”وأشد النكبات التي يُصاب بها البشر «نكبة الغفلة»؛ لأنها محو لما تقوم بهِ حياة الناس. والمرء لا يكون إنسانًا نامياً إلا مع اليقظة، فإذا سُلب اليقظة، فقد استقرّ في حومةِ الموت والهلاك، وإن بقي حيّا يتحرك”.
رحمك الله يا أبا فِهر؛
إنها نكبة الغفلة التي ذكرت!
رحمك الله يا أبا فِهر؛
إنها نكبة الغفلة التي ذكرت!
مِما يثقل كاهِل المرء ويعجِّل وَخْط الشيْب في عارضِهِ ولِمّته؛ إدامة تأمُّل الحال وترقُّب المغبّة والمآل. والمُنصف الحصيف يجزم من غير لأيٍ في التفكير؛ أننا نعيش اليوم في زمنِ الغفلةِ والفوضى! نعم؛ إنها فوضى المفاهيم، والمشاعر، والرغبات، والأولويات..
ها قد باتت الغوغائية سمة العصر، وعنوان كتاب القرن. ومن جسّ نبض حياتنا الثقافية وجده في حالةِ ضَعفٍ يرثى لها. وأنا لا أدري ما أقول، هل السبب وراء كل هذا: جمود الفِكر أم فِكر الجمود؟ أم أنّ ”اكتساح الغوغائية لحياتنا الثقافية نتيجة لما حدث في حياتِنا السياسية” كما ذكر جلال أمين.
وإذا صَرفنا النظر عن جهةٍ ويمّمنا أخرى؛ وجدنا السعي الحثيث إلى النهضة، ولكن بخُطًى عرجاء مائلة! نعم؛ إن النمو الاقتصادي يساهم في تحقيقِ النهضة المنشودة -أقول يُساهم!-، ولكنها لا تتحقق بهِ وحده.
فالثروة لا تؤسس النهضة، بل المؤسس لها هو الفِكر، وأذكر ما كتبه بيجوڤيتش -رحمه الله- سنة ١٩٧٢: ”الثروة مع الفِكر تؤسس النهضة، ولكن الثروة بلا فِكر هلاك محقق!”.
وإذا رَنَا فؤادي إلى الحالةِ الاجتماعية؛ شاهد ما يضرّ ولا يسرّ، ولله في ذلك حكمة سارية. أمسَكَ بخِطام البعير من جهل الوِجهة والمسير، وتفرّقت الوشائج، وارتفع غطيط الوعي، وبرز المُثقف الوَرَقي مزهوّاً بصيته الكاذِب!
وأضحى المشهور -مؤنثًا ومُذّكرًا- قدوة الجيل؛ تفتح له المجالات، ويُستضاف في القنوات.. هل أخبرتُك أنه عُد من نُخبةِ البلاد؟! آهٍ حبذا الرُّقاد.
يا لها مِن فوضى.
يا لها مِن فوضى.
وإذا أَمطتَ اللِّثام عن واقعِ الحال، هالَك ما تراه من استعجامٍ في الأفهام! الوعي المُحرِّك للشعوب مهترئ! ما أسهل ما تُخدع الجماهير بكلمةٍ عابِرة عاطفية من مثقفٍ وَرَقي لا يؤمن بشيءٍ سوى المادة والمصلحة الشخصية!
الآن، ظهرَ لي عُمق كلمة علي شريعتي: ”الجماهير في حاجةٍ إلى الوعي، أما المثقف عندنا فهو في حاجةٍ إلى الإيمان”. الجماهير التي تُحرِّكها العاطفة تكون أطوع من الآلةِ في يدِ صانعها.
وأنا أعلم أن السبب ضَعف ظاهر في المؤثِّرِ والمؤثَّر فيه، لأن أيسر طُرق الإقناع وأشهر أساليب الخِداع؛ العزف على وترِ العاطفة، وتحريك الشعور الوجداني، الذي هوَ بمثابةِ المنوِّم المغناطيسي للوعي الإنساني.
وهُنا أستحضر ما قرأتهُ قريباً في محاورةِ جورجياس: ”إن دغدغة عواطف الجمهور ورغباته أشد إقناعاً من أي احتكام إلى العقل”.
يا لها من فوضى!
يا لها من فوضى!
في أحايين كثيرة يشعر المرء وكأنهُ غارِق في الفراغ! والفراغ هنا ليسَ عدَمًا كما قد يتوهّم بعض الكِرام، ولكنه دوامة مضطربة، غذّتها أحداث شتّى، وتأملات متفرِّقة، وقراءات مبعثرة، ومشاعر مُشتتة..
حتى انعَدمت -أو أضحت شِبه منعدمة- الرؤية الواضحة المفضية إلى الأحكام الصريحة! هل هذا ما أراده الروائي الأمريكي بوكوفسكي بقوله: ”نحن بشر يأكلهم اللاشي!”.
”وهكذا فأنا لا أنتمي إلى أي بلاد، وحيثما حللت فأنا غريب، أو ضيف في أحسن الأحوال” أُردد قول ستيفان زفايغ هذا عندما أشعر بالغربة، وما أكثر ما أشعر بها. أتلّفت من حولي وإذ بوجوهٍ مألوفة ولكن الطبائع غريبة، أعرِف السَّحَنات وأُنكر الأفعال والرغبات.
فهل تقدّم الناس ورجعت أنا! أما بدّلوا وثبتُّ أنا؟! هذا خيال فيه من التبجُّحِ والخَطَل ما فيه. ولكن المؤكد الثابت عندي هو أنني غريب، ولعلّ الشاعر القائل:
تَغيّرت البِلاد ومَن عليها
كأنّ أُناسها ليسوا بناسِ
أقول لعلّه نَطَق بلساني!
تَغيّرت البِلاد ومَن عليها
كأنّ أُناسها ليسوا بناسِ
أقول لعلّه نَطَق بلساني!
إذا أفقدتك قسوة الأيام اتزانك، وخشيت على نفسِك التي طالما حرِصت على رفعها عن خسيسِ الحال؛ فَفِرّ إلى الاختلاء بها. إذا أحسستَ بتلوثٍ في الجوِّ العام، وتبدّى لك قول شكسبير الشهير: ”الجحيم فارغ، وكُل الشياطين هنا”؛ فعليكَ بالعُزلة، فإنها دواء مَن أحكم قيْد عقله.
لابُد للعاقِل أن يروض نفسه على العُزلةِ بين الفينة والأخرى، فإنها الخَلاص بعد توفيق الله ورعايته، وفيها تتدفق كنوز المعارِف من تليدٍ وطارف على المُتأمِّل العارِف!
أنا سارِبٌ خشي على نفسِه من الهلاك، فأخذَ يتلمس بفؤادٍ حامزٍ مواطِن الإيمان، ويرجو من خالِقِهِ التوفيق في سَيره. أنا غريب فِي وطن ومواطِن في غُربة؛
أتعلّق بالأُمنيات، وأتشبّث بكُل معنًى يبقيني على قيْدِ الحياة، وأسعى بجِد في سبيلِ غايةٍ مرجوة، ”لأن الذي لا يؤمن بأن في الوجود غاية يعيش لأجلها هو ميّت في الحقيقة”. كما قال الشيخ المحترم تولستوي.
”فإن الله يُحيي القلوب الميّتة بالعِلم، كما يُحيي الأرض بوابل المطر”. مذ قرأتُ هذهِ الكلمة المنسوبة للقمان الحكيم، وأنا أُمنِّي النفس وأشدّ عليها، لعلّ وعسى أن يرحمني الرحمن بورقةٍ خضراء أُحارب بها بلاقع عقلي.
ما هذا التشعُّب؟
.. حقّاً يا لها من فوضى!
ما هذا التشعُّب؟
.. حقّاً يا لها من فوضى!
جاري تحميل الاقتراحات...