في منتصف القرن السادس عشر كانت الصراعات السياسية تعصف بالدولة العثمانية وكان على السلطان العثماني "سليمان القانوني" أن يجد حلا سريعا ليحافظ على عرشه وهنا ظهر مفتي الدولة العثمانية شيخ الإسلام "أبو السعود أفندي" لتكون كلماته بردا وسلاما على قلب السلطان بفتوى شهيرة .1
أباح "أبو السعود أفندي" للسلطان أن يقتل أبناءه تحت دعوى "الحفاظ على الدولة والرعية من الوقوع في الفتنة" وهكذا طبق السلطان الفتوى بحذافيرها فتخلص من إبنه "شاهزادة مصطفى" وبنفس الفتوى قُتل شقيقه "شاهزادة بايزيد" .2
واصل "أبو السعود أفندي" إصدار الفتاوى في خدمة السلاطين وتأييدهم لذلك أفتى بقتل كل المخالفين من كل الفئات والطوائف ،ورغم تساهله مع القوانين التي وضعها "سليمان القانوني" بكل مخالفاتها الدينية الصريحة إلا أنه لم يتسامح مع شرب القهوة وأمر باجتنابها . 3
قدم أبو السعود تفسيره للقرآن في كتاب "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" فاصبح مرجعا لأجيال من الدعاة وأهل الفتوى وحصل على لقب "خطيب المفسرين" ونال أعلى المناصب ثم توفي معززا مكرما بعد أن جاوز الثمانين من عمره.4
سيرة حياة "أبو السعود أفندي" تكررت بأسماء أخرى وفي عصور كثيرة على مدار التاريخ ، حتى جاء زمن "اليوتيوب" فوقع خلفاء "أبو السعود" في ورطة كبرى ، 5
أصبحت الفتاوى الشاذة والآراء المتطرفة تطارد أصحابها بالصوت و الصورة على صفحات "السوشيال ميديا" بعد أن كشفت التغيرات الكبيرة خلال السنوات الماضية فساد هذه الفتاوى ، وبعد أن فقد "فقهاء الدم" الحماية الرسمية والتأييد الشعبي 6
وكان على هؤلاء الفقهاء أن يتأقلموا مع الواقع الجديد فظهرت موجة التراجع والاعترافات التي تشبه كثيرا طريقة الحرباء في تغيير لون جلدها لكن هذا التشبيه لا يجوز طبعا لأن "لحوم العلماء مسمومة" كما يرددون ليل نهار ( طبعا من بين هذه اللحوم لحم أبو السعود أفندي) 7
لذلك يمكن اعتبار هذه التحولات في مواقف شيوخ التطرف من مهارات التسويق فكساد بضاعتهم دفعهم لتغيير شكل العبوة واعادة تغليفها مع تقديم عروض خاصة لاستعادة الرواج المفقود وبالفعل تم تعبئة نفس البضاعة الفاسدة عبر أجيال جديدة داخل عبوات "الجينز" مرة وعضلات "الجيم" مرة "و"النيولوك"مرات8
، لكن هذا التغيير لم يكن كافيا فكان على كبار التجار تقديم عروضهم الخاصة بالتراجع عن بعض آرائهم القديمة والاعتراف بغلبة المصالح الدنيوية على المصالح الدينية ، فقد شاهد الجميع اعترافات "الحويني" و"حسان" و "يعقوب" ومن قبلهم "العريفي" وغيره9
لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه هؤلاء أن اعترافاتهم تلك جاءت في الوقت الضائع ، فلم يكن انصراف الزبائن عن بضاعتهم بسبب فشل التسويق بل بسبب أعراض التسمم التي أصابت المجتمعات بعد أن تناولوا هذه البضاعة الفاسدة لسنوات طويلة، 10
فلم يكن من الصعب الربط بين انتشار بضاعتهم في الأسواق وبين تدفق أنهار الدماء على خناجر الارهاب مع اعتلال الضمائر واهتزاز بنيان الأخلاق ، 11
فعلى الرغم من أن بضاعتهم بيعت كترياق شاف من أمراض الأخلاق إلا أن هذا الترياق المزعوم دمرالأخلاق نفسها حين قصر الفضيلة على ملابس المرأة وسلوكها والعلاقات بين الجنسين فالكذب أصبح مبررا شرعا والكراهية صارت احدى الفضائل فعليك أن تكره ثلاثة أرباع كوكب الأرض لمجرد الاختلاف في العقيدة12
، والقسوة تحولت إلى رحمة بقطع أعناق المخالفين وممارسة العنف المنزلي بدعوى قوامة الرجل على المرأة ، بينما ارتدى الظلم ثوب العدالة في التعامل مع من لا يعتنق نفس عقيدتك حتى لو كان شقيقك في الوطن ، وحتى عفة اللسان تحولت لأقذع عبارات السباب تحت دعوى "إغلاظ القول للكافرين" ! 13
لم يلق هؤلاء التجار بالا لمواجهة آفات المجتمع الأخلاقية كالرشوى والمحسوبية ، ولم يشغلهم توجيه الناس نحو السلوكيات المتحضرة في الشارع أوالبيت ، فالمهم هو بث الخوف في قلب الزبون ليظل متعلقا بطاعة الشيخ فينجو من جهنم وينال جنة الخلد برفقة حورالعين .14
، كسدت بضاعتهم، فلا أحد يملك خداع الناس طوال الوقت ، دائما يأتي اليوم الذي تنقشع فيه غيوم الزيف وتضيء شمس الحقيقة 15
ولعل ردة فعل الناس بعدم تقبلهم لهذه الاعترافات والتراجعات تكشف للجميع أن ظلاما دامسا قد طال في طريقه للزوال ليفسح مكانه لفجر جديد يستعيد فيه الإنسان زمام عقله وسلطته على ضميره ويطهر فيه فطرته من دنس تشويهها المتعمد على مدار عشرات السنين .16
ولأن مركبهم توشك على الغرق من الطبيعي أن يحاول بعض الركاب النجاة بأنفسهم والتنصل من ماضيهم ، لذلك وقف داعية تليفزيوني شهير يحرص على تغيير مظهره كحرصه على تغيير مواقفه وهو يزأر كالأسد الهصور في وجه "الحويني" دون أن يذكر سببا واضحا لعدم اتخاذه هذا الموقف منذ عشر سنوات مثلا !! 17
ومثل هؤلاء هم الأشد خطرا ، فهم يحاولون تصريف نفس البضاعة ، على أمل تسليم العقول والضمائر إلى تجار جدد 19
ولعل كل هؤلاء التجار وهم يجلسون الآن على أرصفة الفتوى بجوار بضاعتهم الكاسدة يتحسرون على زمن"أبو السعود أفندي" الذي لم يضطر إلى التراجع أوالاعتراف بخطاياه أومواجهة مقاطع "اليوتيوب"فعاش ومات دون اعترافات ولا يزال تمثاله في قلب"اسطنبول"شاهدا على مكانته في دولة آل عثمان
جاري تحميل الاقتراحات...