Wejdene Bouabdallah 🥏
Wejdene Bouabdallah 🥏

@tounsiahourra

11 تغريدة 29 قراءة Jan 02, 2020
رسائل كانت تصلني في تويتر، ولم تتوقف طوال سنوات، رسائل صباحية منتظمة لمُغرِّد أُردنِّيٍّ سِتِّينيّ، يبدأ رسالته بالسؤال عن صحَّتي وعن حال تونس، ثمّ يَشْرع في الدعاء لي بشكل صافٍ صادِقٍ وباذخ في الكرم. هكذا ودون تخطيط، ولا سابق معرفة، نشأت علاقة أسمِّيها بـ”الأبوَّة الافتراضية”
في الحقيقة، لا أذكر في أيِّ وقتٍ تنبَّه “عمّو” أو أبي الافتراضي، على أنَّ أبي مُتَوفًّى منذ سنوات. وللأمانة، لا أذكر أول حوارٍ عامٍّ مباشر نشأ بيننا في فضاء تويتر، قبل تَلقِّي تلك الرسائل، التي صِرتُ أهرع إليها كل صباح، كما لو كنتُ أفتح رسائل أبي الشخصية على الهاتف.
على مَرِّ أربع سنوات، انتظمَت علاقتي بأبي أيْ “عمُّو” من خلال الرسائل الخاصة، وكانت تبدأ بالدعاء السَّخيِّ لي ولأسرتي في كلِّ جوانب حياتي...هكذا، نَسجَت علاقتي بـ”عمُّو” (أبي الافتراضي) خيطانًا تَماسكَت على مرِّ السنوات، لتصبح أسلاكًا متينة.
كانت لـ "عمو" مَلَكة عظيمة. فمع أنه لا يراني، إلّا أنه كان يستشفُّ من تغريداتي ألمًا جسمانيًّا ألَمّ بي، أو ثقبًا في الروح وقع على حين غِرَّة. حينها، يبادر إلى رسالة يُهوِّن فيها من المصاب، ويُطْنِب في نصحي بتقليم حساسيتي المفرطة، وبوضع خطة “باء” لمخرج طوارئ مستعجل.
عمّو عطوف، رحيم، كريم، غير فضولي، عزيز النفس، قادر على تقييم مسافة القرب متى تبدأ وأين يجب أن تقف. أخذَت علاقتنا الافتراضية -التي لم أتحدث بها مطلقًا إلى مخلوق إلَّا من خلال هذا النص، بسبب اختفائه المفاجئ حين طال-، منعرَجًا كبيرًا، حين فقدتُ عمي الوحيد قبل 3 سنوات بسبب السرطان.
بقليل من الكلمات كان يَحشوها في رسائل خاصة في تويتر، أَمْسك “عمُّو الافتراضي” يدي ليَعبُر بي صحاري الفقدان وقِفار الروح. درَّبني كما لو كان “معلِّمي الخاص” على مسح الدموع بكفِّ اليد، والاتِّكاء على اليد الأخرى، لأقف وأُواصل الحياة. كان يكرِّر على مَسمعي أن الحياة صراع ومِحنٌ
عمي الافتراضي الذي أبحث عنه اليوم، علَّمني أن العطاء ليس عملية حسابية بين الله وعبده، ولا هو مَوعد محسوم يَنظر فيه المؤمن إلى ساعته، ليحاسِب اللهَ متى يَهبُهُ ما طلَبه. فقد وهبني الله في لحظة ما هدية عظيمة لم أطلبها: شخصًا حقيقيًّا يدعو لي في ظهر الغيب، وهو لا يعرفني ولم يلتقِ بي
هذا الشخص لخَّص لي معاني العرفان والعطاء غير المشروط، والمحبة الخالصة والإنسانية غير الراكدة، بل المتحركة في بحار الكرَم الروحي.
وحيٌ من الله كان يأمرني: “تَعالَيْ”، وكأنه إيماءة سحرية تشدُّ أزري، حين أعتقد أني على وشك الوقوع.
“عَمُّو”، أفتقدك كثيرًا؛ وأُصلِّي لكي تكون بخير
لم أتحدث مطلقاً بعلاقتي بعمي الافتراضي الذي كان يرسل لي على مدار سنوات دعاء يومياً دون كلل من خلال رسائل في تويتر. لم ألتقِ بهذا « القريب البعيد » لكن اختفاءه قبل أشهر جعلني أكتب عنه اليوم وعن العرفان غير المشروط.
مقالي هذا الاسبوع في @taadudiya
taadudiya.com
المقال ليس عن تويتر و لا محاسنه ولا مساوئه، ليس عن الولاء ولا عن تأثير تويتر. نجم تويتر الحقيقي مثلًا بالنسبة لي كان عمو عيسى الذي يترك لي كل صباح دعاء في صندوق الرسائل الخاصة، لم يطلب يوماً أي خدمة من أي نوع، كنت ابنته وكان أبي داخل صندوق أزرق أصغر بحجم مليمترات بعيداً عن العالم
العطاء سِمة وهبها الله لقليل من خلقه، الكتمان كذلك وعدم التحدث بذلك العطاء سمتان أخريان. الكريم كريم الدعاء كثير العطاء قليل التحدث بهما.
آلاف الأدعية في صندوق رسائل عمو عيسى كانت بلا مقابل، وبلا سبب. على نياتكم ترزقون

جاري تحميل الاقتراحات...