المال وحسب، بل هو عن ما يفعله الناس تجاه الموارد. ولذلك هو علم رياضي معقد ولكنه جميل.
للاقتصاد العديد من القوانين، وهذه القوانين كلها إحصائية؛ أي أنها لا تصلح لدراسة شخص واحد ولكن تصلح لدراسة تصرفات مجموعة من الأشخاص.
فلا أستطيع أن أعرف ماذا ستفعل أنت لو زاد سعر الدواء أو كوب الشاي. ولكن، لو ثبتت بقية المتغيرات، أعرف أن الطلب عليهما سيقل. وهكذا.
وهنا نرجع للحقائق مرةً أخرى:
ب) عندما نتحدث عن طبيعة الإنسان في الاقتصاد، فإننا لا نزعم بأن الإنسان آلة مسلوبة الإرادة.
ولكننا نوضح أن الناس، أي مجموعة من الأفراد، يتصرفون بطرق من الممكن توقعها.
ج) الإنسان عقلاني.
وهنا عقلاني تعني فقط — التصرف الذي يسعى لغاية؛ أنا لا-عشوائي.
الندرة فكرة متأصلة بتعريف الاقتصاد.
كل مورد نادر، لأن الكمية التي نستطيع استعمالها من المورد قليلة، ناهيك عن الاستعمالات البديلة لنفس المورد التي تحد من استهلاكه كليًا على شيءٍ واحد.
وهناك تكلفة لأي اختيار: وهي بقية الاختيارات التي ليس بوسعي أن أتخذها الآن — الفرص البديلة.
٤) مدرسة شيكاغو للاقتصاد.
سأرجع لاحقا للاقتصاد، لأني أود أن أقدم مدرسة شيكاغو.
أسس هذه المدرسة عدة اقتصاديين وفلاسفة سياسة أمريكيين، أهمهم فرانك نايت وجورج ستگلر وأرن دايركتر وملتن فريدمن.
المدرسة مبنية على السوق الحر (والفعّال)، وعلى فرضية أن الإنسان بطبيعته يودّ تحسين حالته.
تهتم هذه المدرسة بكيفية عمل السوق (الأشخاص في المجتمع) على حل مشاكلهم من خلال الاقتصاد من دون تدخل الحكومة.
وقد تأسست، جزئيًا كردة فعل على المدرسة الكينزية للاقتصاد، وجزئيًا بسبب تصرفات الحكومة السيئة تجاه الكساد العظيم.
اكتشف الاقتصاديين النمساويين، خصيصًا لودڤگ ڤون ميسس وفريدرك هايك، السبب وراء ظاهرة الدورة الاقتصادية The Business Cycle.
حيث أن الناس:
١. تأخذ قروض من البنوك لتبدأ شركاتها أو مشاريعها فتزداد نسب القروض.
٢. تنجح بعض المشاريع وتفشل بعضها ولكن تقل القروض بسبب النسب الأعلى نسبيًا.
٣. تفشل أغلبية المشاريع (كما هو الواقع في التجارة) من دون بداية مشاريع جديدة كثيرة.
٤. تخفض البنوك نسب الفوائد فتزداد القروض مرة أخرى وينتعش السوق. ويرد الخسرانين قروضهم.
٥. ترد الدورة مرةً أخرى والمجتمع يحصل على معرفة أكبر بالتجارة والقروض والبنوك.
في فترة الكساد العظيم، حصل كساد اقتصادي طبيعي جدًا فقلت الحركة الاقتصادية. ولكن كينز نصح الحكومة الأمريكية بأن تتدخل وتستثمر في الاقتصاد لكي يتعدل.
لم يتعدل بل طال مرض السوق ولم يشفى. فزاد الرئيس الأمريكي هربرت هوڤر الرسوم الجمركية واضعًا حجة غريبة بعض الشيء:
عندما نرفع الرسوم الجمركية، سيقل الاستيراد وبالتالي سيبيع التاجر الأمريكي في الولايات المتحدة بسعر أعلى مما سيعزز الإنتاج في البلد بسبب زيادة الأسعار. وبالتالي، سترحل مرحلة الكساد.
رد عليه حوالي ١,٠٠٠ اقتصادي من الولايات المتحدة بأن هذا قرار فاشل وسيطيل الكساد! ولكن بلا جدوى…
وكان الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت أسوأ وأسوأ حيث أنه أقحم الحكومة في كل نواحي السوق.
وها نحن في الكويت نفعل ذلك بكل أريحية والفساد يزيد ويزيد في الكويت من دون وعيٍ منا أننا نحن السبب عندما نطلب من الحكومة في أن تتدخل بكل صغيرة وكبيرة. وها هو ترامب يعيد المشكلة ذاتها مع الصين…
الحروب والأزمات هي أكثر المراحل التي تستغل فيها السلطات حاجة الناس لها في هذه المواقف بأن تتوسع في القوانين وبأن تفرض نفوذها وتحصل على قوى أكبر من الناس. وهذا مؤسف جدًا. هذا ما حصل مع روزفلت في الحرب العالمية الثانية. (سأرجع لحروب الولايات المتحدة قبل وبعد حكم ريگن لاحقًا.)
٥) الوظائف الأساسية للحكومة.
الحكومة ضرورية للمجتمع الحر بالنسبة لمدرسة شيكاغو للاقتصاد، ولها عدة وظائف.
وقد تكلم عنها ملتن فريدمان في كتابه، الرأسمالية والحرية. وهذه الوظائف موجودة في الفصل الثاني من الكتاب، وأعتبرها من أجمل الفصول (والكتب) التي قرأتها في حياتي.
تتحدث هذه المحاضرة عن دور الحكومة في المجتمع الحر، والمتطلبات الأساسية للمجتمع قبل الحديث أصلًا عن دور السياسة.
youtu.be
وهذه العشرة أدوار من الممكن اختزالها بثلاث نقاط:
• حماية المواطن من الإكراه.
• وضع القوانين وتعريفها وتطبيقها.
• حل مشكلة الطرف الثالث.
أولًا، وضع القوانين وفرضها.
من واجبات الدولة وضع القوانين (التي يجب أن نتفق جميعًا على تطبيقها)، وفرضها على الناس. ومن لا يتبعها، أو من يكسرها، يعاقب.
القوانين تقلص من حرياتنا لأن الحرية المطلقة غير موجودة — ومن دون قيود معقولة ستتفاوت من شخص لشخص بطريقة غير مفيدة للمجتمع.
ثانيًا، تعريف ممتلكاتنا الشخصية.
فعند جون لوك، مثلًا، عندما ألقى جذع مكسور في الغابة، أستطيع أن آخذه وأن أتصرف فيه أو أبيعه (أو أعدل عليه قبل ذلك).
ما أطبق عليه جهدي في البرية هو ملكي.
ولكن الحقوق الملكية هي حقوق يختارها المجتمع. ولنرى مثال على ذلك.
لو بنيت بيت ووضعت القانون: الهواء في هذا البيت ملكي، ومن يود أن يدخله ويتنفس فيجب أن يدفع لي مبلغ من المال بالساعة.
لو اتفق المجتمع، يصبح الهواء هنا فعلًا لي. ولكن ماذا عن الهواء الداخل إلى والخارج من البيت؟
قد يبدو هذا المثال غريب. ولكن من دون تحديد ذلك، لا نستطيع أن نملك شيء.
ثالثًا، منصة إعادة تعريف القوانين.
كل قانون من الممكن أن يفهم بأكثر من طريقة. هذا يحصل في الفلسفة وفي الرياضيات وفي العلوم.
وكذلك الدستور والقانون.
ولذلك يجب أن نجعل منصة نستطيع من خلالها تحديد فهمنا لقانونٍ ما أكثر فأكثر لتفادي بعض المشكلات.
رابعًا، وضع محكمة يستطيع فيها كل الأطراف أن يحسموا مشكلتهم من خلال طرف ثالث محايد، لطالما لم يستطيعوا حل مشكلتهم بأنفسهم.
والمحكمة أيضًا هي طرف ينظر في حال إن كان تطبيق القانون صحيح حسب تعريف المجتمع.
وأخيرًا، المحكمة هي أحد الوسائل في توزيع القوة بين المجتمع وعدم حكرها لطرف.
خامسًا، فرض العقود.
حين يتفق طرفين مع بعضهما البعض من خلال عقد معين، من وظائف هذه الحكومة هي فرض هذا العقد لكي يلتزم الأطراف.
سادسًا، تعزيز المنافسة.
المنافسة تتطلب مسبقًا إطار قانوني يسمح لها بأن تتواجد في المجتمع.
والمنافسة تحقق حرية اجتماعية فريدة:
لو كان هناك منتج واحد، فكل مستهلك سيضطر التعامل معه حتى لو كانت منتجاته سيئة. ولكن بتعدد المنتجين، لي الحرية في اختيار منتجات أخرى.
والمنتج أيضًا حر في اختيار المستهلكين، فيستطيع أن يضمن في مجتمع بالحجم الكافي أنه سيلقى المستهلكين المناسبين.
سابعًا، الإطار المالي.
ربما تكون أهم ثلاث مدارس رأسمالية (من الحكومة الأصغر إلى الأكبر) هي:
> النمساوية، والمال لديها يخضع للسوق الحر وتطبعه البنوك وقيمته بالذهب.
> شيكاغو، قيمته بالذهب أو يقاس عند المحاسبين، ويتحكم البنك المركزي بقيمته وكميته.
> الكينزية الحديثة (لاحقًا).
عند مدرسة شيكاغو، من وظائف ومسؤوليات الحكومة هو تحديد العملة، وقيمتها بالنسبة لبقية العملات (حتى لو كانت، ولكن يستحسن ألا تكون، ضد اتجاه قانون گريشام)، وكمياتها في السوق. وذلك لمحاربة التضخم أو لمرونة المال في أوقات الكساد.
والنظام معقد وربما سأرجع له في سلسلة أخرى في المستقبل.
ثامنًا-١، في حالات الاحتكار التقني، تستطيع أن تتدخل الحكومة.
ولكن الاحتكار في السوق الحر مع الوقت يهزم نفسه. كما يحدث مع الكارتل—وبالواقع، في كلتا الحالتين لن يستمرا إلا بسبب التدخل الحكومي.
وبوسعكم أن تقرأوا عن هذه الأشياء في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
ثامنًا-٢، تقنين بعض المؤثرات الخارجية (آثار الطرف الثالث).
هناك بعض المشاكل التي تنتج عن دخول طرفين لصفقة تجارية، ويعاني منها طرف ثالث.
في بعض الأحيان، يستطيع أن يطلب الطرف الثالث من الأطراف الأولى التعويض.
ولكن في حالات أخرى تكون تكلفة البحث تكون غالية جدا—وهنا تفرض الضرائب.
فمثلًا، إن وضعت صحن من البسكوت في غرفة فيها الكثير من الأطفال، واختفى البسكوت بعد زمن، لن أستطيع أن أعرف من أكل البسكوت من غير إضاعة الكثير من وقتي. ولذلك، في المرة الآتية أضع ضريبة (مثلًا) لكل طفل يأتي للغرفة.
ونفس الشيء للدخان من المصانع، أو صب المجاري في الأنهار، وهكذا…
تاسعًا، بوسع الحكومة تقديم مساعدة مالية (وليست إنتاج سلعة أو خدمة!!!!) للأسر المحتاجة جدًا أو للمؤسسات أو الهيئات الخيرية التي تعتني بمن لا مسؤولية لهم: الأطفال أو المجانين، ومن هم في فقر شديد جدًا ولا حيلة لهم.
وهذه المساعدات طفيفة، لكي لا يُعتمد عليها.
مدرسة شيكاغو للاقتصاد ضد الوزارات الصحية أو التعليمية أو الخدماتية.
المستشفيات والمدارس مؤسسات يقوم بها القطاع الخاص بشكل أفضل بكثير مما تفعله الحكومة— بشرط ألا تكون الحكومة أصلا لها حصة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي.
ونرى هذا الفشل في الكويت، بسوء التعليم أو البطالة المقنعة.
المساعدات، أو الوعود بالمساعدات، تجعل الناس اتكاليين على الحكومة، وهذه فرصة عملاقة للتكسب السياسي والمنافسة السياسية بدلًا عن الاقتصادية.
والتنافس في السياسة مبني على الإكراه والقسر لمن يفوز، أما في الجانب الاقتصادي فذلك يعني وفرة الخيارات وتحسن الإنتاج وتخفيض الأسعار.
عاشرًا، الحماية من الخطر الداخلي والخارجي.
في أغلب الأحيان، وجود الشرطة والجيش، وتحركهما، يتطلب قرار ثنائي (إي/لأ) من المجتمع ككل. في بعض الأحيان، فريق أمني خاص يستطيع أن يستبدل الشرطة في أماكن معينة ولكن ليس في جميع الحالات.
وفي كل الحالات، وجودهم ضروري لمنع إكراه طرف على آخر.
هذه هي الوظيفة الأولى والأخيرة والأساسية والأهم للحكومة (مع وضع القوانين وفرضها) للحصول على مجتمع حر. ومن دونهما، لا يمكن إيقاف الإكراه حسب فكر مدرسة شيكاغو.
إن كانت الحرية هي أسمى قيمة اجتماعية، فحصر أو منع الإكراه هي الوظيفة الأساسية للحكومة تحت ظل استحالة وجود حرية تامة.
٦) السوق.
السوق هو ليس جماد، أو مجرد هيكل أفلاطوني معلق في عالم المثل، بل هو مجموعة من الناس يقومون بعمليات تجارية فيما بينهم ”سعيًا في مصلحتهم الخاصة.
ونرجع للحقائق لوهلة:
د) الإنسان يسعى لتحسين حال نفسه. [نعني هنا أنه عندما نقدم له عدة خيارات، سيفضل الاختيارات الأفضل له.]
ولا إنسان هو روبنسن كروسو — لا نستطيع أن نقوم بكل شيء بمفردنا. نحتاج لأن نتفاعل ونتبادل مع الآخرين.
وهنا نأتي للسوق.
السوق كما قلنا، يحاول أن يلبي كافة احتياجات المجتمع إن قدر على ذلك، تحت ظروف الندرة. وهناك سوق تحت الدولة، وسوق عالمي. والسوق يقدم الخدمات بطواعية.
عندما يقدم لك السوق خدمة كالعلاج، فإنه يحاول أن يقدمها لك بأفضل شكل ممكن وبأقل تكلفة ممكنة (لو أزلنا الحكومة من الصورة).
ولكن بعض العلاجات مكلفة. يأتي جانب آخر من السوق، شركات التأمين؛ مقابل سعر رمزي، يتكلف التأمين بدفع نسبة كبيرة من العلاج — والتأمين مربح بسبب الاستثمارات.
والمدارس الخاصة تضمن حرية لا يمكن أن نراها بوضوح في المدارس الحكومية.
أساس المدرسة هي الخاصة. وميزة الخاصة أنني أختار جودتها بأن آخذ أبنائي لها أم أبحث عن مدرسة أخرى.
هذه هي آلية التصويت المالية في السوق الحر: نحن نصوّت لاستمرار أو توقف شركة أو سلعة أو خدمة بأموالنا.
وفكرة السوق متشعبة (ولدي مقالة في مدونتي عن السوق سأنشرها لاحقًا)، لذلك سأكتفي بهذه الأشياء.
السوق، كما في حال الأشخاص، لا يستفيدون من فقر المجتمع. آلية السوق تجعل الغني أغنى لو وفر ما يحتاجه الناس، أو أفقر لو لم يستعمل موارده بطريقة فعالة.
والفقير يصبح أغنى مع انخفاض الأسعار.
٧) الحقوق.
هناك ثلاثة أنواع من الحقوق.
# الطبيعية.
حقوق كونية، حسب جون لوك، تأتي من الله أو من الطبيعية وتنطبق على الجميع.
# القانونية.
هي الحقوق الموجودة في مجتمعٍ ما وفي وقتٍ ما، وواجب الدولة تحديدها.
# الوضعية.
ما تقره الأمم المتحدة بأنها حقوق يجب أن يحصل عليها كل شخص.
الحقوق لا يمكن أن تعرف من غير واجبات.
إن كانت أحد حقوقك هي الحرية من القسر والإكراه، فهناك قانون ضد التعرض لحريتك الخاصة.
ولكن حق كحق العلاج من المرض يختلف بعض الشيء — هذا الحق يخلق إكراه على الأطباء بأن يعالجوك.
في السوق الحر، تستطيع أن تشعر بالأمان من دون هذا الحق.
في السوق الحر، يستطيع أن يعالجك طبيب مستقل أو باختيار مستشفى خاص ما (من دون تكلفة) أو بتمويل هيئة خيرية من تبرعات الناس، وهكذا.
ولكن كما يحصل في كندا وبريطانيا والولايات المتحدة وروسيا، عندما تعدك الحكومة في العلاج — قد يتأخر موعد علاجك إلى وقت تصبح حالتك غير قابلة للعلاج.
الحق ليس ضمان.
الحق هو واجب غيرك، ولكن في الكثير من الأحيان، لن يتمكن الآخرون من المساعدة.
في كل الحالات، سيحصل الكثير من الناس على تعليم سيء أو أن يموتوا بسبب عدم توفر العلاج، أو أن يحصلوا على طعام رديء جدًا بسبب فقرهم.
ولكننا نود خلق المجتمع الذي يعظم الحرية ويقلل الفقر.
ولا سبيل لتقليل الفقر وتعظيم الحرية إلا من خلال نظام يعتمد الاستثمار والادخار وتنظيم وتشجيع الأعمال التجارية الريادية. (ليس بشكل سياسي، بل بخلق والمحافظة على المنافسة، والتأكد من وجود فرص للدخول إلى السوق.)
وأجد أن هيغل وطلبته تحدثوا كثيرًا عن الحقوق ولذلك أنصح بالاطّلاع عليهم.
٨) أنظمة رأسمالية أخرى.
هناك عدة طرق لتنظيم المجتمع. إما أن نجعله حر ونترك الأشخاص يتصرفون بمسؤوليتهم الخاصة (رأسمالية)، أو تنظيم دولة تعمل تحت التخطيط المتوسط (الاشتراكية) إلى الشامل لخلق نظام شيوعي متكامل.
أثبتت الأنظمة الاشتراكية فشلها في القرن العشرين، وتحررت الأسواق.
أغلب دول العالم اليوم تعمل تحت النظام الرأسمالي، ولكن للحكومة تدخل كبير في السوق.
مشكلة الأنظمة الاشتراكية هي أنها لا تستطيع أن تحل مشكلة المعلومات The Information Problem. السوق يقدم معلومات كثيرة جدًا لا يمكن لأي أحد حصرها ومعرفتها. ولهذا، التنظيم يفشل بالضرورة.
أشهر ثلاثة مدارس رأسمالية اليوم هي المدرسة النمساوية، ومدرسة شيكاغو، والكينزية الحديثة.
ومن الضروري قبل أن نبدأ أن نعرف ما الفرق بين رأس المال والرأسمالية.
رأس-المال هي كمية من المال (أو ما يقدر بمال) غرضها الأساسي هو زيادة المال.
أما الرأسمالية فهي النظام الذي يجعل السوق حر.
المدرسة الكينزية هي مدرسة اقتصادية رياضية (مثل مدرسة شيكاغو) تُدخل الحكومة بشكل واسع.
وغرض الحكومة ههنا هو إنعاش وتحريك السوق. ما يحتاجه السوق في فترات الكساد هو المزيد من الطلب، فتقوم بذلك الحكومة ليشغل السوق نفسه.
أسسها جون مينارد كينز، فيلسوف ورياضياتي إنگليزي.
وما زالت لها الكثير من الأتباع. وعادة ما يسمون بمدارس الماء المالح (MIT, Yale, Columbia, Harvard). ويهتم الاقتصاد الكينزي بالناتج الإجمالي، ويهتم هؤلاء الاقتصاديون كثيرا بدراسة عدم المساواة وكيف يجب أن تتصرف الحكومة ماليًا لتقضي على الفقر، وهكذا. (في الصور أهم الاقتصاديين اليوم.)
المدرسة النقدية (شيكاغو) مثل الكينزية هي مدرسة تعتمد على الوضعية العلمية، وبالتالي هي تضع إفتراضات—حتى لو كانت غير صحيحة—وتصنع منها نماذج رياضية لتجربها على أرض الواقع.
وعند النقديين، يجب أن يكون دور الحكومة في السوق محدود جدًا ولأغراض معينة لتعظيم الحرية وحماية الأفراد.
وأخيرًا وليس آخرًا، المدرسة النمساوية. وهذه المدرسة الفكرية غريبة جدًا. فهي لا تعتبر علمية إذ أنها نموذج تفسيري لفهم ما يحصل في السوق heterodox، وليس لخلق نماذج قابلة لشرح وتوقع الأحداث الاقتصادية.
وفي هذه المدرسة، المال هو كمية ذهب في البنوك خاضع للسوق العالمي، والسوق حر تماما.
٩) معرقلات لعمل الحكومة.
هناك ثلاث فئات تعرقل السوق وعمل الحكومة.
~ التجار الذين يتعاملون مع الحكومة، ويتفقون معها لتحقيق مصالحهم.
~ الأفراد الذين ينتخبون السياسيون الذين بودهم توسيع دور الحكومة لتلبية احتياجاتهم.
~ أي سياسي يستغل الحروب أو الأزمات لتركيز القوى السياسية.
الحكومة هي الممارس الشرعي الوحيد للسلطة، وتوسع الحكومة يعني بالضرورة المزيد من الإكراه والمزيد من الضرائب وبالتالي حريات أقل.
والحكومات تتحول من أدوات تساعدنا في تنظيم العلاقات فيما بيننا إلى كيان متسلط ومتحكم في كل شيء، يجعلنا نعيش لخدمته لا أن يوجد هو لخدمتنا.
أي توسع للحكومة قد يكون عرقلة له أيضًا.
السياسيين والتجار والشعب يتخامطون هذه الصلاحيات لفائدة أنفسهم الآن، ولكن النتيجة النهائية هي خراب المجتمع. لا يوجد أي مجتمع في تاريخ الإنسانية ترك السلطة تتضخم دون أن يلقى حتفه بأبشع الطرق. ولهذا، يجب أن نحترس.
١٠) الخاتمة.
أتمنى أن تقرأ وتنشر وتعلق على هذه التغريدات. كما أود منك أن تقرأ في الاقتصاد أكثر كونه علم يتعلق بكل الخيارات التي ستتخذها في حياتنا.
وأفضل طريقة هي من خلال كتاب جامعي. ولا تأخذ المعلومات من دون التحقق منها — وإحذر من المقالات السطحية المعادية للرأسمالية والحرية.

جاري تحميل الاقتراحات...