تعليقي عن الإحتجاجات في إيران وتداعياتها السياسية والأمنية على النظام السياسي في إيران وهل سيخرج الشعب الإيراني مجدداً بعد بعد قمع الإحتجاجات الأخيرة . يتبع
1-شهدت إيران في مساء يوم 15 نوفمبر حركة احتجاجات شعبية واسعة بعد الإعلان عن رفع تسعيرة البنزين إلى ثلاثة أضعاف وكانت هذه الاحتجاجات في بداية انطلاقتها سلمية ولكن بشعارات سياسية واهداف سياسية ."
2-رفع تعرفة سعر البنزين إلى ثلاثة أضعاف في ظل العقوبات الأمريكية وانتشار البطالة وارتفاع التضخم وهبوط العملة الإيرانية كانت تمثل إشارات مخيفة للشارع الإيراني بأن النظام السياسي الإيراني يعيش على حافة الهاوية الاقتصادية، ولذلك يجب أن يكون للشعب الإيراني كلمته وموقفه بهذا الشأن .
3-وفقاً للإحصائيات الشبه رسمية خرجت اكثر من 200 مدينة في هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات الشعبية والتي عرفت" باحتجاجات البنزين " في ايران ، ويعتبر هذا الرقم مربك جداً لدوائر صنع القرار والدوائر الأمنية في طهران .
4- تم رصد مشاركة مدن الأطراف ومشارف المحافظات الكبرى بجانب المدن الصناعية الكبرى كاصفهان والأحواز وشيراز وطهران في هذه الاحتجاجات ولأول مرة تنخرط اغلب المحافظات في احتجاجات موحدة ولأول مرة يشارك الفرس بجانب العرب والأكراد والأتراك الأذريين والبلوش في احتجاجات شاملة في إيران .
5- كان يرى الشعب الايراني في هذه الاحتجاجات بانها " أخت الثورة العراقية " بطبيعة النظام العراقي القائم على أساس طائفي تحت غطاء المرجعية والمليشيات العسكرية الموالية لايران في العراق والنظام الايراني الذي قائم على أساس سلطة ولاية الفقيه والآيات الله والحرس الثوري في ايران
6- لذلك طرح شعار " باسم الدين ، باقونا الحرامية" والشرطة والشعب يد واحدة" من قبل المتظاهرين في ايران ، وكان يرى الشارع الايراني بأن الحراك الثوري في لبنان والعراق قد يدفع " صانع القرار الإيراني" بالتراجع قليلا داخليا في حال استمرت احتجاجاتهم إلى عدة أيام وقد تتحقق بعض مطالبهم ."
7-في اليوم التالي من الاحتجاجات خرج الشارع بمظاهرات سلمية و قلد الإيرانيون الحراك اللبناني والعراقي فمثلًا : في طهران لعب المتظاهرون كرة القدم اثناء الاحتجاجات ، وفي بعض المناطق قام المتظاهرون بتوزيع الأكل ومياه الشرب على سائقو السيارات التي توقفت سياراتهم في وسط الاحتجاجات
8- وايضاً بعض النساء الإيرانيات جهزن الأكل ووزعن وجبات غذائية على المتظاهرين وكلها كانت حالات تدل على تأثر الشارع الايراني بأحداث المنطقة العربية وفي شيراز تم توزيع الورود على الشرطة في إشارة إلى سلمية الاحتجاجات كما شاهدنا ذلك حدث في العراق ولبنان .
9- النظام السياسي في إيران وخاصة التيار المحافظ الأصولي لاول مرة يظهر خشيته بوضوح من هذه الاحتجاجات ووصف اللواء ركن سلامي قائد الحرس الثوري هذه الإحتجاجات بانها كانت "حرب عالمية" تهدف إلى إسقاط النظام في ايران.
10_ لذلك يبدو مساء اليوم الثاني من الاحتجاجات قرر النظام السياسي في ايران قمع هذا الحراك الواسع من خلال قوات الباسيج ( قوات التعبئة ) والحرس الثوري والقوات الخاصة لمكافحة الشغب وجهاز الاطلاعات وشعبة أمن المعلومات لقوات الحرس الثوري الايراني والشرطة الإيرانية .
11-وقبل اتخاذ قرار قمع الاحتجاجات كان على النظام الإيراني و " الخلية الأمنية " التي تقود عمليات قمع هذه الإحتجاجات ، كان عليهم قطع تواصل الداخل مع الخارج عبر حجب شبكة الإنترنت ، واستغرق 24 ساعة من الوقت لحجب شبكة الإنترنت تماماً من ايران .
12-شاركت سرايا عسكرية كاملة من قوات الحراس الثوري والباسيج وايضا اجهزة الشرطة الإيرانية في قمع الاحتجاجات الإيرانية ونزلت جميع هذه القوات والأجهزة الأمنية إلى الشوارع في طهران والأحواز وشيراز وأصفهان وكردستان، وكانت هذه الخمسة مناطق هي الأكثر سخونة وفقا للتقارير الرسمية الإيرانية
13-احتاجت"الخلية الأمنية"المكلفة بالتعامل مع الاحتجاجات في ايران من يومين إلى أربعة أيام لقمع الاحتجاجات واخماد الحراك تماماً،وفرض حالة طوارئ داخل المدن للقضاء على مناطق الحراك في ايران وسقط بحسب المصادر لنشطاء حقوق الإنسان اكثر من 400 قتيل وما يقارب 3700 جريح وآلاف المعتقلين .
14-لماذا كانت تختلف هذه الاحتجاجات عن سابقاتها في ايران ؟!طرح هذا السؤال بشكل واسع وتم تداوله من قبل المعارضة والموالاة والنخب السياسية وعلماء الإجتماع في ايران وكانت تختلف القراءات حول ما يميز هذه الإحتجاجات عن سابقاتها ، ولكن الجميع كان يتفق على أن هذه الإحتجاجات كانت شاملة ."
15- في الاحتجاجات السابقة والثورة الخضراء في عام 2009 وثورة الأحواز عام 2005 وثورة الطلاب عام 1999 في ايران كانت الاحتجاجات غير شاملة فمثلًا عام 2005 كان الحراك يخص العرب في الأحواز فقط وسحق تماماً ولم يمتد إلى الأقاليم والمناطق الأخرى في إيران ."
16- وفي عام 2009 كانت الثورة الخضراء تعتبر ثورة نخبوية والطبقة الثرية والطبقة المتوسطة هي من خرجت ضد تزوير الانتخابات الرئاسية في إيران وكانت الثورة تقتصر على تيار الاصلاحيين وصراعهم مع المحافظين في إيران .
17- ولكن ما حدث في الإحتجاجات الأخيرة الوضع يختلف تماماً والشريحة غير المسيسة والشريحة التي تعيش تحت خط الفقر والطبقة المتوسطة التي بسبب الأوضاع الاقتصادية التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية انتقلت إلى الطبقة الفقيرة وأصبحت تعيش تحت خط الفقر ، هي من خرجت إلى الشارع في إيران
18_ وهذه الشريحة التي شاركت في هذه الإحتجاجات ليس لديها توجه فكري محدد وترى نفسها بان تطلعاتها وأهدافها وأولوياتها ومبادئها وقيمها غير مرتبطة بالنظام السياسي القائم في ايران ."
19-وصف عالم الاجتماع الايراني البارز معيدفر الاحتجاجات في ايران بانها احتجاجات الطبقة المسحوقة ولكن الأخطر من ذلك، هو ان هذه الطبقة شكلت " جيش من الجياع " وأصبح هذا الجيش يفكر بالتحرك ، وفي حال تحرك هذا الجيش من الجياع لا تستطيع اي قوة في ايران بالوقوف امامه أو قمعه كما حدث الان
20- يقدر عدد الفقراء والفئة التي تعيش تحت خط الفقر وحياتهم اليومية مسحوقة تماما ما يقارب 25 مليون إيراني ويعتقد علماء الاجتماع في ايران بأن الثورة المقبلة ستكون من نصيب هذه الفئة وأن ليس لدى هذه الفئة المسحوقة ما تخسره ولا يمكن لأي قوة إجهاض ثورة " جيش الجياع"في إيران ."
21-ويحذر اصحاب القلم والنخب السياسية في ايران من انه في حال لم يعترف النظام السياسي في إيران بفشله السياسي والإقصتادي وفي حال لم يقوم بإيجاد إصلاحات حقيقية تعمل على ابعاد العسكر من دوائر صنع القرار في ايران سنكون أمام سوريا جديدة في ايران ."
22- يقول النخب الإيرانية بأن ايران جاهزة لتكون اصلا اكثر من سوريا لأن هناك فوارق طبقاتية قسمت المجتمع الايراني ، وإضافة إلى ذلك نحن شعب فيه اقليات عرقية ودينية لا يمكن الاستهانة بقوتها وفي حال حدثت الثورة والانهيار ستخرج مناطق الأقليات تماماً عن سيطرة النظام في ايران ."
23-يقول تيار الاصلاحيون في إيران بان ايران أمام مفترق طرق وصحيح بانه تم قمع الاحتجاجات الحالية ، ولكن كل أسباب هذه الاحتجاجات لا زالت باقية ولا توجد أي نية اصلا لدى " الدولة العميقة " لإصلاح الوضع الإقتصادي والسياسي وقضية الحريات في ايران."
24- أعتقد نحن أمام مرحلة تشبه مرحلة عامي 1979-1977 حيث كانت الاحتجاجات تتوسع بشكل كبير في إيران وتقمع بشدة من قبل النظام الشاهنشاهي حينها وايضا لم تكن هناك نية لإصلاح النظام السياسي والاقتصادي من قبل شاه ايران محمد رضا شاه البهلوي المدعوم غربيًا .
25- أشار مير حسين موسوي ( من زعماء الحركة الإصلاحية ومرشح الرئاسة الإيرانية عام 2009 ( في بيانه إلى حادثة " يوم الجمعة الأسود " الذي قتل فيه العديد من الثوار على يد حرس شاه ايران .
26-وقال موسوي بان ما حدث اليوم من قمع على يد حرس الثورة هو يشبه تماما ما حدث في يوم ”الجمعة الأسود ” في حادثة " ميدان جاليه" عام 1978ولكن الفرق هو ان النظام الذي كان يقتل هناك غير ديني وهنا نظام ديني يؤمن بولاية الفقيه ."
27-تاريخيًا في جميع الثورات التي شهدتها ايران كان رجال الدين والمراجع هم في مقدمة هذه الثورات، وفي عام 1905 في الثورة الدستورية كان آية الله ميرزايي وفي عام 1979كان بهشتي وباهنر ومنتظري والخميني وفي 2009 كان كروبي واية الله صانعي في مقدمة قيادة هذه الثورات الشعبية في ايران
28-ولكن في هذا الحراك الأخير، لا يوجد اي رجل دين يقود هذا الحراك ، بل حرقت عشرات المدارس والحوزات الشيعية في اغلب المدن الإيرانية، مما يشير إلى ان الشارع الايراني يرى انه طبقة رجال الدين هم السد المنيع لهذا النظام السياسي الخليط من الحرس الثوري والبازار وآلايات الله في ايران."
29-تاريخيا في جميع الثورات الإيرانية كان البازار الايراني هو من يمول الثورة ورجال الدين لذلك تجد العلاقة بين رجال الدين والبارز الايراني وثيقة جدا وحتى الان بقيت متماسكة لذلك الحراك الحالي كان غير ممول لا داخليا ولا دوليا مما ساعد النظام على قمعه بعيدا عن الإعلام وبشكل سريع جدا.
30- شعارات هذه الاحتجاجات ركزت على الشأن الداخلي الايراني والشق الآخر من هذه الشعارات ركزت على سياسات ايران الخارجية، على سبيل المثال في احد المظاهرات تم إنزال لافتة كتب عليها " الموت لأمريكا " في إشارة إلى موقف الشباب الايراني من امريكا وأنهم ليسوا بموقف العداء من امريكا .
31-وايضا رفعت شعارات حول التدخل الايراني بسوريا والعراق ولبنان ، وربط الشارع الايراني تدخل النظام الايراني بشؤون الدول العربية بالمأساة التي يعاني منها الشعب الايراني في داخل بلاده ،حيث اصبح يعتقد الشعب الايراني بأن معاناة الناس هنا في ايران هي بسبب سياسات النظام الخارجية.!
32-ستكون تداعيات قمع هذه الاحتجاجات مكلفة جدا للنظام السياسي في إيران، حيث ان موازين القوى إجتماعيا تحولت ولأول مرة لصالح الشارع الايراني ولكن على المستوى العسكري لا يزال النظام بشقيه العسكري والديني والبازار متماسكاً ضد هذا الحراك في ايران .
33- تعتقد النخب الإيرانية وخاصة علماء الاجتماع في ايران بان الوضع الاجتماعي والسياسي الحاليو قمع هذه الاحتجاجات ستكون تداعياتها خطيرة جدا على النطام الإيراني وخطابه الداخلي ،و سيظهر كل ذلك في الثورة المقبلة التي ستشهدها ايران مستقبلًا .
34- تقول هذه النخب الإيرانية بأنه سوف تتعسكر الثورة الإيرانية المقبلة في حال استطاعت ان تستمر لمدة ثلاثة أسابيع فقط لان طبيعة النظام والضغط الاجتماعي الذي تراكم على الشخصية الإيرانية ، صنع منها شخصية انتقامية وعصبية ، و كل ذلك سيمهد الطريق لعسكرة الثورة المقبلة في ايران ."
35- يرى منظري التيار الاصلاحي في إيران بأن خطورة هذه الاحتجاجات تكمن في عدم وجود اي دور للاصلاحيين في هذا الحراك بمعنى ان هذا الحراك هو من يقود نفسه منطلقًا من الجوع والفقر والبطالة من مناطق الهوامش ومشارف المدن والأطراف وهكذا حراك يؤسس إلى واقع جديد ووعي جديد بين الشارع الايراني
36-يعتقد اليوم غالبية الشعب الإيراني وخاصة الطبقات الإجتماعية المسحوقة في إيران، بان الإصلاحات في البلاد لن تتم عبر التيار الاصلاحي في ايران لان هذا التيار أصبح اليوم بمواقفه الداعمة لقمع الاحتجاجات جزء من هذه المنظومة السياسية والأمنية في إيران .
37-كما وتم تجربة هذا التيار في عهدي خاتمي وروحاني ولم يجدي نفعاً، لذلك يجب ان يكون التغيير يأتي من خارج المنظومة السياسية الحالية في ايران و في حال نجح ذلك يعني تغيير النظام السياسي الحالي في ايران ."
جاري تحميل الاقتراحات...