هل للأمر علاقة بانتحار عنايات الزيّات وهي لا تزال في السابعة والعشرين؟ أم بالظلم الذي مورس ضدها اجتماعيًا وقانونيًا وأدبيًا؟ أم بروايتها الوحيدة التي قوبلت بالرفض والإهمال من قبل الناشرين والأدباء؟ حرصتُ أن أقرأ "الحب والصمت" أولًا كي أكوّن رأيًا عنها بمعزل عن تأثير مرسال.
أول ما فاجأني حين قرأت الرواية ذلك الصوت الوحيد الحزين، الذي يشعر بوحدته وفردانيته دون أن يستطيع الفكاك منها؛ صوت أصيل وحديث في وقت سادت فيه موجة من الأدب الوجودي هي إلى الافتعال والتكلّف أقرب، أما صوت عنايات فلأنه ينبع من أعمق أعماق كآبتها المرضية هو برئ من الافتعال.
إنّ الأعمال النابعة عن الكآبة جيّدة وحديثة بالضرورة: جيّدة لأنّ الكآبة بمثابة سجن، يمنع الاتصال مع الخارج، ولذا أي محاولة تنجح في كسر الحصار وإيصال الشعور عبر وسيط اللغة هي بالضرورة أصيلة ومميزة. وحديثة لأن إحساس الاغتراب وعدم القدرة على التواصل سِمة تطبع عصرنا وأدبنا الحديثين.
تقول عنايات على لسان بطلتها: "ولكنّ فرديتي تتضخم، وتعزلني داخل نفسي، وتفصلني عن الكل. أحيانا أجدني أنظر من داخلي من نافذة عيني إلى الناس والأماكن حولي، ولكني لا أتفاعل معهم، وكأني قد انفصلت عنهم، وعن وجودي، وخرجت من داخلي أتفرّج وأسمع، وكأنه ليس لي جسد يتحرك ويعيش."
وتقول: "جلستُ في الشرفة وحيدةً أنظر إلى الكون، وأتأمل السماء، وأعطاني الغروب معنى حزينا بأني وحيدة، كأني إله صغير بلا أب، بلا أبناء، بلا نسل، بلا علاقات، ألوذ بنفسي وأخافها. جدراني الصمّاء لا تكلّمني. الصمت من حولي بلا لسان، جسدي مغلق بلا نوافذ، بلا أبواب."
وتقول: "إنني أمشي في ضباب، عجوزَ الروح مكتهلةَ الفؤاد. لستُ وحدي التي أصبحت عجوزًا، كل البيت. انظري حولكِ: هل هذا بيتنا الذي تعرفينه؟ كل شيء مات فيّ، حتى الورود في الحديقة ذبلت وشاخت." ... وتقول: "تدريجيًا بدأ الصمت يحتضر، وتكلّم السكون أخيرًا وثرثر، وأضاء الظلام."
لكن هذه الومضات لا تستمر دائما، إذ سرعان ما تجنح الرواية إلى رومانسية ممجوجة وكأنها سُلخت من فلم هابط. نكشتف أنّ معرفة بطلة رواية "الحب والصمت" بالأثاث والأشياء تفوق معرفتها بالأشخاص والعلاقات الغرامية. صفحاتها عن الحب في غاية الغثاثة، لكنها حين تختلي بأشيائها تكتب نثرها المحلّق.
يذكّرُ صوتها حين تتحدث عن كآبتها بصوت سيلفيا بلاث في الناقوس الزجاجي، وأوسامو ديزاي في الشمس الغاربة، ورينوسكيه أكتوجاوا في تروس، لكن عندما تتحدث عن الحياة والحب والعلاقات الإجتماعية يخور ذلك الصوت ويتهدّج حتى يذكرنا بأسوأ ما في روايات إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله.
لا بد أنّ صوت كآبتها الفريد هو ما فتن إيمان مرسال وجعلها تشرع في رحلتها المنهكة في قاهرة الخمسينيات والستينيات وكأنها تسير نائمة خلف ندّاهة. رحلة تبدأ في المقابر، ثم تمر بنا في قاهرة العصر الذهبي، فنرى الثورة، واستديوهات السينما، ومحكمات الطلاق، وحركات النسوية، وحفلات الكوكتيل، =
ورحلات البحر، وصناعة النشر، وعلم المصريات، لنكتشف أن رحلة البحث عن إنسان بمثابة دخول عالمٍ كامل، فالعالم ليس واحدًا وإنما عوالم، على عدد العقول التي تتمثله. ليس هذا سبب افتتاني الوحيد بالكتاب، وإنما الطريقة المزدوجة التي كتبت بها مرسال كتابها ليصبح عنها وعن عنايات في نفس الوقت.
شرعت مرسال تزرع بذكاء وتلطفٍ دلائلَ شبَهٍ بينها وبين عنايات على طول الكتاب: لديهما نفس الحساسية، ونفس نوبات الفزع، ونفس الارتباك أمام طبقات المجتمع المغايرة. كانت تستحضر تجاربها الخاصة في كل خطوة تقود إلى عنايات: تتذكر محاولات نشرها الأولى حين تقرأ عن فشل عنايات في نشر روايتها. =
تفتّش في صندوقها الخاص وتعيد ترتيبه حين تفشل في الوصول إلى صندوق عنايات. تبدأ كتابها في المقابر عندما تقرأ ملاحظةً لعنايات تقول فيها: "يحب أن تبدأ الرحلة في المقابر". أما لحظة النيرفانا في الكتاب فعندما جلست على كنبة مدام نحّاس وفي يدها صورة لعنايات جالسةً على نفس الكنبة.
هل كانت ترى في ملامح عنايات صورةً لها لكن بالأبيض والأسود؟ هل تراها ظلها الممتد في عصر القاهرة الذهبي أو العكس؟ المؤكد أنّ هناك سؤالًا يلحّ بين سطورها وإن أحسنت اخفاءه: ماذا لو أني أنا أيضا استسلمتُ في بداية مشواري للرفض، وللتحيّز الذكوري، ولسلطة المجتمع، هل كنت سأنتهي نهايتها؟
لقد كانت عنايات تمنّي نفسها بأن تكون كاتبةً معروفة، وها هي مرسال تكتب وتُقرا وتُناقش على أوسع نطاق.كانت عنايات تمنّي نفسها بالسفر، وها هي مرسال تسافر وتُستضاف شرقًا وغربًا بعد هجرتها. كانت عنايات إرهاصًا مبكرًا لصوت نسويٍ جرئ، وها هو هذا الصوت ينمو ويصفو بفضل عنايات ورفيقاتها.
لا بدّ أنّ مرسال أخذت تنظر من شقتها البعيدة إلى جُثة عنايات المُسجّاة في الدقّي -وبينهما محيطٌ وربع قرن- بمزيج من الأسى والامتنان! هناك فصل لا يُفوّت عن جزّ الشعر، تسطّر فيه مرسال شكرها لرائدات العمل النسوي من عائشة التيمورية إلى عنايات، فلولاهن ما كانت مرسال وغيرها من كاتبات.
هناك جملةٌ ترد على لسان نجلاء بطلة "الحب والصمت" نهاية الفصل الأول؛جملة عجيبة، كأنها من كلام نوفاليس أو كلايست أو هولدرلن: "سأترك جُثتي الحيّة تعوم على صفحة الليل لتنقلني للغد، لأيام أخرى قديمة." لا بدّ أنّ هذا ما شعرت به مرسال وهي تسير في أثر عنايات!
جاري تحميل الاقتراحات...