#بلاغة
الكناية والمجاز فضيلة الانقياد ومجدُ العناد
حدثني حبيبي وإمامي أبو يعقوب يوسف السكاكي (نوّر الله قبره وكثّر في الأمة أشباهه) بأنّ الكناية عن الصفة على قسمين:
-قريبة: تنتقل فيها إلى مطلوبك(وهو الصفة) من أقرب لوازمه إليه.
-بعيدة: تنتقل فيها إلى مطلوبك(وهو الصفة)
الكناية والمجاز فضيلة الانقياد ومجدُ العناد
حدثني حبيبي وإمامي أبو يعقوب يوسف السكاكي (نوّر الله قبره وكثّر في الأمة أشباهه) بأنّ الكناية عن الصفة على قسمين:
-قريبة: تنتقل فيها إلى مطلوبك(وهو الصفة) من أقرب لوازمه إليه.
-بعيدة: تنتقل فيها إلى مطلوبك(وهو الصفة)
من لازم بعيد بوساطة لوازم متسلسلة.
ومثّل للقريبة بقوله: فلانٌ طويلُ النّجاد. ليريني أنّ المتكلم انتقل من صفة متعلِّقة إلى صفةٍ متأصِّلة، والصفة المتعلِّقةُ هي (طول حمائل السيف= طويل النجاد) والصفة المتأصِّلةُ هي (طول القامة).
ومثّل للقريبة بقوله: فلانٌ طويلُ النّجاد. ليريني أنّ المتكلم انتقل من صفة متعلِّقة إلى صفةٍ متأصِّلة، والصفة المتعلِّقةُ هي (طول حمائل السيف= طويل النجاد) والصفة المتأصِّلةُ هي (طول القامة).
ومثله مثال آخر يُجلّي المسألة وقد أورده حبيبي وإمامي فقال: (فلانة نؤومُ الضحى). فرأيته (رحمه الله) يشير إلى صفةٍ متعلِّقة بالموصوف هي (النوم وقت الضحى) والصفة المتأصِّلة هي (المنعّمَةُ المُرفّهةُ التي يقوم غيرها بشؤون حياتها، وتتفرّغُ هي لذاتها ولذّاتِها).
واستنبطتُ من حديثه أن الكناية القريبة عن الصفة يكون اللازم فيها متصلا بالموصوف اتصالا شديدًا كأن يكون أحد أجزاء جسمه أو أحد ما له اتصال بشكله كالطول والبسامة والجسامة أو ثابتٌ ثبوتًا أكيدًا في حركة يومه وليلته، بمعنى: أن يكون شيئا يتصل بذات الموصوف اتصال اليد بالجسد.
ثم مثّل للبعيدة بقوله: فلانٌ كثيرُ الرماد. فرأيته (رحمه الله) يشير إلى ما يجري في مِلك الموصوف مما هو مسؤول عنه، أو مؤتمرٌ بأمره، أو منقطعٌ إليه انقطاع (الكلب لصاحبه).
ووجدتُ أنّ البعيدة يكون اللازم فيها مما يتصل بالموصوف من بعيد على معنى المجاورة أو الملكية أو الولاية وليس كالقريبة التي يكون الاتصال فيها اتحادا بالذات أو إشعارا للجسد.
ولابد أن يكون في البعيدة تسلسل منطقي مستخلص من خاصّة شأن اللازم=
ولابد أن يكون في البعيدة تسلسل منطقي مستخلص من خاصّة شأن اللازم=
فالرماد متولد من الجمر، والحمر متولد من إحراق الحطب، وإحراق الحطب من أجل الطبخ، والطبخ مستلزم للآكل، والآكل ضيف، والضيف مستلزم لوجود مضيف والمضيف هو فلان.
ومما استشهد به أبو يعقوب السكاكي على ذلك قول الشاعر:
وما يـكُ فيّ مـن عـيبٍ فإني
جبانُ الكلب مهزولُ الفصيل
ومما استشهد به أبو يعقوب السكاكي على ذلك قول الشاعر:
وما يـكُ فيّ مـن عـيبٍ فإني
جبانُ الكلب مهزولُ الفصيل
وجُبنُ الكلبِ من لوازم حسن التأديب الذي يكنى به عن المضيافية، وكذلك هُزال الفصيل من لوازم كثرةِ النحر الذي يكنى به عن المضيافية.
وهنا تساءلت: هل سرعة الانتقال من اللازم إلى الملزوم دليل على فضيلة في (القريبة) ونقص في (البعيدة) كالذي نجده في الاستعارة=
وهنا تساءلت: هل سرعة الانتقال من اللازم إلى الملزوم دليل على فضيلة في (القريبة) ونقص في (البعيدة) كالذي نجده في الاستعارة=
التي تنقل فيها الصفات من طرف إلى طرف بشكل سريعٍ جدًّا يقتضي الاقتصار على أحد الطرفين لمعالجة النقل، والإشارة إلى الطرف المتروك بقرينة أو لازم خاص به؟
والذي أجده في ذهني أنّ السرعة لم تمنح الكناية القريبة فضيلة على البعيدة لأنّ العمل في الكناية عمل براهين
والذي أجده في ذهني أنّ السرعة لم تمنح الكناية القريبة فضيلة على البعيدة لأنّ العمل في الكناية عمل براهين
وكل ما يؤدي إلى النتيجة طال أو قصر يعتبر مفيدًا.
ثم تساءلتُ: هل كل كناية عن صفة من قسم القريبة أمتع من البعيدة؟ أو هل كل كناية عن صفة من قسم البعيدة أعمقُ من القريبة؟
فوجدتُ أنني لا أجد في بُعدِ الكناية عن الصفة ما يدل على عمق هو أميز من قربها،
ثم تساءلتُ: هل كل كناية عن صفة من قسم القريبة أمتع من البعيدة؟ أو هل كل كناية عن صفة من قسم البعيدة أعمقُ من القريبة؟
فوجدتُ أنني لا أجد في بُعدِ الكناية عن الصفة ما يدل على عمق هو أميز من قربها،
ولم أجد في قرب الكناية ما يدلُّ على أنها أمتعُ وأخفُّ من تلك البعيدة.
والذي في ذهني أنّ سرّ الكناية في الكشف لا في الخفاء، وفي الانقياد لا في العناد وهذا أمرٌ أشار إليه أبو يعقوب السكاكي -رحمه الله- عند تأمله أسلوب الكناية وطريقة المجاز فقال:
والذي في ذهني أنّ سرّ الكناية في الكشف لا في الخفاء، وفي الانقياد لا في العناد وهذا أمرٌ أشار إليه أبو يعقوب السكاكي -رحمه الله- عند تأمله أسلوب الكناية وطريقة المجاز فقال:
"والفرق بين المجاز والكناية يظهر من وجهين: أحدهما أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها... والمجاز ينافي ذلك... لأنّ المجاز ملزوم قرينةٍ معاندةٍ لإرادة الحقيقة -كما عرفت- وملزوم مُعانِدِ الشيء معاندٌ لذلك الشيء".
ولما سمعتُ شرحه وتأملتُ هدوءه علمتُ أنني مسعودٌ به
ولما سمعتُ شرحه وتأملتُ هدوءه علمتُ أنني مسعودٌ به
وأنّ حديثه نغمٌ أصيل، وشرحه بلسمٌ لطيف، فقلتُ في نفسي: إنَّ عناد المجاز لا يعني جودته، ولا انقياد الكناية يعني سخفها وقلّة مكانتها، لكنها الطرائق الكلامية التي تشتغل في وقت تكون هي أنسب من غيرها فيه، ولذلك فالكناية كشفٌ عن موجود متصل بالطرف الذي تدور عليه الكناية
والمجاز بناء لجديد مستمد من الأطراف التي يحدث بينها تداخل.
والكشف في الكناية يستدعي أن يكون الانتقال انتقالا علميًا من اللازم إلى الملزوم؛ لأنّ اللازم مظهرٌ حقيقي من مظاهر الملزوم.
والعناد في المجاز يستدعي أن يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم؛ لأنّ طريق المجاز=
والكشف في الكناية يستدعي أن يكون الانتقال انتقالا علميًا من اللازم إلى الملزوم؛ لأنّ اللازم مظهرٌ حقيقي من مظاهر الملزوم.
والعناد في المجاز يستدعي أن يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم؛ لأنّ طريق المجاز=
يقوم على إدخال ملزوم في ملزوم لينتقل إلى لازم جديد ينتمي له أحد الملزومين، هو كالفارس الذي يشق الصفوف ليصنع من تداخل الصفوف والرماح والسيوف لوازم النصر والهزيمة.
وخلاصة حديثي مع أبي يعقوب السكاكي أنّ الكناية تنحاز نحو الإفادة العلمية البرهانية أكثر من الأساليب الأخرى التي تجمع بين الإفادة والإمتاع على حد سواء، وأنّ المجاز مغامرةٌ في الكلمات تنهضُ بالروح عندما لا نجد في عالمنا من يذهب معنا في لوازمنا إلى مستلزماتنا.
شكرًا لكم ?
شكرًا لكم ?
رتبها @Rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...