14 تغريدة 9 قراءة Feb 11, 2020
كتب الله العيد للمسلمين ليفرحوا به ويجتمعون مع بعضهم بعد طول انقطاع ويهنؤون بعضهم بانتهاء رمضان ويُخرجون زكاة الفطر للفقراء والمحتاجين، وهكذا كل المسلمين يفعلون.
إلّا شيطانٌ واحدٌ من بني الإنس كان يسكن المدينة المنورة، لايَرى العيد إلا لجمع الأموال والسلام على أكبر عدد من الرجال والنساء ليمدّوا أيديهم له بالعيديّات، وتحشيد وجمع أكبر عدد من البزران يوديهم البقالة في ليل العيد لنَهب عيديّاتهم.
ولِفضل الله عليّ فقد خلقني الله في عائلتيَن مختلفتيَن، لي عمومةٌ من وادي وخؤولةٌ من وادٍ آخر، فكنت أشرب من تلك البحريَن ولا أكتفي، وودتُ لو أن الله خلقنا من أكثر من اثنان، من عشرة من عشرين من مئتين، لأذهب وأسلّم على أقارب كل أولئك المئتين في العيد.
وكنت أقضي نهار أول يومٍ في العيد عند عمومتي، ولم يكونوا ذَوي يدٍ معطاءةٍ في العيد، واحدٌ منهم فقط يعيّد علينا بخمسة ريال ويذلّنا عليها.
ماأمزح، كان يذلّنا عليها مذلّةً لم يذلّها فرعون قومه.
يسجّل أسامي كل الذين أعطاهم في ورقة، ثم ينتظرهم لصلاة الظهر في المسجد، من لم يأتي للجماعة يشخط اسمه من الورقة ولا يعايده السنة التي تليها.
متخيّل! سنة كاملة يحتفظ بورقة لكي لا يُعطيك خمسة ريال السنة القادمة.
أما والدي فكنت في العيد أسلّم عليه ثم أطلبه عيديّة؛ فيقول لي: ابشررررررر دقايق بس وتجيك عيديتك.
وبعد دقائق تأتينا خبزة مقنّاة ومرَقة وخُلاص وسمن وعسل -وهي أكلاتٌ شعبية في قبيلتنا- ثم يقول هذي عيديّتك.
كنت أبكي في كل عيد من هذه الحركة.
فيمرّ النهار بحزنه وبؤسه وقلّ نومه وبكائه وبخمسة ريال.
ثم يأتي الليل، ونذهب عند خؤولتي؛ وفي ذلك الليل كان قول الشاعر:
هو بحر الجود فازدَدْ منه قُربًا
تزدَدْ من الفقر بُعدًا
وكان الأطفال هناك يعيشون طفولتهم؛ يلعبون ويتلاحقون في الشارع وفي الحوش وعند الطراطيع، إلّا أنا؛ أحسب الداخلين والخارجين عند الباب وأنتظر المجلس أن يغصّ بالخَلق، ثم أدخل أسلّم عليهم.
ولا يكفيني أن أسلّم عليهم مرةً واحدة، بل مرتيَن وثلاثة وعشرة، ولم أكن طفلًا غبيًا يأتيهم بنفس الشكل كي لايميّزونني، مرةً بشماغ ومرةً دونه ومرةً بطاقية؛ حتى إذا تقطّعت بيَ السُبُل أكاد أفصخ ثوبي وأدخل عليهم بسروال وفنيلة.
وصَدَق الحق: "ومن يُهِن الله فماله من مُكرم".
ولي أخٌ صغير كان يَحبي ولا يمشي، كنت أحمله معي وأدخل أسلّم به على الرجال في المجلس كي يُعايدونه.
تمامًا مثل الحجّات عند الحرم، هم يشحدون بأطفالهم في الشوارع، وأنا بأخي الصغير في المجالس.
ومرةً اغتمّ علي أخي الصغير واختفى ولم أجده، فأخذتُ طفلًا طارفًا وجدته في الحوش ولا أعلم من هو ودخلت به المجلس أسلّم به على الرجال.
فإذا يئست من الرجال وآمنت أنهم أعطَوني وماستبقوا شيئًا؛ ذهبت إلى الجهة الأخرى من المنزل، إلى المال المتجمّع، إلى من يكنزون الذهب والفضة حقًا، إلى المعلّمات والإداريات والمشرفات والموجهات الإجتماعيات .. إلى طرف النساء.
ولا أخرج من لديهم إلا وقد ضمنت من المال مايكفيني للعيد القادم.
في أحد الأعياد البائسة ردّوني من الباب المؤدي للنساء لأنني كبرت، وكان ذلك العيد هو أول تجربةٍ حقيقية لي مع الإكتئاب الذهاني.
في آخر مانقول: عايدوا الجميع، لم يَكبر أحدٌ على العيدية، إن تكوّن العيد كله مجتمعٌ في خصلة شعر العيديّة.

جاري تحميل الاقتراحات...