هذه قصة ارتحالي إلى العرب الأوائل:
لا أخفيكم أن أحداث هذه القصة حقيقة لم أتخيلها ولم أحلم بها وهي رحلة أدبية خضتها بقدمي بعدما عكفت مدة في قراءة الأدب؛ كنت أقرأ وأطرب لذةً ومتعة؛ وها أنا في هذه الرحلة أسير وأتمايل نشوَةً وسعادة؛
لا أعلم في حياتي أيامًا متصلة ملأت السعادة جوانحي حتى فاضت على كل من رأيت بعدها بالحديث عنها وها أنذا أرويها لكم ولن أعتذر على الإطالة بل سأعتذر لنفسي أنني سأبخس هذه الرحلة بالحديث الناقص عنها.
خرجت من البيت ذاهبًا للمطار لتُقلني الطائرة إلى ذلك البلد الذي لا أعرف فيه إلا صديقي عبدالله زميلي في الجامعة؛ حينما أقلعت الطائرة كنت متهيئًا لتلك المشاعر التي أُشبعتها من الأدب كالحنين للوطن والبكاء على الأطلال ووداع الأحبة وغيرها فأنا لم أسافر منذ مدة،
ولكن عجبًا لها أنها لم تأتِ!!
زال العجب بعد ذلك حينما علمت أني لم أسافر!!!
ظهر الأحد حينما وصلت وبانتظار الحقيبة وَكَزَني من خلفي رجل وأخبرني أنه سقط مني مبلغ لم أنتبه له ولن أعيره اهتمامًا لو ضاع -هو يسير عندنا كبير عندهم- فإذا هذا الرجل الذي نبهني عليه عامل نظافة!!؛
زال العجب بعد ذلك حينما علمت أني لم أسافر!!!
ظهر الأحد حينما وصلت وبانتظار الحقيبة وَكَزَني من خلفي رجل وأخبرني أنه سقط مني مبلغ لم أنتبه له ولن أعيره اهتمامًا لو ضاع -هو يسير عندنا كبير عندهم- فإذا هذا الرجل الذي نبهني عليه عامل نظافة!!؛
استلمت الحقيبة وخرجت من المطار كان في استقبالي صديقي عبدالرحيم القادم من دراسته في جنوب إفريقيا سلمت عليه واحتضنته ثم التفت فإذا عبدالله تتخلل أسارير وجهه السعادة برؤيتنا مجتمعين وقال: لم أكن أظن يومًا أني سألتقي بكم في بلدي "راوندا"؛
غمزت لعبدالرحيم وأنا أقول لعبدالله: هذه من بركات المسجد النبوي الذي صادفت فيه عبدالرحيم ذات يوم من غير ميعاد فابتدأنا ترتيب الرحلة؛
كنت متعبًا فالسفر كان طويلًا؛ أوه صحيح نسيت أن أستدرك أمرًا: نعم سافرت كما تفهمون في معنى السفر لكن بالله عليكم أتعدون ما فعلته سفرًا؟!
كنت متعبًا فالسفر كان طويلًا؛ أوه صحيح نسيت أن أستدرك أمرًا: نعم سافرت كما تفهمون في معنى السفر لكن بالله عليكم أتعدون ما فعلته سفرًا؟!
كيف لو قلت لكم أني أمضيت أسبوعًا هناك سافرت لأربع مدن في تلك الدولة لم أنم ليلة واحدة في فندق كانت البيوتات تتلقفنا عن يمين وشمال؛ من لم يظفر بنومنا عنده كان لا يساوم على ضيافتنا غداءً أو عشاءً؛ وإن لم فلا مناص من التَفَكُه وشرب الشاي والعصير؛
أسبوعًا كاملًا لم نعرف فيها مطاعم ذلك البلد حتى التموينات لم نذهب لها إلا مرة ولم ندفع شيئًا؛ قال لي ذلك الرجل عندما علم بعودتنا للمدينة: بالله عليك كيف سأقول لامرأتي أن الأضياف سافروا ولم أكرمهم، أرجوك عدني أنك ستعود!!
إحدى البيوتات التي استضافتنا لم يكتمل بناء البيت إلا غرفتين،كان يعيش فيها هو وامرأته، أعادها لمنزل أهلها واستضافنا؛ آخر استضافنا يومين وكنا نخرج باكرًا فكان يرسل الفطور لنا في المكان الذي خرجنا إليه؛ آخر استضافنا في بيته وهو رئيس الحزب الحاكم في مدينته؛ وررئيس سابق لبلدية مدينته.
أجيبوني من أين سيتسرب الحنين للوطن معهم؟
كنت أتسائل في خضم هذه الأحداث: هل ستقوم لنا قائمة نحن العرب في الكرم والشهامة بعد هؤلاء؟ مفاخر كثر ظننتها خاصةً بالعرب هَوَت في أيام قلائل؟ لكن سليْتُ نفسي فقلت: لا مقاربة بين واقعك وبين ما رأيت منهم؟
كنت أتسائل في خضم هذه الأحداث: هل ستقوم لنا قائمة نحن العرب في الكرم والشهامة بعد هؤلاء؟ مفاخر كثر ظننتها خاصةً بالعرب هَوَت في أيام قلائل؟ لكن سليْتُ نفسي فقلت: لا مقاربة بين واقعك وبين ما رأيت منهم؟
بل التقارب الصحيح هو بين ما قرأت للعرب وبين ما رأيت؛ لذا قلت في بداية حديثي سأروي لكم رحلتي إلى العرب الأوائل.
صلينا الفجر ذات مرة وبعد الصلاة انطلقنا لزيارة بعض المسلمين الذين لا يصلون تحدثت مع الأول بكلمات يسيرة ك: سعادتي برؤية أخٍ لي في أدغال إفريقيا مسلم؛
صلينا الفجر ذات مرة وبعد الصلاة انطلقنا لزيارة بعض المسلمين الذين لا يصلون تحدثت مع الأول بكلمات يسيرة ك: سعادتي برؤية أخٍ لي في أدغال إفريقيا مسلم؛
لحظة مؤثرة؛ كان ذا قلب رهيف وعاطفة جيّاشة ومشاعر صادقة فاضَت عينه؛ -عرفت حينها ما هي الأخوة التي قرأت عنها كثيرًا- لم أتمالك نفسي إلا أن احتضنته رأيت الصلة الوشيجة والرابطة القوية بيني وبينه لم أره قبلها ولن أره بعدها إلا في الجنة معكم -إن شاء الله- والثاني والثالث كذلك؛
وحينما انتهيت أجزم أن تلك العاطفة والمشاعر التي تملّكتني حينها لو وُزعت على أهل الأرض لأصلحت أحوالهم؛
فبالله عليكم كيف سيشعر المسافر بفقدان الأحبة مع هؤلاء؟
نملّح الحديث بذكر إحدى المواقف الطريفة التي حصلت:
فبالله عليكم كيف سيشعر المسافر بفقدان الأحبة مع هؤلاء؟
نملّح الحديث بذكر إحدى المواقف الطريفة التي حصلت:
في الطريق لإحدى المدن وقبيل وصولنا وعلى مشارف المدينة فوجئنا بتفتيش ولم يكن مع أحدنا رخصة، كنت أنا من يقود السيارة فنظرنا أمرنا وقدحت في ذهني فكرة أن أريهم بطاقة الأحوال كأنها رخصة?أريتهم إياها فتعجبوا من شكل "الرخصة" وضحكوا؛ ولأننا أجانب لم يدققوا كثيرًا فرَضُوا بها وتجاوزناهم.
قدمنا إلى بلادهم في فترة إجازة لديهم فانطلق الأطفال والشبان للمرح واللهو! أتظن هذا ما حدث؟ لا لم يحدث هذا فقد ذهبنا ضحى أحد الأيام إلى المدرسة الإسلامية فرأيت طلابًا لا يعرفون الإجازة مع القرآن سمعت أصواتًا شجيّة وترتيلًا حسنًا وتجويدًا فائقًا،
زرنا لمدة يومين دورة مكثفة أقاموها لطلاب المتوسط والثانوي لمدة أسبوعين كان المستهدف مائة وعشرين طالبًا لكن الذين حضروا تجاوزوا المئتين، المواقف التي تخللت الدورة كثيرة لكن سأحكي لكم موقفًا واحدًا عجيبًا هزّني وأتعبني وأضناني وراجعت نفسي:
حدث في أول ليلة من ليالي الدورة أن اجتمع المشرفون بعد انتهاء البرنامج فطال الاجتماع وتأخروا عن النوم ولم يناموا إلا الساعة ١٢ ليلًا وكان البرنامج أن يوقظوا الطلاب الساعة ٢:٣٠ لقيام الليل حتى الفجر -أذان الفجر الساعة ٥- نام المشرفون؛
ومع السهر والسفر كان أول مشرف استيقظ الساعة الثالثة قام مفجوعًا ذهب لغرف الطلاب ليوقظهم فلم يجد أحدًا ثار واشتدّ غضبه أين هم؟ ثم سكن وفكر وقال لأنظر في المسجد فوجد العجب رأى جميع الطلاب مستيقظين ويصلون؛ لله أبوهم، من في أعمارهم منشغل طربًا ولعبًا طربًا قيام من أنفسهم لله تعالى!!!
يعمل جلّ الراونديين صباحًا وعصرًا؛ فبعد صلاة مغرب أحد الأيام أخبرهم الإمام أن هناك كلمة سنلقيها، أتصدقون إن قلت لكن من قام بعد الصلاة ليذهب عاد وأنصت ومن كان خارج المسجد دخل لسيتمع؟! أتصدقون أني لم أرَ أحدًا يتحرك خلال تلك الكلمة؟!
عجيب هذا التعطش للعلم والرغبة في الازدياد منه والمحبة لهذا الدين من الجميع الصغير والكبير، لله درّهم؛ يومٌ آخر كانت الكلمة بعد صلاة العصر ولديهم أعمال ومع ذلك جلس عدد لا بأس به يستمع!!
موقف طريف آخر:
موقف طريف آخر:
في بداية الدورة وبعد صلاة المغرب والطلاب مجتمعون قام عبدالله وقال لهم: لن نتحدث خلال الأسبوعين إلا العربية؛ اتفقنا؟ فقالوا جميعا: اتفقنا؛ ومع الحماس الذي تملكني كنت قد قلت معهم: اتفقنا، فالتفت إلي عبدالله مبتسمًا وقال لي: أتعرف غير العربية؟؟! ?-بمووت ايش دخل؟!! وبُهِتَ المُتحمس-
قبل الختام سأتحدث عن رجلين عجيبين رأيتهما في هذه الرحلة:
- أما الأول فهور مستشار حالي لرئيس الدولة وهو وزير سابق للداخلية والعمل التقينا به في بهو أحد الفنادق كان لقاءً ماتعًا حدثنا عن المدينة المنورة التي لا نعرفها فقد تخرج منها قبل ما يقارب الأربعين عامًا،
- أما الأول فهور مستشار حالي لرئيس الدولة وهو وزير سابق للداخلية والعمل التقينا به في بهو أحد الفنادق كان لقاءً ماتعًا حدثنا عن المدينة المنورة التي لا نعرفها فقد تخرج منها قبل ما يقارب الأربعين عامًا،
كان هيِّنًا ليِّنًا بسيطًا دمث الخلق حسن المعاشرة لطيف الحديث لين العريكة كان مما أخبرنا فائدة قيمة ما زال يحفظها من الشيخ أبو بكر الجزائري -رحمه الله- يقول: هناك شيء تعلمته منه يقول: لماذا تأتي كلمة "التحيات" بصيغة الجمع في الصلاة؟
انظروا إلى الحركات التي نعملها في الصلاة كلها تحيات تراها في شتى أصقاع الأرض؛ فالركوع ورفع اليدين في دول الشرق والوقوف قد تجده في أوربا والجلوس تجده في بعض بلاد إفريقيا والسجود كان عند الكنعانيين وعند بعض البلاد الإفريقية؛ فهذه التحيات كلها مجموعة تكون لله سبحانه وتعالى وحده؛
ثم علق المستشار قائلًا: هذا الرجل يفكر كثيرًا؛ كيف لم نفكر بها؟" ?
- والثاني رجل عجيب لم أرَ مثله -إلا رجلين- وداعية مميّز وعالم عامل مجاهد لخدمة دينه رقيق الحاشية قائم لربه طيب القلب حسن المعاملة هو الشيخ عثمان،
- والثاني رجل عجيب لم أرَ مثله -إلا رجلين- وداعية مميّز وعالم عامل مجاهد لخدمة دينه رقيق الحاشية قائم لربه طيب القلب حسن المعاملة هو الشيخ عثمان،
وكان قد درس ست سنوات في الأزهر من الثالث متوسط حتى السنة الثانية من الجامعة وكان متميزًا متفوقًا ومن الأوائل في دراسته ثم عاد لبلاده ليقضي إجازته فزار في الإجازة قرية قريبة من مدينته جُلُّ سكانها من المسلمين فوجد أمرًا عجيبًا وهو:
أنهم لا يصلون الجمعة ولا يؤذنون للصلاة وسبب ذلك أن كل أهل القرية لا يعرفون العربية فنظر وتدبر وفكر وقدر وقال: ما عندي إلا علم قليل يُقيم الحد الأدنى من ديني وهؤلاء ليس عندهم هذا الحد، فإما أعلمهم ما أعلم أو أكمل دراستي وأعود متشبعًا بعلم غزير وشهادات عالية فأنفعهم وغيرهم؛
فقاس بينهما وقارن وحقق فعلم أن لا مناص له من الأولى وأن يضحي بإكمال شهادته ففعل ذلك وانتقل إلى القرية ليعلمهم ما يقيم دينهم، ففعل هذا قبل خمسة وعشرين سنة والآن هذه القرية موجود فيها أكبر مسجد في راوندا وأكبر معهد إسلامي للتعليم الديني والنظامي؛
فتح الله عليه بعد ذلك بالتجارة وكان تاجرًا في قطع غيار سيارات المرسيدس وكان لا يشرع المحل أبوابه إلا الساعة العاشرة وهو وقت متأخر جدًا وسبب ذلك أنه وموظفيه في المحل يدرّسون الناس في المسجد من بعد الفجر حتى تلكم الساعة؛ وهذا غيضٌ من فيض عجائبه وتضحياته وأفكاره الإبداعية الفذّة؛
وأعجب من هذا كله ما أخبرني به صديقي عبدالله -وهو أحد طلابه- نقلًا عن زوجة الشيخ عثمان: أن الشيخ لا ينام الليل! يقضيه كله قيامًا لربه؛
الله أكبر وكفى.
الله أكبر وكفى.
حسبكم من هذه الرحلة العجيبة ما ذكرت، ويكفي القلادة ما أحاط بالعنق، وفي البحر اجتزاء بالوشل،
والله الموفق والمعين والميسر والمسدد لنصرة دينه، وتمكين دعاته، وإصلاح عباده، وعلى الله ربنا توكلنا،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والله الموفق والمعين والميسر والمسدد لنصرة دينه، وتمكين دعاته، وإصلاح عباده، وعلى الله ربنا توكلنا،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تصحيح واستدراك لبعض الأخطاء:
- لن أراه*
- لعبا وطربا وهم قيام*
-أبي بكر الحزائري*
أعتذر عن هذه الأخطاء وإن وجدت أخرى فأمِروا القصة كما جاءت بلا تدقيق نحوي أو بلاغي فبضاعة أخيكم مزجاة ?.
- لن أراه*
- لعبا وطربا وهم قيام*
-أبي بكر الحزائري*
أعتذر عن هذه الأخطاء وإن وجدت أخرى فأمِروا القصة كما جاءت بلا تدقيق نحوي أو بلاغي فبضاعة أخيكم مزجاة ?.
جاري تحميل الاقتراحات...