فهد.
فهد.

@I0ll

17 تغريدة 470 قراءة Oct 05, 2019
«مجدُ القلم»
قرأتُ مقالة رَفيعة لميخائيل نعيمة موجهة إلى الأدباءِ الناشئين، ولما فيها من معانٍ سامية رأيتُ نقلها لكم بعد ضبطها والتصرّف اليسير بها. أرجو أن تكون ذات نفعٍ وفائدة.
تأتيني من حينٍ إلى حين رسائل من أدباء ناشئين يطلبون إليّ فيها أن أرشدهم إلى السُّبل الكفيلة بأن تجعل منهم كتّاباً وشعراء ذوي مكانة في دولةِ الأدب. إلّا أن الأُدباء يُخلقون ولا يُصنعون. والفرق بين الأديب المخلوق والأديب المصنوع كالفرق بين العين الطبيعية والعين من زجاج.
مَن كان معدّاً للأدب كان في غِنًى عمّن يدله على طريقه. ففي داخله ومن خارجه حوافز لا تتركه يستريح حتى يتمّ التزاوج ما بين عقلهِ وقلبه وذوقه وبين القلمِ والمداد والقرطاس.
لكُل ذي مهنة أو حِرفة عُدّة، وعدّة الأديب لغة وفِكر وخيال وذوق ووجدان وإرادة. وهذه كلها قابلة للتنمية والصقل، وخير الوسائل لتنميتها وصقلها هو احتكاكها المُستمر بما سبقها وما عاصرها من نوعِها. ثم توجيهها التوجيه المستقل في الطريقِ الذي تفرضه على الكاتب حياته الباطنية والخارجية.
لذلك كانَ لابد لكم من المطالعةِ، ومن فكرٍ سريع الالتقاط، وخيال مسبل الجناح، وذوق مرهف الحدّين، ووجدان صادِق الميزان، وإرادة صلبة العود. وكان لابد لكم، فوق ذلك كله، من معِدةٍ أدبية تهضم ما تلتقطونه هنا وهناك فتحوّله غذاءً طيبا لكم وللذين يقرأون ما تكتبون.
وإلا كنتم كالإسفنجة إذا غمستموها في سائلٍ من السوائل ثم عصرتموها رَدّت إليكم ما امتصّته عيناً بعين ودون زيادة أو نقصان. وكنتم إذ ذاك أصداءً فارغة لا أصواتاً حيّة. وإن تسألوني ماذا يحسن بكم أن تطالعوه؟ أُجبكم:
إن ذلك يتوقف إلى حدٍّ بعيد على ميولكم وأذواقكم وعلى مقدار جوعكم إلى المعرفة ”التي بدونها لا قيام لأي أدب”. فقد يكتفي الواحد منكم بمطالعة بعض الآثار الأدبية المشهورة، وقد يتعداها الآخر إلى النجومِ والحيوان والنبات والفنون والأديان والتاريخ والفلسفة!
حتى إلى الرواياتِ البوليسية والمقالات التافهة التي تحفل بها حقول الصحافة الرخيصة. فالأمر الذي لا شكّ فيه هو أنكم كلما اتسع اطلاعكم على مجاري الحياة البشرية، قديمها وحديثها، بعيدها وقريبها، جليلها وحقيرها؛ اتّسع مجالكم للتأمل والتفكير وللعرض والتصوير.
ثم يقول:
تحاشوا اللف والدوران، فليسَ أكره من جثةِ فيلٍ أو حوتٍ تحيا بقلب ضبٍّ أو بقلب ضفدع! وتحاشوا النوح والبكاء، والتشكي من الدهر، واستجداء رحمة القارئ وشفقته. فهذه كلها من دلائل الهزيمة، والهزيمة عار وأي عار على الذين سلّحتهم الحياة بالفِكر والحِس والخيال والإرادة.
ومن ثم فالناس يُحبون السير في رِكابِ الظافرين ويكرهون مماشاة المنهزمين. أما العار الأكبر فهو تقليدكم الأعمى للغير أو سرقة بضاعته. فالتقليد هو الشهادة بإفلاس المقلِّد، وسارق أدب الأحياء والأموات كمن يأكل لحم أخيه نيئاً، أو كمن ينهش جيفة في قبر!
أما الشهرة فإياكم أن تبتغوها في ذاتها، فما هي غير ظل قامتكم الأدبية، إن امتدت تلك القامة امتدّ، وإن تقلّصت تقلّص. وأما الغرور فاقتلعوا جذوره من صدوركم، فهو أشدّ فتكاً بكم من السوس بالخشب.
قبل أن تهتموا بما يقوله الناس فيكم اهتمّوا بما يقوله وجدانكم لوجدانكم. أخلِصوا لأنفسكم ولأدبكم أولاً، وإذ ذاك فصدوركم لن تضيق بذمٍّ ولن تنتفخ بمدح. فإن كنتم أكبر من ناقديكم فما همّكم أذمّوكم أم مدحوكم؟
وإن كنتم في مستواهم فيجمل بكم أن تُصغوا إلى ما يقولونه فيكم، وإن كنتم دونهم فجدير بكم أن تتعلّموا منهم. تنافسوا ولا تتحاسدوا، ولا تتشاتموا؛ فإن عداوة العاملين على السمو بالإنسان في معارِج الفهم والحرية لا تُغتفر.
ما دمتم واثقين من أن لكم رِسالة تؤدونها فلا تقنطوا من تأديتها وإن أُغلقت في وجوهكم أبواب الصحف ودور النشر. ثابروا على العملِ وأنا الكفيل بأنكم ستشقون لرسالتكم طريقًا في النهاية.
فالناس في جوعٍ وعطش دائمين إلى القولِ الحق والقول الجميل. ولا تنسوا أن الذين تبصرونهم اليوم في القمةِ كانوا بالأمس في الأغوارِ وفي السفوح.
الكِتابة عمل مرهق كسائر الأعمال البنّاءة، إلا أنه عمل لذته لا تفوقها لذة. وهي لذة قلّما يتذوقها الكسالى وفاترو الهِمّة. فإن شئتم بلوغ القمم الأدبية حيث «الخالِدون»؛ فعليكم أن لا تشركوا في محبتكم للقلم محبة أي سلطان سواه، وإن تنبذوا الكثير من ملذات العالم وأمجاده.
وأنتم متى أدركتم أيّ مجدٍ هو مجد القلم؛ هانت لديكم من أجلهِ كل أمجاد الأرض، وصنتم أقلامكم عن التملّقِ والتسفّل والتبذّل. فما سخّرتموها لمال أو لسلطان، ولا لأية منفعة عابرة مهما يكن نوعها. ”وما دامت أقلامكم عزيزة فأنتم أعزاء”.
انتهى.
[مجلة الآداب، العدد ١، يناير ١٩٥٣م].

جاري تحميل الاقتراحات...