وإن كانَ فيهم من يُشبه في التلفّفِ على دواهيهِ باباً مُقفلاً على مغارةٍ مُظلمة في ليلٍ دامس . . وأتقي طائلة قلوبهم وأُلبسهم على تفصيلهم، قصارًا أو طوالاً.. وأصدرهم من نفسي مصدرًا واحدًا لأني أعلمُ أن ميزان الله الذي يشيلُ ويَرْجَحُ بالخفيفِ والثقيل ليسَ في يدي.
فلا أستخفُّ ولا أسْتَثقل، وأعرِف أن الفضيلة ليستْ شيئاً في نفسِها، وإنما هيَ بالاعتبـار فلا أدري إن كانتْ عند الله في فلان الذي يحقر الناس أو فلان الذي يحقره الناس. وليسَ من طبعي أن أتصفّح الخَلق، فإن مَن وضع نفسه هذا الموضع هَلك بالناسِ ولا يَحْيَون به.
وتعقّدوا في صدرِه كما يتعقّد الماء العذب بالغُصَصِ المؤلمة، ورموه بذنوبهم من حيثِ لا يُمحِّص عنهم شيئا. وقد خَلقهم مَن علمهم كيفَ يجيئون وكيفَ يذهبون، وما تقذِف بطون الأمهات في هذهِ الأرض إلا تواريخَ كُتِبتْ في الأزل كما قدّر الله ولما قضاه.
فمَن استقامَ فعلى الخطِّ الذي امتدّ له، ومَن زاغَ فللدائرة التي انحرفَ بهِ محيطُها المائل مِن طَرَفيهِ إن سفلَ وإن عَلا.
لقد أقمتُ من نفسي لهذا الخَلْق جبلاً، وإن هذا الجبل ليتدحرج عليهِ الصخر الصَّلْدُ، ويَلصق بهِ الحصى المسنونُ، وينغرزُ فيه الشوكُ الدامي، وتنبتُ منه الفروع المُرّة، وترسو بينَ أطباقهِ العروق الضاربة؛ ولكنهُ على ذلك «جبلٌ» وهو بذلك أتم روعةً ورَهبة.
ولكُلِّ شيء مما عددتُ معنًى في نفسهِ، ولكُلها مجتمعةً وحدها معنًى آخر، ولجميعها مبعثرةً يتخطّى المعنيين في الجبلِ معنًى ثالث. فما أضيقُ بالناسِ ولا أتبرّم، ولي أبدًا مع الضعفاء والأقوياء سفحٌ ظليل مُخْضَرٌّ وقِمةٌ عالية متمردة.
وإني على ما وصفت لأرى في أعماق هذا الطود الراسي بُركانًا يتزلزل به كلما اضطرمَ جاحِمهُ، ذائبا في الأغوار البعيدة، تُمسكه الأرض إمساك العزيمة وتشدُّ عليه شدة الصبر؛ على أنه لججٌ من النار، فترى الطود الشامخَ قائمًا على الأرضِ كأنهُ أرض مستقلة، وفي جوفهِ ما يَحطِمه، مما يمور ويضطرب.
”وكأني إذ لا أُحاسِب الناس أُحاسِب نفسي بكُل ذنوبهم إلي، فأفجُرُ عروقَ دمي عليهم، وكأنّ ذلكَ الكمال الإنساني الذي لا يزال بعيدًا عني، يُحاول أن يقتلعني مِن أساسي لأثِب إليه في أقاصي عُلوِّه!”.
إن النملة من النملِ لتخافُ على قريتها من قدمِ الطفل الرضيع، ما نخافُ نحن على كُرةِ الأرض من أكبرِ نجوم السماء متى خشينا أن يتنفس عليها فيرسلَها زَفْرَةً في صدرِ الأبد.
وكم بينَ قرية النمل وبين كرة الأرض؟ وأينَ وطأة الرضيع من صدمةِ النجم؟ ولكن كُل شيء فإنما هو باعتبارِهِ في نفسِه وباعتبارِه لنفسه؛ ألا وإن الزلزلة التي يُضْرَب بها ذلك الجبلُ القائم من نفسي إنما هيَ رِقّةُ «الحُب!».
جاري تحميل الاقتراحات...