فهد.
فهد.

@I0ll

12 تغريدة 152 قراءة Dec 28, 2019
قرأتُ مقالة قصيرة للمربِّ والأديب الفلسطيني خليل السكاكيني؛ كتبها وهو في الثامنةِ والسِّتين من عمره عن أنواعِ الناس، ألفيتها ظريفة قد وُشِّحت برداءٍ نافع، فأحببتُ أن أنقلها لكم بعد ضبطِها والتصرُّف اليسير بها.
الناس أنواع:
منهم نوع يقول أن الحياة لذة، وأصحاب هذا المذهب فريقان: حسيّون وعقليون. أما الحسيّون فيحسبون أن الحياة زِقّاً وقَيْنة. وإذا فتشت وجدت أن أكثر الناس حسيّون في كل زمانٍ ومكان.
منهم «بهرام جور»؛ فقد أمر الناس أن يعملوا كل يوم نصفه، ثم يستريحوا، ويتوفروا الأكل والشرب واللهو، وأن يشربوا على سماعِ الأغاني. وأما العقليون فإن أعظم اللذات عندهم «المعرفة»، وخير جليس عندهم الكتاب.
فالفريقان متفقان في طلبِ اللذة، ولكنهما مختلفان في طبيعةِ هذه اللذة. ومنهم نوعٌ يقول: إنما الحياة مجد. وأصحاب هذا المذهب فريقان: فريق يعرفون الخير فيعملونه، فيمجدهم الناس لخيرهم، وفريق لم يتّفق لهم أن يعرِفوا الخير.
وإذا عرفوه؛ فإنهم لم يُرزقوا القدرة على احتمال المؤونة فيه، إذن ليس لهم إلا الانغماس في الشرِّ، ويُطلقوا أيديهم فيه، على رأي ذلك الشاعر الذي قال: “إذا أنتَ لم تنفع فضُر”. فيمجدهم الناس خوفًا من شرِّهم.
ولكن يظهر أن أصحاب هذا المذهب يَقلّون شيئاً فشيئاً، وإذا غاب منهم سيّد لم يقم سيّد. بل قد ينتقلون من الجانبِ الواحد إلى الآخر. فقد عرفتُ كثيرين منهم كانوا يفعلون الشر وهم يعلمون أنه شر، وكانوا مع ذلك يفتخرون بشرِّهم.
فقد سمعتُ بأذني من يقول: اعتديتُ، واغتصبتُ، وفعلتُ وتركتُ، ولا يخجل. ثم ارتقوا قليلاً فجعلوا يدّعون أن الشر قوة، فإذا افتخروا فبالقوة لا بالشر. ثم رأوا الناس يتحدثون بالخير، فأمسكوا عن افتخارهم بشرِّهم حياءً -والحياء من علائم الخير-، وجعلوا يتكلفون الخير تكلفا.
ويدّعونه ادعاء؛ اختلاسا لثقة الناس بهم. ثم لم يلبثوا أن خاصت نفوسهم من الشرِّ، وأصبحوا من أهل الخير برغم أنوفهم. ”فإذا رأيتم بعد اليوم أشرارًا فلا تقنطوا من رحمةِ الله”.
ومنهم نوع يقول: إنما الحياة واجب. وأصحاب هذا المذهب يحملون الدنيا على ظهورهم؛ يمرض الناس فيعودونهم، يفرح الناس فيهنئونهم، يحزن الناس فيعزونهم، يعجز الناس فيساعدونهم، تُظلم البصائر فينورونها، تعثر الأقدام فيقيلون عثراتها.
يقع خلاف بين الناس ولو في أقصى البلاد فيتطوعون لإزالته. ”إذا رأوا اعوجاجًا قوّموه، وإذا رأوا استبدادًا قاوموه”. هذا الفريق من الناس هو الذي عناه الشاعر بقوله:
بهم النجاة من الأذى، وعليهمُ
في كلِّ فادحةٍ نصيب معول
ختامًا:
قد يميل أصحاب اللذة إلى المجد والواجب، وقد يميل أصحاب المجد إلى اللذة والواجب، وقد يميل أصحاب الواجب إلى اللذة والمجد. فإذا تجاذبت الواحد منهم هذه الميول؛ فصاحب اللذة يضحي بالمجد والواجب في سبيل لذته، وصاحب المجد يضحي باللذة والواجب في سبيل مجده.
”أما صاحب الواجب فيضحي بلذته ومجده، بل هو على استعداد لأن يضحي بحياته في سبيل واجبه”.
.
• خليل السكاكيني - القدس ١٩٤٦م.

جاري تحميل الاقتراحات...