أفنان
أفنان

@AfnanGh93

18 تغريدة 24 قراءة Jan 17, 2020
"اسمي شعاع، متدربة، وانتي؟"
تستطيع أن تعرف حاجة الأشخاص للحديث من أعينهم،ومن شعاع علمت من لحظة دخولها للغرفة وتوجهها لي مباشرةً بمبادرة لطيفة كالتعريف باسمها ومد فنجال القهوة، وعيني لم تستطع تجاهل عيناها المشعة بالكثير، استشعرت ذلك وتعطشت،وكل ما فعلته أني أخبرتها باسمي ورحبت>
وليس من عادتي الدخول في صلب الموضوع، وإن كان اللقاء الأول و الدقيقة الأولى، لكني رأيت الحاجة لأن أقول "خبريني عنك" وكأني أزحت ثقل البدايات عنها، لم تتأخر في الحديث عن كل ما حملت عيناها من ألم، خوف وحنين.. كنت ولا زلت أؤمن بأن المشاعر لا تعرف السكون مهما حاولت، وشعاع لم تكن تحاول>
"حكايتي حكاية،أعرف مستغربة إني متدربة وأنا كبيرة،نهاية الثلاثينات أنا وبعدني متدربة"
في حديثها الكثير من الضحكات المحرجة،تتقوس عيناها معها، فلا ترى إلا لمعة بسيطة تظهر، تؤكد لك صدق حديثها وتجعلني متأهبة بمنديل أحمله في جيبي لدموع قادمة..والتي بالطبع ظهرت لاحقًا في كلينا>
كانت الغرفة مكتظة بالفريق الطبي،فريق نسائي ممتع ومع قهوة تدور بيننا شعرت وكأنما كنا في مجلس أمي،كانت جمعة بمناسبة الإستعداد لثقل الإجتماع بعد دقائق.
شعاع بجانبي وكأنما كنا لوحدنا،ولو أنها لم تتوقف عن تقديم القهوة للجميع بمجرد خلو فناجيلهم،حتى في منتصف حديثها معي ووسط الدموع>
تستطيع أن تعرف انها ذلك الصنف الذي يفعل الكثير للجميع لكنه لا يتوقع أن يفعل الآخرون المثل، كانت ضحكاتها المحرجة وسيلة فاشلة في إخفاء كل الحزن القابع وكل التوقعات التي انتهت بالخذلان.
مسكتها من ذراعها لتجلس"مو مجلسك،ريحي يا شعاع" أخبرتها ضاحكة ووجهت جسدي لها "ليش توك تتدربين؟">
وبدأت تروي قصتها من الأسفل للأعلى، و من الأقرب حدوثًا إلى الأبعد، من الأكثر ألمًا ورسوخًا في الذاكرة إلى الذكرى المنسية..
كان لزوجها النصيب الأكبر في روايتها، الجندي الصغير في العمر الكبير في الهمة،الذي مع كل إصابة حرب تتوقع فيه شعاع طلب تقاعد،تجده يتلقى ترقية ويفرح بها>
الجندي،الريّس لاحقًا،و ابن العم وحبها الأول وزوجها القريب ورفيق الدرب الطويل و والد أبنائها الثمانية،كانت تحكي عنه الكثير بنظرة حنين وصوت ألم وضحكات خوف"احنا ما نعرف ايش يحصل هناك،الحرب تخوف،هو يحكيني وأنا أرجف،أنا ببيتي وأرجف!كيف هو؟!" لم تعد تعرف تخاف عليه من الموت أم من الخوف>
"والله أربع مرات تفجرت فيه الدبابة وكل مرة يعيش وأصحابه يموتون،يقول لي نكون نشرب شاي وفجأة قدام عيوننا الصاروخ الحراري،ومرة يقول عرفنا إن الصاروخ جاي وأبغى أطلع من الدبابة من الفتحة فوق بس تأخرت،طاح على ظهره وفقرتين انتهت، إلى يومك عايش بمسكنات حتى لا يسوي العملية ويصير بالعكاز">
"تعرفين عواقب العملية تقاعد إجباري، وهو يقول الميدان مكاني"صمتنا قليلًا،لم أكن أعرف حقًا كيف تتحمل رؤية زوجها بهذا الشكل وعناده على البقاء هكذا! لكني بعد فترة من الصمت فهمتها..ما تقوله عنه هو السبب الأكبر لحبها له،معجبة بكل هذه القوة،ومعتزة كون حبيبها بطل لا يأبه للموت،ولها الحق>
"تدرين أطقطق عليه أقول له بقالك ٣ أرواح من ٧، انتبه!"ضَحِكت بعد هذه الجملة مطوّلًا حتى اغرورقت عيناها و عُصر قلبي معها،غطت فمها بيدها ثم بلعت ريقها،وبلعت معه ألمها وخوفها،سرَحت بعيدًا حتى مال الفنجال من يدها وكاد أن يقع،انتبهَت له فاعتدلت ضاحكة مستعدة لإكمال ما تبقى في جوفها>
"أكيد مو هنا الآن، صح؟ أشوف عيونك مليانة شوق"سألتها محاولةً إظهار مشاعرها أكثر ولو أني لم أحتج الكثير من الكلمات لأساعدها في إظهار أي شيء.
خفضت طرفها محرجة"أسبوعين عندنا وأسبوعين مع سريته في منطقة أخرى، أبغاه على طول بس صعبة، يترك سريته؟ فيه فصل بدون استاذ؟" قالتها بقناعة تُحرجك>
"ولدي الكبير شايل البيت معي،ولو انه كم شهر ويروح لكلية الضباط بعد،بالرياض،له مقعد من الدولة عشان أبوه من مصابين الحرب،هو حلمه عاد،ودايم يقول لأبوه لا تموت لين تشوفني ريّسك"ضحكنا سويةً على هذه الكوميديا السوداء ولوهلة شعرت أن تلك الضحكات كانت طريقة بيتهم كله في تجاوز الخوف>
"هذا الشبل من ذاك الأسد" ابتسمت لها محاولةً تلطيف حديثنا وتذكيرها بجمالية حُلم ابنها، ابتسمت وخيّم الصمت، بادرت بالسؤال مجددًا "وتأخرك في التدريب بسبب ظروف زوجك؟" أجابتني "ولاداتي واصاباته،آخر إصابة جا فيها كان بالعناية والتنويم ٩ شهور عشان يرجع لطبيعته،إلا الفقرات طبعًا"ضَحِكت>
أكملت حديثها "أنا وياه تعودنا نذاكر لبعض" فهمت الآن لماذا كان حديثها مليء بالكلمات الغير مفهومة وأنواع الصواريخ والدبابات وأمور في الحرب لا تود معرفتها.
"لما أصيب السنوات الماضية ما قدرت أرجع وكان يصر علي،آخر مرة لما شاف الموت أصر علي وقال انه يبي يضمن عياله وأمهم موظفة، فوافقت">
لم أستطع أن أوقف خيالي عن مشهد كهذا، جندي يمشي للموت ويطلب من حبيبته أن تكون أمًا وأبًا لأطفاله، في سبيل حماية وطنه،وطن أبنائه..
الأمر مخيف وشاعري وحقيقي..
لم نزد على ما قالته أمرًا آخرًا ولا أعتقد أن قلبي يسع لأكثر من ذلك، ليس الآن على الأقل.
لأول مرة أتحدث مع شخص بهذه اللخبطة>
بين الغضب والحب، بين الخوف والأمل، وبين الحنين و الصبر..
لكني شعرت بفخرها واعتزازها في كل من تلك المشاعر..
شعاع كانت تشع أملًا وحبًا وفخرًا،
هكذا كانت مجملًا..
ويا لشجاعة امرأة ساندت رجلًا عظيمًا و دفعت ابنًا أعظم لحماية وطنٍ كامل.
>
كان أول يوم تدريب لي في تلك المستشفى وكان آخر يوم تدريب لها،وضعت رسالتها في قلبي ومضت..
أيقظتني من غفلة..
نعمة الأمان التي أشكر الله عليها كل يوم، لا يجب أن أنسى من خلف تلك النعمة بعد الله..>
جنودنا البواسل،أب،زوج،أخ،ابن،قريب وحبيب،دمتم سالمين غانمين،وأعادكم الله لأحضان أحبابكم وأنتم في أتم الصحة والعافية، نحبكم ونفخر بكم ونعتز بقوتكم وجهودكم وتضحياتكم،كل امتنان الدنيا نهديه لكم.
وكل أم وزوجة واخت وابنة وحبيبة،اللهم ارزقكم الصبر،الكثير منه..
وشكرًا شعاع
شكرًا.

جاري تحميل الاقتراحات...