قبرنا اليوم صباحاً والدة أحد زملائي في العمل، عملية الدفن كانت -بالنسبة لي ولأغلب الحضور- فعلاً روتينياً عادياً!
بعدها تصديت -بروتينية أخرى- لإيصال زميلي إلى منزله نظراً لحالته المشفقة
بعدها تصديت -بروتينية أخرى- لإيصال زميلي إلى منزله نظراً لحالته المشفقة
في الطريق إلى منزله وبعد أن هدأت روعاته وخبأ نحيبه، بدأ يحدثني بوقار شديد عن مناقب والدته ومآثرها، عن كهنها وفعلها في الحياة، طيبها وطيبتها، حتى تملكني شعور المعرفة والإلفة بأمه، ثم حزن صادق عليها، ثم فقدها!
كل هذا وأكثر فقط من حديثه عنها الذي لولاه لكانت مثلها مثل عشرات المئات ممن شاركت في قبرهم ودفنهم في السودان أو غيره ممن لا أعرفهم أو لا تربطني بهم صلات قربى.
الأستاذ الصادق سمل في معرض حديثه الدؤوب عن إبنه الشهيد جعلنى أرى-من خلال عينيه- وسامة إبنه عبدالرحمن كما حدّثنا، عن دماثة خُلقه كما أخبرنا، عن أدبه الجم، عن حبه النبيل للأرض والسلام واللطف، لولاه لما عرفت "هذا العبدالرحمن"، وكنت سأظل حبيساً لفكرة أنه " عبدالرحمن ذاك الشهيد" فقط.
قبل فترة كتب أحد الشباب هنا بُعيد إرتقاء روحه عن الشهيد الفاتح النمير بأنه كان محباً للثقافة والعلوم والكتب، قارئاً نهماً لها، مطلعاً على كل ما هو قيم في عالم اليوم، ومنذئذ وأنا أشعر كأن بيني وبين الفاتح النمير وشائج حب ومعرفة وإلفة، تماماً مثل والدة زميلي اليوم.
كما ورد في الأثر " الأرواح جنود مجندة؛ ما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها إختلف".
عرِّفوا الناس بالشهداء، بموتاكم وبفقدكم بطِيب الكلام ولطائفه، بمآثرهم ونحوهم في الحياة،
إستنطقوا لنا صورهم وإبتساماتهم وكتاباتهم، لا تجعلوهم حبيسي الذاكرة فقط كأرقام في نشرة أخبار مملة.
عرِّفوا الناس بالشهداء، بموتاكم وبفقدكم بطِيب الكلام ولطائفه، بمآثرهم ونحوهم في الحياة،
إستنطقوا لنا صورهم وإبتساماتهم وكتاباتهم، لا تجعلوهم حبيسي الذاكرة فقط كأرقام في نشرة أخبار مملة.
حدِّثونا عن حبهم للحياة، وعن تفضيلهم للهندسة أو المحاماة، عن أسباب حبهم للقطط أو كرههم للعدس.
ما قيل "أذكروا محاسن موتاكم" من فراغ فوالله فيها ما فيها من تخطي ماهل ومدروس ومذهل لنموذج kubler-Ross عن الحزن ومراحله، للتخطي والتجاوز ثم العروج بالروح لحالة ال Nirvana المطلقة تجاه الموت والموتى.
لا يسعني هنا إلا إستحضار مقولة توفيق الحكيم عندما قال: "رُب ميتٍ مرحوم أو شهيد مجيد له من التأثير والنفوذ فى ضمير الناس ما ليس لملك جبار من الملوك".
إهداء:
"إلى صديقي، وإنْ لم ألقَه: الفاتح عمر النمير".
"إلى صديقي، وإنْ لم ألقَه: الفاتح عمر النمير".
حدوثنا عنهم حتى نجاوب على محمود درويش في مسائلته: "أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة"؟
ونقول قد سكنوا الذاكرة وتساموا لمقام اليوتوبيا: معبد لا نجس فيه.
ونقول قد سكنوا الذاكرة وتساموا لمقام اليوتوبيا: معبد لا نجس فيه.
جاري تحميل الاقتراحات...