جاءني أحد الزملاء اليوم، وعلاقتي فيهِ ليست بمتينة، مُجرَّد زميل.
كثيرَ الصمتِ.
خجولَ المُحيا.
قاطِبَ الجبين، إلى العبوسِ هو أقرب.
لا يُخالط أحدًا، ويتحاشى أن يَفعل .. مُنعزِلٌ، لا تراه يمشي مع أحد، ولا ترى أحدًا يمشي معه.
لا تكادُ تصطنِعُ معه حوارً، إلا وأحسستَ أنه يريدُ إنهاءه!
كثيرَ الصمتِ.
خجولَ المُحيا.
قاطِبَ الجبين، إلى العبوسِ هو أقرب.
لا يُخالط أحدًا، ويتحاشى أن يَفعل .. مُنعزِلٌ، لا تراه يمشي مع أحد، ولا ترى أحدًا يمشي معه.
لا تكادُ تصطنِعُ معه حوارً، إلا وأحسستَ أنه يريدُ إنهاءه!
يتضحُ من ملبسهِ أن من طبقةٍ متوسطةٍ كحالِ أغلبِ الشعب.
كان الجميعُ يصفونهُ بغريبِ الأطوار، ويأنَفُونَ الحديثَ معه، ويظنونهُ مُتكبرًا، أو أنهُ معلولٌ نفسيًا.
لا أحد يعرفُ عنه الكثير، كان كاللغز.
الأكيد، أن الجميع ينظرون له بانتقاصٍ، لا أعلمُ لماذا!
ولكني مُتأكدٌ أنه لم يَضُر أحد!
كان الجميعُ يصفونهُ بغريبِ الأطوار، ويأنَفُونَ الحديثَ معه، ويظنونهُ مُتكبرًا، أو أنهُ معلولٌ نفسيًا.
لا أحد يعرفُ عنه الكثير، كان كاللغز.
الأكيد، أن الجميع ينظرون له بانتقاصٍ، لا أعلمُ لماذا!
ولكني مُتأكدٌ أنه لم يَضُر أحد!
كان ينادونه بالبخيل المُقتِرِ على نفسه.
لا نعرف إذا كانت لديه سيارةٌ أم لا!
ولا نعرف إذا سافر من قبل أم لا!
لكنهُ كان محط سُخريةِ الجميع، بل كانوا يكيلونَ عليهِ المُزاحَ الوقح علانيةً، وهو يسمع، ولا يرد.
كان ينظرُ في وجهِ الساخر منه، والضاحكين عليه، فيُطأطأ رأسه ويتوارى بعيدًا.
لا نعرف إذا كانت لديه سيارةٌ أم لا!
ولا نعرف إذا سافر من قبل أم لا!
لكنهُ كان محط سُخريةِ الجميع، بل كانوا يكيلونَ عليهِ المُزاحَ الوقح علانيةً، وهو يسمع، ولا يرد.
كان ينظرُ في وجهِ الساخر منه، والضاحكين عليه، فيُطأطأ رأسه ويتوارى بعيدًا.
رأيتهُ اليوم بعد الظهرِ صدفةً.
فاتجه إلي، وأنا الذي لم تتعدَ علاقتي معه السلام والرد عليه طيلة سنوات مضت.
جاءني وقال: عبدالله تسمح أتكلم معاك شوي؟
قلت: تفضل، سم.
قال: ليس هنا، هل نذهب إلى تلك الزاوية، فلا أريد أن أتكلم أمام الناس، فيقاطعوننا، ولا أود أن يراني أحد وأنا أتحدث معك.
فاتجه إلي، وأنا الذي لم تتعدَ علاقتي معه السلام والرد عليه طيلة سنوات مضت.
جاءني وقال: عبدالله تسمح أتكلم معاك شوي؟
قلت: تفضل، سم.
قال: ليس هنا، هل نذهب إلى تلك الزاوية، فلا أريد أن أتكلم أمام الناس، فيقاطعوننا، ولا أود أن يراني أحد وأنا أتحدث معك.
ذهبتُ معه إلى الممر، وقلت: سم يا فلان، فيه شيء؟
قال: أنا جائع ولم آكل من البارحة، هل تعطيني ٥٠ ريال أو حتى ٢٠ ريال، أنا محرج جدًا منك يا عبدالله، بس والله جوعان وأبغا أتغدى، وبرجعها لك قريب جدًا.
الله لا يوريكم كيف تألمت وتسمرتُ مكاني حينها، فهذا أول موقف يحدث لي بهذه الطريقة!
قال: أنا جائع ولم آكل من البارحة، هل تعطيني ٥٠ ريال أو حتى ٢٠ ريال، أنا محرج جدًا منك يا عبدالله، بس والله جوعان وأبغا أتغدى، وبرجعها لك قريب جدًا.
الله لا يوريكم كيف تألمت وتسمرتُ مكاني حينها، فهذا أول موقف يحدث لي بهذه الطريقة!
تفهمت وضعه، وعرفت اليوم العصر سوء حاله، فهو يُعيل والدته المريضة وأخواته وأبناؤهم.
أنا متيقن جدًا أن مثل هذا الإنسان لن يكذب أبدًا، وتيقنت فيما بعد أكثر أن الدنيا كانت قاسية جدًا عليه ومنذ صغره.
تيقنت أنه لم يطلب مني إلا بعد أن استحكمت حلقات الدنيا عليه، وعصرته قبضَتُها الخشنة.
أنا متيقن جدًا أن مثل هذا الإنسان لن يكذب أبدًا، وتيقنت فيما بعد أكثر أن الدنيا كانت قاسية جدًا عليه ومنذ صغره.
تيقنت أنه لم يطلب مني إلا بعد أن استحكمت حلقات الدنيا عليه، وعصرته قبضَتُها الخشنة.
حتى أنه رفض المبلغ الذي أعطيته، واكتفى بأخذِ الخمسين، وشكرني ومضى.
كم من إنسانٍ حولنا يُعاني، ولديهِ قصتهُ الحزينة والمؤلمة، ولم نكترِث لهم، وكُنا قاسين بالأحكامِ المُسبقةِ عليهم، غير آبهينَ بما تقولهُ ألستنا من السخرية أو قبيح الكلام وسوء الظن تجاههم، فنجرحهم، ونقتلهم معنويًا!
كم من إنسانٍ حولنا يُعاني، ولديهِ قصتهُ الحزينة والمؤلمة، ولم نكترِث لهم، وكُنا قاسين بالأحكامِ المُسبقةِ عليهم، غير آبهينَ بما تقولهُ ألستنا من السخرية أو قبيح الكلام وسوء الظن تجاههم، فنجرحهم، ونقتلهم معنويًا!
تعودُ بي المواقف التي مر فيها هذا الزميل!
كيف استهزأوا بملبسه، وثوبه الرَّث!
كيف انهالوا سخرية على سيارته القديمة المُهترئة، مما اضطره أن يوقفها بعيدًا عن أعينهم، حتى لا "يتفشل" من سخريتهم لهم.
كيف سخروا من جواله المهلهل القديم!
وكثير من المواقف المؤلمة.
كيف استهزأوا بملبسه، وثوبه الرَّث!
كيف انهالوا سخرية على سيارته القديمة المُهترئة، مما اضطره أن يوقفها بعيدًا عن أعينهم، حتى لا "يتفشل" من سخريتهم لهم.
كيف سخروا من جواله المهلهل القديم!
وكثير من المواقف المؤلمة.
العجيب أنه لم يرد عليهم في يوم من الأيام، أو دخل في جدال معهم.
كان يتوارى سريعًا مبتعدًا.
كيف كان يصبر!
كيف لم ينفجر بهم صارخًا أو مُعَارِكًا!
كيف تحمل كل ذلك!
أوجعني قلبي عندما استقصيت عن حالته، واكتشفت أن هُناك الكثيرون من حولنا يتألمون، ويتعذبون، لكن تحسبهم أغنياء من التعفف!
كان يتوارى سريعًا مبتعدًا.
كيف كان يصبر!
كيف لم ينفجر بهم صارخًا أو مُعَارِكًا!
كيف تحمل كل ذلك!
أوجعني قلبي عندما استقصيت عن حالته، واكتشفت أن هُناك الكثيرون من حولنا يتألمون، ويتعذبون، لكن تحسبهم أغنياء من التعفف!
جاري تحميل الاقتراحات...