♐️ ثنايا طب ♋️
♐️ ثنايا طب ♋️

@woonh_0

26 تغريدة 964 قراءة Aug 23, 2019
قصة حقيقية
كنت على وشك أن أغادر العيادة بالمستشفى بعد أن انتهت بالفعل متجها إلى الردهة المكتظة بالمرضى لأكمل سيلا من الواجبات دون توقف ، تستوقفني امرأة ثلاثينية تحمل ابنها البالغ من العمر سنة واحدة وتسأل عن طبيب
يتبع...
- لماذا الطبيب ؟
* ليعالج ابني
- ولكنك متأخرة وقد انتهى الدوام بالعيادة
* يعني هذه مستشفى ، والاطباء موجودين فيها اكيد ، اين سيذهبون؟
كان ردها كفيلا باستثارة حفيظتي واستدعاء كل معاني كراهية الاستهتار بالمواعيد، لأخبرها بوضوح أن تحضر فى الصباح الباكر وتقفي في دورك لتحصلي على تذكرة حتى تتمكني من الكشف.
سكتت المرأة سكوتا يعني إذعان المكره..
وقفت فى مكانها بضعة ثوان بدا عليها خلالها الحيرة ثم قالت بضحكة اللامبالي، ماشي غدا الصباح، وحملت وليدها على خصرها كما تعتاد نساء الارياف ان تفعل..
صعدت أنا إلى الردهة مرتاح البال ، وبدأت بمباشرة عملي، لا يجب أن يعكر صفو يومي هذا الرد المستفز من تلك المرأة، ثمة أمور أكبر تنتظرني..
فى اليوم التالي بالعيادة، وقبل انتهائها بقليل تدخل المرأة صاحبة الأمس تحمل وليدها بطريقتها المعهودة وتضحك
-ها جيتك قبل ما تمشي يا دكتور؟
*جاية على الآخير؟
-المواصلات والازدحام يا دكتور،المهم الولد اريد تفحصه
قمت بدوري بالكشف على الطفل،الذي بدا أنه سيجلب عليها أياما من الهم والأسى
كان الولد مصابا بسلسلة من العيوب الخلقية التي ستسبب له اعاقات دائمة وتحتاج الى ثلاثة او اربعة عمليات جراحية معقدة ستستوجب ربما عشرات الزيارات الى مستشفى حكومي حتى يمكنها انجاز الأمر،لم تكن زيارتها الاولى للمستشفى تنبئ بأنها من ذلك النوع الذي سيتحمل هذا،لكن لا بد من اخبارها بالأمر
صرت اشرح لها وهى تنظر بنظرة لا يبدو منها التأثر ولا التأفف، لم تكن تزعجها مطلقا فكرة الزيارات ولا المتابعات ولا تعدد العمليات ولا احتمالات الاعاقة، كانت تنتظرني ان انهى كلامي حتى تسأل سؤالا واحدا..
- انتو تسوون العمليات ببلاش يا دكتور؟ لان ابوه متوفي وانا لازم اجيبه واترك اخوانه عند الجيران.
* نعم يا امى العمليات هنا ببلاش.
تنفست الصعداء ووعدت بالمتابعة والالتزام، وقد كان..
كانت مشكلتها الازلية التى تزعجني منها حضورها المتأخر دائما ومقابلة العتاب بضحكتها التى كانت تبدو لى ضحكة بلهاء تصدر من شخص لا يقدر الموقف ، لكن كنت اتغاضى عن هذا.. حتى اخبرتني ذات يوم انها تتأخر لانها تخرج من بيتها باكرا وتودع باقي صغارها
وتمشي مسافة تتجاوز عدة الكيلومترات حاملة وليدها الذي يلف رجليه حول خصرها حتى تخرج الى طريق غير ممهد تنتظر اى شئ تركبه وغالبا ما ينتهي بها الحال فى سيارة تقل بعض البهائم او العمال فتقفز معهم وتخبئ صغيرها تحت خمارها حتى لا يناله غبار الطريق الذي اعتادت رائحته !!
كانت تقص هذا ولا تنتظر منى تعاطفا، انا من بادرتها بالسؤال اصلا عن سبب تأخيرها المعتاد، لكنها وقد كانت تواجه هذا، كانت تمتلك تلك الضحكة الريفية التي تتغلب بها على الصعاب..
زوجها الذي ترك لها ثلاثة اولاد وابتلاؤها بصغيرها وضيق ذات يدها ،
بالكاد تجد ما تطعم به اولادها ، لكنها تجتاز هذا وما زالت قادرة على الابتسام !!
بعض الناس يصابون بالكآبة حين يفقدون بعض الكماليات الزائدة..
والبعض يناضلون للبقاء على قيد الحياة دون ان تفارق شفاههم البسمة.
لقد كانت تحمل هذه المرأة كل معاني الرضا في قلبها وتبتسم
فى احدى زياراتها طلبت ان تسشيرني فى امر يخصها، وقد اهملته لانها لم تكن تريد ان تفتح المواضيع الجانبية قبل ان تهتم بطفلها
- ممكن يا دكتور اسألك على حاجة؟
* تفضلي.
- صدري ظهر فيه جغدة من زمان بس جالسه تكبر ، ممكن تشوفها لي ولا نخليها مرة ثانية؟
* لا راح اشوفها، حاضر.
كانت المفاجأة كل علامات الفحص تشير ان المرأة مصابة بسرطان الثدي منذ مدة ووصل الى حجم كبير وهي تساورها الشكوك لكنها تفضل مصلحة طفلها ، وتهمل نفسها، وهكذا يضاف الى قائمة ابتلاءاتها واحد جديد لعله اعظمها !!
قلت لها بعد الفحص هل معك اى مرافقين او اهل او زوار؟
اجابت بالنفي وكثر الله خير الجيران اللى ياخذون بالهم من اطفالها لحد ما ترجع.
كان لا بد ان اخبرها اذا، طالما انه لا رفيق، فلا بد من اخبارها...
كنت اقص عليها احتمالية كون الامر سرطان يستوجب استئصال الثدي والخضوع لجلسات من العلاج الكيماوي والاشعاعي ورحلة من العلاج قد تطول..
انتظرت حتى انتهيت من كلامي وسألت ذات السؤال
-انتو تسووها هنا بلاش يا دكتور؟
*ايوه يا امي
طيب راح ارتب مع الجيران..
هكذا بهذه البساطة؟ كيف تتقبل الامور بهذا الهدوء؟
يبدو انه ليس من رفيق يشاطرها احزانها فتكتمها بداخلها..
فى العادة يرتمي المريض بأحضان مرافقيه ويظهر الجزع ، لكن هذه المرأة بلا رفيق..
انهت المرأة اجراءاتها الخاصة بعمليتها ، وخضعت للجراحة وازالة الثدي ، كانت تستعجل للذهاب لان اولادها ربما يبيتون بعض ليالي غيابها دون طعام !!
لا اعرف هل تساورها الاسئلة ام لا ، كيف ستنتقل الى بيتها فى هذه الحالة بهذا الجرح الهائل فى جسدها ، وليدها الذي تحمله على خصرها ، تلك المواصلات المزدحمة التى ترتمي فيها فتؤذيها وهي فى اتم صحتها ، كيف ستنتقل بها فى هذه الحالة ، حين تصل الى اولادها من اين ستأتي لهم بالطعام؟....
كل الذي كنت اراه فى عينيها ان الايام تمضى وانه ما من شئ يستحق الجزع !!
مضت الايام ، وتابعت المرأة رحلتها بين اروقة المستشفيات حتى اتمت شهور علاجها ... وابتلعتها الايام وغابت فترة من الزمن
بعد شهور كنت امر فى احد طرقات المستشفى لاجد امرأة نحيلة الجسم شاحبة الوجه ، تنادي بابتسامة مثقلة، يا دكتور ، عرفتها من ولدها الذي تحمله بصعوبة على خصرها بطريقتها المعتادة
توقفت ورددت السلام وسألتها عن احوالها لتخبرني برحلتها المعتادة الشاقة بشكل يومي وانها نجحت في إنهائها بكرم من الله كما قالت
- وشعندك الآن؟
- كنت اريد واحد يفحص الجرح لان يوجعني ويدي متورمه، بس الدكتور في العيادة قالي انتى جاية متأخرة ومشى، فقلت راح اجي الصبح بكره واحاول ما أتأخر
ربما ستدور الايام على زميلى الذي اخبرها بضرورة الحضور غدا فى الموعد لتعلمه كما علمتني ان البعض يعيش معنا لكنه فى واد آخر ، يناضل فى حياته التي لم تترك له مجالا للرفاهية او الجدل، لو لم يكن مثل تلك المرأة الجسورة جديرا بالاستثناء فمن يكون جديرا به اذا"؟
طمأنتها بعد الكشف ، ومازحتها بأنها بتتدلل وما عندها حاجة ،
فابتسمت ابتسامتها المعهودة وقالت الحمد لله انا خفت يكون المرض رجع !!
استوقفتني كلمة ( خفت ) وكنت اتصور امثالها لا يخافون ابدا!!!!
القصه حقيقيه لاحد الدكاتره...

جاري تحميل الاقتراحات...