Khalid AlAttas
Khalid AlAttas

@kaattas

286 تغريدة 587 قراءة Feb 20, 2020
أحبتي نبدأ التغريد من رواية
موت صغير
للكاتب محمد حسن علوان
سيرة شخصية
بسم الله الرحمن الرحيم
قال السالك محي الدين بن عربي
منذ أوجدني الله في مرسيّة حتى توفاني في دمشق و أنا في سفرٍ لا ينقطع
رأيت بلاداً ولقيت أناساً وصحبت أولياء وعشت تحت حكم الموحدين و الأيوبيين و العباسيين و السلاجقة في طريق قدره الله لي قبل خلقي
من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الإنطلاق خارج الأسوار
المؤمن في سفرٍ دائم و الوجود كله سفرٌ في سفر
من ترك السفر سكن و من سكن عاد إلى العدم
يقول السالك ابن عربي
"إلهي
ما أحببتك وحدي
ولكن أحببتك وحدك"
أعطاني الله برزخين
برزخ قبل ولادتي و آخر بعد مماتي
ما أوجع أن تفارق البرزخ الذي كله كشفٌ في كشف لتدخل الدنيا التي كلها جهلٌ في جهل
يقول السالك ابن عربي
"كانت الأرحام أوطاننا فاغتربنا عنها بالولادة"
ويقول
"كل تقوى لا تعطيك مخرجاً من الشدائد لا يُعوٌلُ عليها"
عندما يفسد رأس الرعية يصبح الفساد ديدن أهل البلد
وعندما تكون البلد محاصرة وتضيق الأرزاق وينعدم الأمل
يبرر الناس لأنفسهم كل عمل سئ بدعوى الإضطرار والضرورة
يقول السالك ابن عربي
"من غفل أفل"
ويقول
"من لا حكمة له لا حكم له"
ويقول أيضاً
"كل وقت يكون لا لك و لا عليك
لا يُعوٌل عليه"
قضاء الله لا يردٌ على أحد
و كلكم يقضي ديون طفولته في رشده فمن ضاق صدره دون سبب و شعر بالألم دون داعٍ
فليعلم أنه دين نسيه هو
ولا ينساه الديٌان
يقول السالك ابن عربي
"السفر إذا لم يكن معه ظفر لا يعول عليه"
أنخنا المطايا على مشارف إشبيلية
وكنت أتوق لرؤيتها
إذ كانت تروى عنها الروايات وتسير بأخبارها الركبان
قيل لرجل رأى مصر والشام أهما أحسن أم أشبيلية؟
قال بل أشبيلية فإن شرفها غوطة دمشقية بلا سباع ونهرها نيل مصري بلا تماسيح
يقول السالك ابن عربي
"لا أسوأ من فطام المريد قبل أوانه فإنه لا يشبع بعد ذلك قط
ابني طاهر لا سلك طريقي ولا نهج منهجي
الطريق طريق الله وهو يُسلك فيها من يشاء
لو سلكت أنا طريق والدي لكنت حاجباً في بلاط الموحدين
ولكن الله اختار لي طريقاً غير طريق أبي واختار لطاهر طريقاً غير طريق أبيه
يحز في نفسي أن ينشغل إبني بالتجارة عن الزهد والعبادة
كلما أخذتني عليه حسرة أتذكر أن الطريق طريق الله
فإذا كان الله الذي يختار فلماذا العبد يحار؟
وأتذكر بأن التجارة من أعمال الأنبياء وان الزهد في الباطن وليس في الظاهر ولا يجب أن نزهد في ما خلقنا من أجله
فالمقام واسع ورب الدار كريم
يقول السالك ابن عربي
"الناس نفوس الديار"
ويقول
"لولا المطامع لانقطعت الهمم"
وصل الخليفة إشبيلية وتزوج ابنة عدوه الذي كان للتو يحاصره
إنه دهاء الخلفاء صفية في بيته وأختها في بيت وزيره
بنات مردنيش في عرين الموحدين
ليأمن جانبهم أذاقهم حزمه وعفوه معاً واحدهما حري بإبقائهم تحت سطوته
كان الخليفة دائم الاستئناس لمجلس من خاصته
لم يصبح أبي منهم بعد ولن يصبح منهم فلا هو فيلسوف مثل ابن طفيل ولا طبيب مثل ابن زهر ولا قاضي قضاة مثل ابن رشد
أخذني أبي إلى بيت شيخ حلقته ممتلئة بالصبية وقال له
عز على غريب مثلي في إشبيلية أن يرى إبنه الوحيد محروما من علمكم محجوبا عن نوركم
يقول السالك ابن عربي
"كل فن لايفيد علماً لا يعول عليه"
قرر أبي أن يعلمني السباحة والرماية وركوب الخيل
استمرت هذه الدروس بلا جدوى فما عرف أبي أن
السباحة هي العوم في ملكوت الله
والرماية هي قول الحق في موقف الخوف
وركوب الخيل هو السفر في طلب العلم
أخذ أبي الظاهر وكشف الله لي الباطن
يقول السالك ابن عربي
"يا حذري من حذري"
كانت أيامي كلها سورة يس
في صباحي ومسائي وفي غدوي و رواحي وقرت في قلبي
فهي لم تكن سورة فقط بل كانت رسالة الله إلى قلبي
سألته أن يكشف لي أسرارها ويعينني على سبر أغوارها وفهم أطوارها
والله لا يمنح مفاتيح السور ولايفتح أبواب القرآن إلا للأولياء
يقول السالك ابن عربي
"الخاطر الأول لا يخطئ"
بكى يوماً وقال
لاشئ يوجعني غير ذنوبي
تاب عمي
يغلق دكانه مساءً فينصرف إلى المسجد ويظل معتكفاً فيه طيلة الليل
أنام أحياناً في بيته
فشهدت أولى كراماته عندما يستيقظ فيقول طلع الفجر
فسألته من أين تعرف ذلك؟
فيقول شممته إن لأنفاس الفجر رائحة
دخل ابنه الغائب علينا ليلة يترنح
صرخ في أبيه
أعطني مالاً أيها الخرف
تكنزها وأنت تموت عما قريب
فوثب على أبيه فهرعنا إليهما ودفعناه
ارتعش عمي وجهه ببكاء قريب وراح يردد
أقرحت قلبي أقرح الله قلبك وعجل بموتك
فقلنا له ادع له بالهداية
لم يكن دعاء بل كشف
يموت قبلي وأموت بعده بأربعين يوم
يقول السالك ابن عربي
"كل مكان لا يؤنث لا يعوٌل عليه"
وصل يوسف الكومي من فاس تسبقه أخبار كراماته وجليل أعماله
شعرت عند جلوسي بين يديه أول مرة بأني أمام مشكاة مضيئة
نفر منه أغلب الصبية لدوام عبوسه
يبقى على ذلك حتى يرى فقيراً فيضحك ثم يجلسه ويطعمه ويهبه من ماله فلا يبقي في صرته شئ
اختاره أبي لي شيخاً فوضعني على أول الطريق دون أن يدري
قدر الله أقداره في السماء وأنفذ أبي مشيئته في الأرض والتقى أخيراً المريد بمراده
جعلني عن يمينه أقرأ المتن الذي يشرحه وعن يساره صبي آخر هو أحمد الحريري التقينا لأول مرة فصار صديق العمر
كنا أنبه تلميذين في حضرة الشيخ حتى اصطفانا
قال لنا ذات يوم تأتيان من غدٍ إلى جبل المنتيار نقرأ رسالة القشيري
وصلنا صومعة في أعلى الجبل ينام فيها الشيخ
أمرني أن أبقى معه في الخلوة حتى نتم الرسالة
غادر أحمد وبقيت أتأمل الصومعة الصغيرة
حين كان الشيخ يصلي
مكثت أفكر في حالي لم أكن قد مارست خلوة من قبل ولا أعرف مايتعين علي فعله
عاد الشيخ وملء يديه تمر وتين جاف وضعه أمامي وقال هذا طعامك
قلت ولكن هذا كثير ياشيخ تكفيني خمس تمرات
فقال هذا ليس طعام يوم بل هذا طعامك لأسبوع
أعطاني الرسالة مرة أخرى وقال اقرأ
أنا شيخك جعلني الله مرادك وأنت مريدي
أقبضك وأبسطك بأمر الله ثم أرسلك بعد أن تضع قدميك على أول الطريق
مكثنا في الجبل أسبوعاً حفظت فيها رسالة القشيري
واختليت بنفسي طويلاً
وابتهلت إلى الله أن يعينني على الطريق الذي جعله قدري
أرسلني الشيخ إلى إشبيلية وظل في صومعته
ولما بلغت سفح الجبل واختفت عن عيني الصومعة
دمعت عيناي على فراق شيخي فتيقنت بأني أصبحت مريداً حقيقياً يبكيه فراق مراده
تضاعفت هيبة الشيخ وهو في المنتيار أضعاف هيبته في إشبيلية ولم أعرف سر ذلك رغم أني ابتهلت إلى الله أن يكشفه لي فلم يفعل إلا بعد سنوات وأنا في مكة
اكتملت في جبل المنتيار مكانة الشيخ الروحية
المكان ذكر والمكانة أنثى
إن المكان بلا مكانة لا يكفي
فلا بد من تأنيث المكان حتى تكتمل مكانته
لاشئ يلهمني علو الهمة ولا بلوغ المراد
شعرت أن عائلتي تعيقني عن المسير وتحرمني المراد
ثمة أسير في صدري يريد أن ينطلق
شمس تنتظر أن تشرق
قافلة تتوق أن ترحل
وخارج البيت لاجديد
خوت إشبيلية من كل مايقدح الفكر ويثير العقل برحيل الخليفة عنها وفي حاشيته العلماء والفقهاء والفلاسفة والأطباء
خفتت حلقات العلم ومجالس الذكر في إشبيلية
لم يبق في المدينة شيخ يعتد بعلمه إلا حضرت درسه وقرأت كتبه ولم يبق ورٌاق إلا غشيت دكانه وتفحصت مخطوطاته
استولى علي الملل وهو شيطان من الشياطين يقتل الهمة ويرخي العزم
سمع الحريري ماقلته فقال
إن حال بيتهم ليس بأفضل من بيتنا
فمارأيك أن نهرب!!
يقول السالك ابن عربي
"كل ورعٍ مقصور على أمر دون آخر لايعول عليه"
"تتلون الحقيقة بوعي العارف كما يتلون الماء بلون الزجاج"
لن أتزوج يا أبي فالزواج ليس للأولياء ولا أن أكون كاتب حتى لو عند الخليفة
وستبقى بلا عمل
بل أطلب العلم وأثني الركب وألزم الشيوخ
قلبي تعلق بالله فلا تصرفني عنه
زرت فاطمة بنت المثنى في بيتها
أماه لم أجد وتدي بعد
لكنه وجدك
فلم لم يفصح عن نفسه
حتى تصير أهلاً لذلك
قلتِ حتى أطهر قلبي أليس طاهراً بما يكفي؟
وكيف طهرته؟
حملته على مكارم الأخلاق وصفاء السريرة وحسن النية حتى صيرته رافضاً كل صورة غير ذلك
تلك نصف الطهارة يابني
وكيف أتم نصفها الآخر؟
قرطبة نقيض إشبيلية في كل شئ
دخل ابن رشد فهب لمقدمه المجلس كاملاً وسلموا عليه
تأملت الرجل الذي مذ وطئت أقدامي إشبيلية وإسمه يتردد في كل محفل
كان يقارن بين إشبيلية وقرطبة
ما أدري مانقول غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية بيعت كتبه في قرطبة
و إذا مات مطرب في قرطبة بيعت معازفه في إشبيلية
ضحك الناس من قوله وشعرت بالغضب وهو يسئ إلى مدينتي
عند أبي كان ابن رشد مثالاً لمن جمع المجد من أطرافه
فهو عالم وقاض وجليس الخلفاء فهذا كل مايطمح إليه أبي في حياته
فوجئت به يخبرني أن ابن رشد يريد أن يراني ليسمع مني
من أخبره عني؟
دخلت عليه فأجلسني إلى جواره وسألني كيف وجدت قرطبة؟
قرطبة منتهى الغاية وأهلها أولو علم ودراية
وهل وجدت ماتوصل إليه الفلاسفة من القوانين الطبيعية تتفق مع رؤية أهل التصوف من الأمور الكشفية؟
الفلسفة قوانين وضعية تفسر مامضى لا ما سيأتي كما هو الكشف
نعم إنها لا تتنبأ بالغيب ولكنها تضع القانون
لايوجد قانون
يوجد فقط خلق متعلق بإرادة الله
يقول السالك ابن عربي
"كل نور لا يزيل ظلمة لا يعول عليه"
عدنا من قرطبة لنجد عمي يحتضر
سألناه عن حاله
فقال بين يدي الله
إن بسط فهو رحمن وإن قبض فهو رحيم
مات عمي وبكي الحاضرون
أما أنا فكانت عيناي أجف من الصحراء الكبرى التي جاء منها الموحدون
زاد شعوري بالحبس في إشبيلية
و التوق للسفر
يقول السالك ابن عربي
"الحقيقة تأبى الحصر"
بدأ أهل إشبيلية يستعدون للحرب
غادر مع الجيش عبدالله القطان
تجنبت توديعه لأتجنب سؤاله عن عدم خروجي للجهاد
سؤال أقرب إلى التوبيخ منه إلى الإستفهام
لن أجاهد تحت راية لا أؤمن بها
هل يعلمون بأن الحياة في سبيل الله أشق وأصعب من الموت في سبيله؟
يقول السالك ابن عربي
"السهر من غير سمر لا يعول عليه"
في مزرعة فريدريك إذا أفقت أسكرني جمال المكان وخضرته وسواقيه وأطياره وإذا أخفى الليل ذلك عنا أسكرني نبيذه
مرت تلك الأيام على صفوها
حتى عاد الحريري يوماً من إشبيلية مكفهر الوجه وقال
لقد هُزم جيش الموحدين!!
البرتغاليون قادمون
قتل الخليفة في المعركة
ذهب ولاة المدن الأربعة من أبنائه لتشييع جنازته في المغرب
ولوهلة بدا الأندلس معلقةً بلا خلفاء ولا ولاة ولا جيوش كأنما هجرها الموحدون وتركوها نهب المخاوف
جاءنا أمر الخليفة الجديد بوقف العمل بفقه المالكية ومنع كتبها
وإستبدالها بالظاهرية ومنع مناظرات المتكلمين
يقول السالك ابن عربي
"كل بارقة تظهر للمرء ولا تفيده علما لا يعول عليها"
أشعر بضيق خانق كأنه لم يكن كافياً ضيق المدينة حتى يضيق علينا الخليفة بأوامره
أصبحت إشبيلية فعلا لاتطاق
أسواق جامدة وأناس خائفون ونفوس مضطربة
إشاعات عن تسليم الأندلس للفرنجة وتمرد كبير في إفريقية يهدد الموحدين
حتى مجلس فريدريك نفرت منه راكضاً لا أعرف إلى أين
خلفت ورائي قوماً سكارى حائرين لا يدرون ما حل بي
ركضت بين المزارع في ليلة حالكة السواد
تعثرت مراراً وسقطت وقمت وركضت كأن شياطين الأرض كلها تتبعني بكيت و أنا أركض
حتى رأيت راعياً يرتدي أسمالاً مقطعة رجوته أن يعطيني ثيابه و يأخذ ثيابي
لبست قميصه المتسخ وسرواله الممزق وخلفته ورائي لا يعرف أأنس أنا أم جان
وجدت نفسي أخيرا في المقبرة فدخلت وسلمت
بين القبور شعرت بسكينة
لمحت قبراً خرباً جلست فيه وبدأت أقرأ القرآن
استنفر أهلي في البحث عني
حتى وجدوني في نفس المكان صباح اليوم الخامس
دخلت البيت في هيئة انفطر لها قلب أمي
يقول السالك ابن عربي
"كل حال يدوم زمانين لايعول عليه"
ما شأنك يابني؟
إنها ملاحظة العناية الإلهية للعبد بإجتذابه إلى حضرة القرب
وكيف يكون هذا؟
لقد لاحظني الله في حال غير التي اصطفاني لها فجذبني بعنايته
و جذبة الله تطير الصواب
ولماذا يعظك الله من دون العالمين؟
لأني ولي من أوليائه
يابني أفق من غيك
أي ولي هذا الذي عمره اثنان وعشرون سنه ويقضي ليله سكران مع القيان والغانيات؟
لقد قدر الله لي أن أسكر و ألهو كي تحق علي الجذبة وتصدق مني التوبة
ولماذا المقبرة؟لماذا لم تعد للبيت؟
في المقبرة علقت نفسي مع الله
وسألته ألف ألف مرة أن يستعملني في مايرضيه ولا يبعدني عنه
والله يابني لقد رأيت
الصالحين والطالحين
والأوابين والعصاة
والأبرار والفجار
ولا أعرف من أي صنف أنت
ذهب بعقلك الغرور
تظن نفسك ولياً وما أنت بولي
وتدعي التقوى وما أنت بتقي
من فرط فراغك وقلة إشتغالك
إذن دعني أسافر يا أبي
ثار وهو يصيح
ما وثقت بعقلك وأنت عندي
حتى أثق بك وأنت غائب عني
يقول السالك ابن عربي
"أنت غمامة على شمسك فاعرف نفسك"
انطوت سنوات حدث فيها مالم يخطر ببال
صرت كاتباً عند الخليفة
وزوجاً لمريم بنت عبدون
ليس لي من الأمر شئ ولكن يقضي الله بما يريد
انتهى بي الأمر جليسا للخليفة في النهار ولزوجتي في الليل
مازلت حبيسا لأسوار إشبيلية وزادت قيودي قيدين
قرر الخليفة أن يحل في إشبيلية بدلاً من المغرب
وحين وصل البلاط ذهبت مع أبي للسلام عليه
عندما بلغناه سلم عليه أبي ثم قدمني إليه
هذا إبني محي الدين بن عربي فمددت يدي للسلام عليه فإذا به يبقي يده في يدي ويتفرس في ملامحي
ثم يقول أنت الذي نبأني عنه ابن رشد
ابق في المجلس حتى ينصرف الناس
التفت إلي الخليفة قائلاً
أحقاً قلت لابن رشد
إن الفلسفة لاتكشف غيباً؟
ولا قانون في الكون إلا إرادة الله؟
أجل قلت ذلك
ابتسم الخليفة لإتفاقي مع رأيه
يا أمير المؤمنين إن الفلسفة هي محبة الحكمة وليس كل من أحب محبوباً نال وصاله
الله الله ما أحسن مقالتك
لاتفارق مجلسي حتى أرحل من إشبيلية
يقول السالك ابن عربي
"إن في المرأة يكتمل ظهور الحقيقة"
حدثتني أختي عن مريم بنت عبدون لأتزوجها
رأيتها في منامي تقرأ في كتاب وتبتسم فعلمت أنها إشارة
تكرر المنام ليالي
فعرفت أني احتاج لمشورة
فقصدت فاطمة بنت المثنى
يا أماه مريم ما رأيك بها؟ أتعرفينها؟
لا و لكني أعرف أنها ستكون زوجتك
سألني الخليفة يوماً
ما بال الفقهاء لا يطيقون الفلاسفة؟
الناس على دين ملوكهم
ماذا تعني؟
هم يشكون اليك ابن رشد في كل بريد ولم يكونوا يفعلون ذلك في عهد أبيك
وكيف عرفت بشكايتهم ضد ابن رشد؟
إن الله يكشف لي
فهلا كشف لك ما يكون من أمر قشتالة؟
لا علم لي
إن الله يكشف لي ما يريد لا ما أريد
يا أمير المؤمنين
فقهت من الدين فوق فقه الفقهاء
ومن الفلسفة فوق فلسفة الفلاسفة
ولو شئت أن أكون فقيهاً كابن حزم
أو فيلسوفاً مثل ابن طفيل
أو كلاهما معاً كابن رشد لكنت
ولكن الله اختار لي أن أكون من أهل الطريق وقال لي كن فكنت
وأنا أقول لك
كن في مجلسي هذا لا تتركه
وارحل معنا إلى مراكش
يقول السالك ابن عربي
"طريق الحق مستقيم الإستدارة"
قرر الخليفة التحرك نحو مراكش
ودعت أهلي وزرت فاطمة بنت المثنى طلبت منها وصية فقالت
أوصيك بفاتحة الكتاب
فإني لم أرج خيراً في حياتي إلا قرأتها فكان
ولم أدفع شراً إلا جعلتها في نحره فانصرف
مرض الخليفة أشار عليه الأطباء أن ينزل فاس
يقول السالك ابن عربي
"النوم إذا لم يعط بشرى لا يعول عليه"
طلبت العودة بعد سبعة أشهر في فاس بصحبة الخليفة المريض
أزفت ولادة مريم و رأيت في المنام بطنها يفتح مثل محارة في جوفها لؤلؤة جميلة فعرفت أنها ستنجب أنثى
بعد شهر من وصولي وضعت مريم فتاة مباركة الوجه حلوة الطالع
سميتها زينب
شفي الخليفة و فُتِح مجلسه
فعزمت أن أزوره في فاس
ولكن بلغني بأنه أمر بسجن ابن رشد
شعرت بالضيق
هم يسلمني لآخر
وحزن مقيم في صدري
فقد لوثت قلبي الذي أمرتني
فاطمة بتطهيره
جالست الخليفة وأكلت طعام القصور
تزوجت مريم واعتدت لذة الجسد
تسلمت العطاء فامتلأ الجيب
لا مفر لي الآن إلا المقبرة
رافقني شيخي الكومي ستاً وسبعين ليلة لم ننقطع فيها عن المقبرة ساعة
من غروب الشمس حتى طلوع الصبح
نسبح تارة ونقرأ تارة ونتأمل تارة
وهو يقول هنيئاً لنا مجالسة الأحياء في المقبرة
أما من هم خارجها فموتى ولكن لايشعرون
قال لي بعدها
أنا وتدك الأول
وفي أفريقية وتد ثان
فأقبل عليه يثبت قلبك
يقول السالك ابن عربي
"السفر إذا لم يسفر لا يعول عليه"
لدي شعور بأن وتدي الثاني هو الغوث أبو مدين
شددت الرحال وبلغنا بجاية بعد طول سفر
قصدت بيت الغوث
وقلت له جئتك من الأندلس لتغيثني بغوثك وتمدني من فضلك وتحل علي بركتك
حضرت دروسه اليومية لا أنقطع عنه أرافقه إلى بيته إذا إنتهى الدرس
انتظرته طويلاً أن يكشف عن وتديته ويدلني على مكان الوتد الثالث فطال إنتظاري وداخلني اليأس
فقررت أن أسأله
فقال يابني لم يسألني مريد قبلك مسألة إلا شعر قلبي بها وأظنك تسألني عن شئ لا أعرفه ولا أقدر عليه فاحفظ عليّ ماء وجهي أن تسألني عمّا لاأعرف
فسكتّ ودمعت عيناي وأستأذنته في الرحيل
وصلت إشبيلية لأجد أبي على فراش المرض وأمي قد ماتت أثناء سفري
وأختاي في حال عصبية من الحزن
جلست عند رأس أبي أقرأ يس
حتى أفاق من غشيته نظر إلي بعينين فيهما الحق المبين فقلت له يا أبي سأذهب إلى الجامع حتى يأتيني نعيك
فما فرغت من تحية المسجد حتى قيل لي عظم الله أجرك لقد مات الوالد
يقول السالك ابن عربي
"اليقين إذا أثر فيه الهوى لايعول عليه"
أمر الخليفة بإخراج ابن رشد من السجن ونفيه إلى قرية اليهود في أليسانة
راجت الأندلس بالشائعات حول أسباب هذه النقمه التي صيرت الصديق عدو
شعرت بالذنب تجاه ابن رشد في نقمة الخليفة عليه
حين سألني عن رأيي في الفلاسفة والمتكلمين
اصبح الخليفة في مزاج سئ بعد شفائه
ضرب عنق أخيه حين شك في ولائه وإذا بلغ السيف رقاب الإخوة فلن يعجزه بلوغ رقاب الفلاسفة والمتصوفة
سيزيد الفقهاء من وشاياتهم بعد أن أثمرت عن نفي ابن رشد
ولن تخلو رسائلهم يوما من اسمي
شعوري بالذنب صار خوفاً وذعرا
ماذا أفعل في إشبيلية ووتدي في أفريقية؟
وصل رسول الخليفة لتعزيتي في وفاة والدّي وأبلغني بأن التحق به في مراكش لأكون عنده كاتب سر
فقلت مثلي لم يخلق لهذا
شعرت بعدها بأني إرتكبت خطأ
فهاهي الفرصة تسنح لي بالسفر إلى أفريقية مرة أخرى حيث ينتظرني وتدي الثاني
ولم يبق لي في إشبيلية أهل ولا علم ولا وتد
فوافقت على طلب الخليفة
يقول السالك ابن عربي
"الحجاب الذي عليك منك"
طلبني الخليفة إلى مراكش مع رجل آخر يدعى السبتي كان في خلوته في جبل جيليز بالمغرب منذ أربعين عاماً
حيث خصص لكل واحد منا نزل للطلاب والدروس
لفت إنتباهي شابان فاسيان قد أوتيا رجاحة في العقل وحباً في العلم منذ أول درس
فقررت أن أزوجهما أختّي
مضت أيام قبل أن تتاح لي فرصة لقاء السبتي
دخل علي ذات ليلة وقال
لم أنم من شدة البرد فقلت ولكنا في صيف يا شيخنا
فقال البرد يعني بأن الخرقة التي على جسدي لم تعد لي
ولا يفتأ جسمي يرتجف حتى أخلعها على من يستحقها وأنت من يستحقها
أصابتني الخيبة والإحباط فمادام قد خلع خرقته فهو ليس وتدي
يتهافت الناس على الساحة الكبرى المنادي على وشك إعلان
رسالة من ألفونسو لأمير المؤمنين
أيها الخليفة
الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك فلا تجد سبيلاً للحرب
وأنا أسوم أهل الأندلس الخسف وأسبي الذراري وأمثل بالكهول وأقتل الشباب ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم وقد أمكنتك يد القدرة
وهذا رد أمير المؤمنين على ألفونسو
(ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون)
هاج الناس فرحاً ولبس الخليفة لباس الحرب وتطوع الناس للجهاد
وبعد أسابيع قاد الخليفة بنفسه مائتي ألف جندي من السودان والبربر والعرب والصقالبه والمولّدين والأغزاز إلى الأندلس
يقول السالك ابن عربي
"الظن لا يعول عليه"
لم يجانبني الصواب بشأن شخص من قبل كما فعل بشأن بدر الحبشيّ
ظننته لايتجاوز دروس الفقه الأولية فهاهو يبلغ حلقة التأويل
ظننته طلب صحبتي طمعاً في سيد يأمره فإذا هو حر في باطنه وإن عاش عبداً في ظاهره
ظننته لايبقى معي أياماً
فصحبني سنين طويلة
حدثني يوماً فقال
أتبعك فأخدمك ياشيخ إني لا أرى لك تابعاً
وما ترجو من ذلك يا بدر
علمك وبركتك
فصار بعد عدة أشهر ساعدي الأيمن الذي أعتمد عليه في كل شؤوني
لاحظت منذ البداية أنه حامل بشائر اختصه الله بهذه الصفة فأصبح لملامح شكله الفأل الطيب
بشرني بإنتصار كبير لجيش الموحدين في الأندلس
يقول السالك ابن عربي
"الحر من ملك الأمور ولم تملكه"
سألني الخليفة يوماً هل تعرف شعيب بن الحسن؟
ذلك الغوث أبو مدين ومن لايعرفه
استعادت ذاكرتي ماحل بابن رشد حين سئلت عنه
لئن استزاد الخليفة مني حول أبي مدين فلربما كانت منجاته أو مهلكته بيدي
امر بعدها الخليفة أن يحضر الغوث إلى مراكش
يقول السالك ابن عربي
"إنني مما يأمن القلب خائف"
لو مس الغوث أذى من الخليفة
فأنا شر مريد في الأرض
وأنا عدو أولياء الله الصالحين من يدخلهم السجون
فما طهر قلبي بعد
أشي بالأولياء وأجالس الخلفاء
آكل و أشرب وأتنعم كالعامة والدهماء فأي طهارة هذه
انقضت شهرين لم يصل فيهما الغوث إلى مراكش
سألت في القصر المقربين من الخليفة
لماذا تأخر الغوث؟
ألم تعلم بأنه مريض وأنه لايتكلم
ونظن مرضه لايمهله
حقاً وهل علم الخليفة بذلك
بالتأكيد يعلم
قررت في اللحظة السفر إلى تلمسان لأرى الشيخ قبل أن تصعد روحه
وصلت بعد خمسة أيام والشيخ يُمرّض في بيت أحد طلابه
فلازمت فراشه بعد أن أذن لي
مرت أيام أقرأ عند رأسه يس
وحاله لا تتغير
أحضر الرجل كفناً فقلت
أواثق بأنه يموت لتحضر الكفن؟
بل أحضره الشيخ معه من بجاية
حيث كان مستيقناً بدنو أجله
أشفق عليه أهل بجاية من طول السفر ورجوه أن يعتذر للخليفة عن الحضور
فقال إن منيتي قد قدرت في مكان آخر ولابد من الوصول إلى مكان المنية
كان طول الطريق من بجاية يردد
الحمدلله الذي قيض لي من يحملني إلى مكان منيتي
انقطع أملي بشفاء الشيخ و أكمل الله كرامته لوليّه فقبضت روحه بعد ساعات وانتشر الخبر في تلمسان
عدت إلى مراكش مهموماً حانقاً على الخليفة الذي آذى أولياء الله وأهل العلم
الفقهاء النمامون اصبحوا جلساء الخليفة
وقع خبر وفاة الشيخ أبي مدين على الخليفة وقعاً مؤلما
وصل أهل بجاية مجلس الخليفة بعد أن أوجعهم فقد شيخهم
هاجموه بالكلام بأنه آذى ولي من أولياء الله وشق عليه بسفر لا يطيقه
أخيراً غضب الخليفة بعد أن أكثروا من لومهم ودعائهم عليه بزوال ملكه وقرب هلاكه
نفد صبر الخليفة فأمر الحراس بحبسهم
احتجب الخليفة بعد تلك الحادثة
أفرج عن السجناء وامتنع عن الصلاة بالناس
لمحت في عينيه الندم والحزن
قال لإبن رشد بعد أن عفا عنه وأحضره إلى مراكش
عفونا عنك وأعدناك لمجلسنا
عفا الله عما سلف
وابن رشد يشيح بوجهه عنه ويردد الحمدلله على كل حال
إن تعف عني في الدنيا
فلا أعفو عنك في الآخرة
أولى ابن رشد ظهره للخليفة ومشى نحو الباب وهو يقول
سيحكم الله بيننا يوم القيامة يايعقوب
والخليفة صامت لا يعرف كيف يتصرف
رفع ابن رشد قضيته إلى الله
وغادر هو بإتجاه هذه المحكمة التي اختارها فصعدت روحه لبارئها بعد هذا اللقاء بأسابيع
وقع نبأ وفاته على الخليفة كالصاعقة فضاقت به الأرض
يقول السالك ابن عربي
"هذا الإمام وهذه أعماله ياليت شعري هل أتت آماله"
أوصى ابن رشد أن يدفن في قرطبة قررت أن أشيعه لعلي أشيع معه شعوري بالذنب
دفن في قرطبة بحضور جموع غفيرة من أهلها
وأويت إلى خان يعصمني من الحزن
مكثت فيها أيام أطوف سوق الوراقين فلم أجد إلا كتب ابن رشد تباع في العلن
بداية المجتهد
تهافت التهافت
شرح الأرجوزة
وغيرها كتب كثيرة يبيعها الناس تحدياً بعد أن ساءتهم خاتمة الرجل وهو قاضي القضاة وجليس الخلفاء الطبيب الفيلسوف الفقيه الذي عاش آخر أيامه مطروداً من المساجد
فأخرجوا مالديهم من نسخ خبؤوها يوم كانت التنانير تنصب في ساحات المدن لحرق كتب ابن رشد
عدت إلى مرسية بعد طول غياب
وصلت بيتنا دون دليل وكأني فارقته بالأمس
إرتأيت أن أبيع البيت بعد أن أصبحت الأندلس كبساً ينهشه الفرنجة من الشمال والبرتغاليون من الغرب والموحدون من الجنوب والموريقيون من الشرق
لايطيب فيها عيش ولا تستقر فيها حال
فقطعت ببيع البيت أول جذوري الأندلسية بيدي
قصدت بيت فاطمة بنت المثنى جلست عند عتبة البيت فأخذتني غفوة
رأيت في منامي طائراً جميل لم أر مثله في الدنيا شديد الزرقة كأنه ياقوتة تطير
اقترب مني وقال عد إلى مراكش تجد رجلاً يرحل معك إلى مكة
وزعت قيمة بيع البيت على فقراء مرسية
وعدت مسرعاً لمراكش وأنا مشتاق لرجل ينتظرني ولا أعرفه
يقول السالك ابن عربي
"الممكن برزخ بين الوجود والعدم"
ذات صباح إختفى الخليفة فلا أثر له
وصل الخبر لإبنه في مراكش الذي ذُهل فهرع إلى سلا في ثلة من الفرسان
أمر فور وصوله بتفتيش البيوت واستدعى خدام القصر للتحقيق فبكى بعضهم من الهلع وهم ينفون علمهم بمكانه
إجتمع بالمستشارين والوزراء
نظر إلى كرسي الخلافة الخالي وكأن الأمر لايصدق ولايعقل
لو كان في الأندلس لربما اختطفه القشتاليون
ولو كان في تونس لربما اختطفه بنو غانية
ولكن أن يختفي في المغرب قاعدة ملكه وحاميته الكبرى؟
التي يحيط ببرها الجيش ويحوم في بحرها الأسطول؟
أمر بتفتيش ديار البدو الرحل والمساجد والجوامع
فتشوا حتى بيوت مراكش
مر أسبوع ولم يظهر الخليفة
عاد ولي العهد إلى مراكش وهو حيران
تحول غضبه إلى حزن وخوف
حدث كل هذا والناس يتناقلون بينهم الشائعات
أشار عليه المقربين أن يعلن موته خشية أن ينتهز بعضهم فرصة غيابه فيحرضون الناس ويثبون على العرش
أرسل ليجمع أمراء الموحدين وأعيان الدولة
صعد ولي العهد المنبر
أعلن موت الخليفة بعد طول مرض وقد أوصى أن يدفن في قبر مجهول تواضعاً منه وزهدا
وفور أن نطق بآخر كلمة من نعيه المقتضب صاح حاجبه في أروقة الجامع الذي عمه ذهول الناس
البيعة لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين محمد بن يعقوب
فقام أعمامه ليكونوا أول من يبايع فبايعت معهم
يقول السالك ابن عربي
"من صحبك لذاتك فعول عليه"
منع الخليفة خمسة من الجلوس للتدريس في مساجد مراكش وأنا منهم
فجلست مهموماً في البيت تواسيني زوجتي
هل رأيت ما أحزنك في مرسية؟
بل رأيت فيها مناماً سرني
فيه أمر لي بالتوجه نحو مكه صحبة رجل من مراكش لا أعرفه
قالت أنا أعرفه
هو محمد الحصّار
وكيف تعرفين؟
قبل سنوات حين وصلنا مراكش طرق بابنا صبي يقول هل أنتم من الأندلس؟
قلت أجل
وهل رأيتم في المنام أنكم تحجون إلى بيت الله الحرام؟
قلت لا
ولكن لم تسأل؟
قال استأجرني الحصّار أطوف على بيوت أهل الأندلس الوافدين على مراكش لأسألهم هذا السؤال
فخرجت على عجل قاصداً بيت الحصّار
إنتظرته جالساً عند باب بيته حتى وصل قبل المغيب
لمحني جالساً
تبادلنا النظرات دون سلام
وهو يحدق في وجهي بتمعن
سالت من عيني دمعة ففرت الدموع من عينيه
عانقني وراح يبكي ويقول
آه يا أندلسي
أربع سنوات في إنتظارك
فرحت بلقائه وفرحته كانت بقدر سنوات الإنتظار الأربع
منذ أن رأى الرؤيا نفسها
يقول السالك ابن عربي
"كل معرفة لاتتنوع لا يعول عليها"
خرجنا من مراكش معي زوجتي وابنتي
اتحدث مع الحصّار في كل شئ
بلغنا بجاية وكأنها ساعات لا بضع أيام
فرحت مريم بوصولها ديار أهلها
بحثنا عن مركب يحملنا إلى الإسكندرية
وصلت أخبار أن النيل في مصر منحسر والبلاد في مجاعة شديدة وغلاء كبير
أكل اهل مصر الميتة
باع الأحرار أنفسهم
لاصلاة تقام إلا يتلوها جنازة
ظلت الأخبار الواصلة تزداد سوء
فلم نجرؤ على السفر
قضينا أغلب الوقت في بجاية نقرأ الكتب
علمني حساب الأرقام على أن أعلمه من علمي ولكن بإختصار
فأهل الحساب يميلون للإختصار
بعيدا عن علوم الصوفية والفلسفة التي لايميل لها
إعلم بأن هناك ثلاث قوى غيبية في الطبيعة هي
الوحي والعقل والقلب
فإن مال المرء جهة الوحي صار ظاهرياً
وإن مال جهة العقل صار فيلسوفاً
وإن مال جهة القلب صار صوفياً
وإن أرادها كلها فلا بد أن يبني جسوراً
بين الوحي والعقل جسر التفسير
بين الوحي والقلب جسر التأويل
بين العقل والقلب جسر الحب
مكثنا في بجاية أشهر نقطع وقتنا بالكتابة كلٌ منا في علومه ومعارفه
وبعد أشهر فتح الله على الحصّار بكتاب طلب مني أن أسميه فسميته
البيان والتذكار في علم مسائل الغبار
وفتح علي بكتاب فطلبت منه أن يسميه فأسماه إنشاء الدوائر والجداول
بدأت تردنا أخبار من مصر أقل تهويلاً فعزمنا على السفر
يقول السالك ابن عربي
"الخوف إذا لم يكن سببه الذات لا يعول عليه"
ركبنا في مركب جنوي متين الصنعه
هاج بنا البحر وماج ولثلاثة أيام لم تهدأ السفينة ولم تستقر وكل يوم أظنه النهاية
لم أهنأ بساعة نوم ولم يبق في جوفي طعام ولا شراب
اختلف فهمي وتشوش عقلي من فرط الجوع والغثيان وقلة النوم
أشرقت شمس السماء صافية بعد خمسة أيام
هدأ البحر واستكن المركب
وصلنا الإسكندرية أخيراً بعد أن أقسمت ألاّ أركب البحر مرة أخرى وبررت بقسمي
فكانت تلك الرحلة آخر عهدي بالبحر
وصلنا دار المغاربة صلينا ونمنا
وفي صباح الغد سمعنا صبياً يصيح أمام الدار الخبز يا مغاربي
فما قصة خبز المغاربة؟
خبز المغاربة هو أمر الملك صلاح الدين خبزتان لكل مغاربي بالغاً مابلغوا
ولم أنزل الله حب المغاربة في قلبه
يقول أبو الغنائم إن صلاح الدين
يأنس بالمغاربة في مصر لأنهم سنة ومتصوفة يمحو الله بهم أثر الفاطميين
إذن فخبزنا هذا قرىً للضيف وليس صدقة لعابر السبيل؟
قال الحصّار أجل
فقضمت خبزتي
يقول السالك ابن عربي
"لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توقر جميع الخلائق"
مشينا في طرق الإسكندرية قبل مغادرتها إلى القاهرة
مررنا بسوق الفرنجة فوجدنا
نزل البندقية ونزل سكسونيا ونزل روسية ونزل دنمركة ونزل جنوة
لكل مدينة إفرنجية نزل
يقيم فيه أهلها يخدمهم فيها من يتحدث بلسانهم ويطهو طعامهم
يقول السالك ابن عربي
"كل بلاء لا يكون ابتلاء لا يعول عليه"
وصلنا القاهرة أخيراً
فقصدنا بيت الخياط والحريري فور وصولنا وبي شوق كبير لملاقاتهما
تلقانا الحريري فعانقني عناقاً طويلاً
أما الخياط فكان طريح الفراش
وقال بصوت منهك وهو يبكي
أنا سقيم يا محي أنا سقيم
فقلت شافاك الله وعافاك
يقول السالك ابن عربي
"الحزن إذا فقد من القلب خرب"
لا أنام في القاهرة كما ينام الخلق مذ رأيت الخياط عليل مشلول لا يقوى على أن يحرك شدقيه بالكلام ولا أن يحمل إليهما الطعام
طلبت طبيباً حاذق ليعالجه
ذهبت عنه الحمى لكنه ظل عاجز عن الحركة
أقرأ عليه يس بكرةً وعشيا فيسكن وتهدأ نفسه وينام
أقرأ عليه من كتبي إذا صفا ذهنه
وأحدثه عن البشارات والكرامات وأحاديث الأولياء والصالحين فتطيب نفسه
فارقه بعض السقم لكنه ظل عاجز عن الحركة
في تلك الأثناء مات الحصّار
السقيم الذي نجا من وباء أزهق أرواح نصف سكان القاهرة تعافى وشفي
والصحيح الذي قطع الطريق معي من فاس إلى القاهرة يموت
ذُهلت لموت رفيقي قبل أن نكمل رحلتنا
هل هو إنذار من الله لتأخري عن الوصول إلى بيته الحرام؟
أو ليعلمني كيف يحيي الموتى ويميت الأحياء؟
أو ليذكرني بأن الرسل تموت والرسالة تبقى؟
دفنت الحصّار وانصرفت نحو ضريح الحسين بن علي وقلت
"السلام عليك ياحفيد حبيبي والسلام على أخيك وأمك وأبيك"
هبت نسمة هواء فحركت القناديل المعلقة
فانعكس ضوئها على جبيني
شعرت بحرارتها كأن الحسين مس جبيني بالنور المعلق فوق ضريحه فكأنما عزاني في صاحبي أحسن عزاء
فنمت تلك الليلة وقد هدأت نفسي وسلت روحي
فلما أصبحت عزمت أن أزور أضرحة أهل حبيبي رسول الله
فلم ينقض النهار إلا وقد سلمت عليهم جميعا
عدنا إلى البيت فوجدت الخياط جالساً فقال لي لقد قبض الله رفيقك ولم يقبض طريقك فأكمل سفرك ولا تتأخر
فلقد حبسني الله عن مكة بالمرض وحبس الحصّار بالموت وعافاك وأبقاك فاخرج إلى ربك شاكراً ذاكرا
الحمدلله على قضائه وقدره
إني أعلم أنك تنتظر وتداً في أفريقية وهذا ما أبطأ بك السير إلى مكة
دمعت عيني وكأن حرقة سنين من انتظار الوتد الثاني بلغت ترقوتي
ضمني الخياط وقال
لقد مات وتدك
بكيت كما لم أبك من قبل
والخياط يقول
ياويل الولي الذي تأخر حتى مات وتده
ياويل الشقي الذي لم يطهر قلبه فجفاه وتده
رباه مافعلت حتى يهجرني وتدي
هون عليك أبا زينب
لايموت وتد إلا ويرثه وتد من بعده
تحول بكائي لأنين خافت
أحتضنت الخياط سألته برجاء
ولما كان وتدي
كيف لم يجدني طيلة سنوات؟
لايكتم الوتد أمره إلا إذا رأى في صاحبه ما يكره أو ظن أنه ليس أهلاً بعد
ظل يهمس بكلمات وأنا أسمع كثيراً و أعي قليلاً حتى قال
أنا الوريث يا أبا زينب
صحت به ماذا
ابتسم ملء فمه وقال
أنا وتدك الثاني
يقول السالك ابن عربي
"السفر قنطرة إلى ذواتنا"
تحركت مع بدر في قافلة تقطع سيناء في الطريق إلى مكة
إفترقنا عن القافلة عند إيلة حيث تلتقي قوافل الحجيج المصرية والشامية
وجدنا مطعم يقدم العدس وبعض الفاكهة وزيت الزيتون للناس بلا مقابل
أكلنا فيه حتى شبعنا مع حجيج ومسافرين من كل فج عميق
كل الحجرات في إيلة مشغولة فقلت لبدر
يريدنا الله أن نعجل إليه ليرضى إبحث لنا عن قافلة نخرج معها إلى مكة
ولكن قافلة الحج تبلغ مكة في شهر وسنصل قبل الحج بشهر
فقلت له لا أظننا نبلغها في شهر واحد فأنا عزمت على الحج ماشياً على قدمي ولن أركب
مشيت في ظل راحلة بدر
حتى لاح لنا ميقات الجحفة
يقول السالك ابن عربي
"الجليل ما يوصف ولا يعرف"
إلتقينا بحجاج من نواح مختلفة
نصبوا خيامهم حول الميقات حتى صار وكأنه مدينة طارئة
أصبحنا على خبر ينتشر بين الناس بسرعة
تهامس به بعضهم وجهر به آخرون
يصدقه بعضهم وينكره كثير
حتى سمعنا من يطوف بأخبية القوافل وينادي الملك لقتادة بن إدريس
تعجب بدر كثيراً مما سمع
وقال رأيت ابن موسى في حجي الأول مع مولاي أبوالفتوح وما كنت أظن أحداً ينزع ملكه عنه إلا الله
وقد نزعه الله يا بدر
لم تعرف مكة حكماً لغير بني موسى منذ قرنين من الزمان
كلها أيام يداولها الله بين الناس
لم أعبأ بهذا التغيير بل بقدمي اللتين كانتا في حال يرثى لها
ضاقت خطاي بسبب آلام ركبتي وأصبح مشيي في أخر أيام سفري بطيئاً
أخبرني بدر وأنا بين صحوٍ وغياب أننا قد دخلنا حدود الحرم وأوفيت بعهدي فركبت الراحلة
أخيراً لمحت كعبة الله الخضراء فطفنا ثم انصرفنا إلى خان الحجيج
خرجنا للحرم صباح الجمعة
فدخل الخطيب في ثوب أسود وخلفه من يحمل رايات سوداء
صليت الجمعه ودعا الإمام للنبي وآله وأزواجه وخلفائه الأربعة وللخليفة العباسي الناصر وأمير مكة الجديد قتادة إبن إدريس ثم للملك العادل الأيوبي
جلست أتأمل حمام الحرم حتى ارتفع آذان العصر فصليت خلف مقام الإمام المالكي
إنقضت الأيام وأنا أقضيها في الحرم من الفجر حتى العشاء ذاكراً متعبدا
ازدحمت مكة مع قرب الحج
نشطت الأسواق الممتدة بمحاذاة المسعى
ببضائع يجلبها الحجاج من كل مكان
وحوانيت لاتغلق أبداً
بدأ الحج فأدينا شعائره
انصرف الحجيج وهدأت الأسواق وذهب الزحام وساد مكة الهدوء
أرسلت بدر إلى بجاية ليجلب مريم وزينب إلى مكة
على أن يتجنب البحر فإني أشفق على صغيرتي منه
يقول السالك ابن عربي
"المحبة إذا لم تكن جامعة لا يعول عليها"
وجدت بيت جوار الحرم
انتظمت في دروس الحنابلة فليس لها مثيل في الأندلس
وقضيت الليالي مع المتصوفة من حولي
وجوه من المشرق والمغرب والشام واليمن
بعضهم مريد وبعضهم نصف مريد وبعضهم أيقنت أن ليس له من العلم حظ ولا من النور نصيب
حتى لمحت يوماً رجل واسع الجبين أبيض اللحية دائم البسمة له مهابة يجلس بين طلابي
عانقته عناق محب وأنا لا أعرفه
هل يكون وتدي؟
يارب إجعله وتدي
إني أرى نورك في وجه هذا الرجل
هكذا التقيت زاهر الأصفهاني إمام المقام الإبراهيمي
مكثت في درسه طيلة عام لم أضيع فيها يوماً واحداً ولا ليلة
إذا أقبلت صباحا وضع زاهر يده على صدري وعوّذني
ثم نقرأ مانحن بصدد قراءته
فإذا استأذنت لأنصرف ليلا وضع يده على ظهري وعوّذني
كان مقامه في مكة رفيعاً يجلّه حاكم مكة
وصلت أخيراً زوجتي ومعها زينب في تابوت
لم تصعقني المفاجأة فقد كشف الله لي موتها في منامي
فجهزت كفنها وجلست أنتظر وصولهم
دفنتها في مقبرة المعلاة
وأودعت معها دمعات أعلم أنها ستطفو مثل ورقة ياسمين صغيرة فوق نهر أبدي من حزن أبيها
جاءني زاهر معزياً
فخصصته بقولي
إن قلبي مثقوب ثقباً واسعاً
بحجم حبي لزينب
وأني هجرتها
يوم ولدت
ويوم كبرت
ويوم ماتت
فأي أب أنا؟
مانقصك الله من كفة زادك في أخرى حتى ترجح أخيرا
بعد نهاية العزاء خلوت بمريم
سألتها عن حالها فلم تجب
سمعت بكائها فتعجبت من شأنها
ظننتها في شوق للقائي ولكن الثكل أنساها الإشتياق
قلت لها لقد أوجعنا فقد زينب
قالت اتركني اعود إلى بجاية ولاتسل عن شأني
إن لم يكشفه الله لك فخير لك ألا تعرفه
فقلت ابقي حتى تحجي فريضتك
ثم إرحلي إذا شئت
يقول السالك ابن عربي
"الحب سر إلهي"
أقبل رمضان فاستقبله اهل مكة بالطبول
اتخذ كل إمام زاوية من المسجد لصلاة التراويح
إمتلأ الحرم بالمشاعل والشموع كانت ساحاته متلألئة كالنهار
جلس زاهر لدرسي يأخذ علم المغرب وأخذت منه علم المشرق
كلما أشكلت عليه مسألة وعد بأن يسأل فيها أخته فخر النساء
استأذنت زاهر أن أجلس عندها للدرس
لم يعد هناك درس لقد كبرت
إستأذنها لي أجلس عندها وحدي
فصرت أجلس على عتبة بابها
تقرأ علي علماً سلساً نافعاً له حلاوة وقبول لم أطعم مثله في علوم الرجال
قرأت معها الكتاب تلو الآخر والسيرة تلو الآخرى
لا أمل من كلامها
أقضي لها شئونها حتى لاينقطع حديثها
كل يوم أقضيه عند عتبة فخر النساء لعقلي حتى قضى أن يكون يوما من الأيام لقلبي
دخلت إمرأة لم تر عيناي أجمل منها سمعتها تقول السلام عليك ياعمتي
فتقول فخر النساء ادخلي ويقول قلبي ادخلي فدخلت البيت وقلبي في آن واحد
كانت تلك نظام
عين الشمس والبهاء إبنة الشيخ زاهر
تقرأ على عمتها بعد درسي
ياشيخة فخر النساء ماذا تقرأ عليك هذه الفتاة؟
إني أرغب في قراءته معكما من مكاني هذا عند عتبة الباب
فقالت غداً إن شاء الله
فصار ذلك درس العقل والقلب
منارة البصر والبصيرة
شعلة الجسد والروح
كنت أظن مكة مفتاح الروح الذي سعيت له من أقصى الأندلس
فإذا هي تطرق باب قلبي كما لم يطرق من قبل
سكنت خيالي كل لحظات يومي وليلتي
إذا كتبت تراءى لي وجهها الصبيح مع كل حرف
يالعينيها مثل حرف الحاء
يالأنفها مثل دقة الدال إذا انتهى به السطر
يالشفتيها مثل وقار الثاء إذا سكتت والياء إذا ضحكت
يالهذا الخدش في صدغها مثل همزة أفلتت من ألفها
يالوجهها مثل كتاب من نور سطرته أيدي الملائكة
يقول السالك ابن عربي
"كل حب يعرف سببه فيكون من الأسباب التي تنقطع لا يعول عليه"
شغلت نظام كل وقتي حتى وجدتني أكتب ماضجّ في نفسي وما ضاقت به غرف القلب من شعر في كتاب أسميته
ترجمان الأشواق
ودعت مريم بلا قبلات
اكتفت بمصافحتي وتقبيل يدي واستقلت هودجها مع قافلة من الحجيج العائدين
سافرت مريم ولم أوصها بشئ
هكذا شاء الله أن تخرج من قلبي وأن أخرج من قلبها دون وداع
وهكذا أرادت لنا مكة
فبعض الحب لاينمو إلا في بلاد بعينها ولا يعيش في بلاد أخرى
حبنا كان نافورة جري ماؤها في الأندلس
حتى إذا فارقناها انحسر الماء وجف تماماً في قيظ مكة
كنت زوجا وأبا واليوم أعود وحيداً
لم أر مريم بعدها إلا في منامي
جلست في بجاية مع أهلها ست عشرة سنة ثم ماتت
جاء من يعزيني بها بعد أشهر وأنا في ملطية رغم أن الله كشف لي موتها في حينه قبل وصول الناعي
حين شعرت بألم في ضلعي وأنا نائم فعرفت أنها ماتت
دعوت لها بمقام كريم في الجنة في رعاية من يجازي الثكلى ويواسي المحرومة
شمس تغرب وأخرى تشرق
مريم تسترد حبها وترحل بعيداً
ونظام تخاتل مشاعري دون أن تقدم
بين المرأتين من أنا؟
أين شيوخي ودروسي وبقية أوتادي؟
ماذا سأفعل؟وماذا سأكون؟
في داخلي عواصف لن تهدأ
حتى أعرف وجهتي
عواصف تضرب روحي وعقلي وقلبي
صوفي أنا أم عاشق؟ عالم أم عارف؟ شيخ أم مريد؟ ولي أم شقي؟
هرعت إلى الكعبة أطوف بها
لا أتوقف إلا لأداء الصلاة المكتوبة
حتى سقطت ونمت على شاذروان الكعبة
استيقظت على أذان الفجر
يومان وأنا أطوف حتى أصبحت شبه غائب عن الوعي فإذا بي أردد
ليت شعري هل دروا...أي قلب ملكوا
حتى شعرت بنقرة على كتفي فزعت التفت فإذا بها ورائي نظام
ماذا تفعل هنا يارجل
تطوف في هذا اليوم؟
ومالي لا أطوف؟
انظر حولك
التفت لأنظر إلى ماتقول فصُدمت
نساء كثر عن يميني وشمالي يطفن بالكعبة ويصلين في الساحة
حشد هائل من النساء لا رجل بينهن إلا أنا
يا إلهي ماذا يحدث؟
أجابتني بقلق إنه التاسع والعشرين من رجب
يوم طواف النساء!
هل ترى رجل غيرك في الحرم؟
اخرج الآن
يقول السالك ابن عربي
"كاللبلابة التي تلتف على شجرة العنب هو العشق"
ماقصتك يابن عربي
ما لايعلمه أحد حتى الآن يا نظام هو أني أحبك
حباً يصحبني أينما سرت ويوقظني كلما نمت هو ظلي في النهار وفراشي في الليل
فقالت عجبت لعارف زمانه لم تبق امرأة في المطاف إلا وسمعته ينشد شعراً بأعلى صوته
وهل له تكملة؟
نعم
أنشدني إذن
ليت شعري هل دروا أي قلب ملكوا
وفؤادي لو درى أي شعب سلكوا
أتراهم سلموا؟ أم تراهم هلكوا؟
حار أرباب الهوى في الهوى وارتبكوا
هل الشوق لأم زينب فعل بك كل هذا
وتزعمين بأن قلب المرء قلب محبوبه ولسانه هو لسانه؟
أجل
فكيف لم تعلمي أنك المقصودة بهذه الأبيات؟
يقول السالك ابن عربي
"كل باطن لا يشهدك ظاهره لا يعول عليه"
مرت سنتان وأنا في مكة ولا أدري إذا ما كان يجدر بي أن أمكث أطول
أين أجد وتدي الثالث كل الأماكن ممكنة قد يكون
في الهند أو الصين
في فارس أو الأناضول
في بلاد الروم أو بلاد السودان
بل ربما ينتظرني من حيث جئت في بلاد الأندلس
سألني الشيخ زاهر
لماذا أوقفت درسك في الحرم؟
لعل المانع خير؟
إنه التآليف يا شيخي
هذا والله حسن وماذا تؤلف؟
عن جميع مافتحه الله علي من فنون المعارف في مكة أسميه
الفتح المكي
ومتى تفرغ منه؟
في بضعة شهور لولا صداع ابتليت به
وألم فوق عيني
عانيت مثل هذا
عمرك الان أربعون يابني
بصرك يضعف
يقول السالك ابن عربي
"الحب موت صغير"
لا يفارقني طيف نظام
إن كتبت رأيتها في كتبي وورقي وقرارة محبرتي
و إن خرجت رأيتها في طريقي وطوافي وسائر شئوني
كل مايحدث في يومي هو من فيض حبي لها وشغفي بها وأنا أدونه شعراً
جئت من أقصى مغرب المسلمين وهي من أقصى المشرق
لنلتقي في مكة ونقع في الحب
تمكن حبها في قلبي
لم أعد أفكر في مستقبلي بدونها
أشعر معها بإكتمال الحب وانسياق العاطفة
كيف لا وهي ربيبة الحرمين وتربية البلد الأمين
قرأت كل كتاب وحذقت كل علم
لا شاغل لها إلا القراءة ولا تسلية لها إلا المعرفة
شمس بين العلماء وبستان بين الأدباء وهبها الله حسناً لم يهبه إمرأة قبلها
يقول السالك ابن عربي
"أنت أيها الإنسان
أنت المصباح والفتيلة والمشكاة والزجاجة"
وصلت حملة حجيج قونية
وقر في قلبي حب قائدهم إسحاق
فور أن نظرت لوجهه
جعلت له في قلبي مقام الأولياء
فهو يبث من حوله الطمأنينة كما تبث الشمس دفئها في الكون
جلست لأسمع منه معارف الشمال البعيد الذي أقبل منه
تآخينا في الحب الإلهي الذي يجمع أولياءه من مشرق الأرض ومغربها
عرضت عليه أن يقيم عندي فهو وحيداً بلا زوجة ولا ولد
نجحت في إخراجه من بيت زاهر الذي كان ضيفاً عليه وفيه نظام
من قال أن الأولياء لا يشعرون بالغيرة
إنتهى الحج واعتمر القونويون قبعاتهم الأسطوانية الطويلة وانتشروا في مكة
ينظم إسحاق كل ما يفعله القونويون في مكة من بيع و شراء وصناعة وحضور دروس الشيوخ وترجمة ونسخ الكتب بلغتهم
الجميع يطيعه طاعة عمياء
حدثني عن بلاد الأناضول وعن حديقة صغيرة تعهدها بالرعاية
كانت تؤوي روحه وتدفئها وتبث فيها الطمأنينة والسكينة
سألته ومن يعتني بها في سفرك؟
قال بيقين أنا
اليوم كنست أوراق الخريف المتساقطة ودفعت لصاً حاول أن يقطف أزهار الخزامى ليبيعها لعطار سيئ السمعة
وحين ينقطع عنها المطر أجلب لحديقتي غيمة من الشمال
وكيف تفعل كل ذلك؟
كل ما أفعله هو أني أقسم على الله فيبرني
ولكني لا أقسم عليه إلا إذا علمت أنه يبرني
وكيف تعلم؟
أشعر بذلك
إنه رضا الله
إن لرضا الله عليك شعور لايمكن وصفه على الإطلاق
تخيل أن الله ينعم عليك برضاه ويشعرك بهذا الرضا أيضا
أشعر بأن أحلامي وأمنياتي قد خرجت من نفسي وصعدت إلى السماء
فرتبت وصيغت في حال أطهر ثم أعيدت إلى صدري
لأن الأحلام إذا تأخرت في صدرك تفسد
رضا الله يخلقك مرة أخرى بقلب جديد وأحلام نظيفة
يقول السالك ابن عربي
"كل محبة لا يؤثر صاحبها إرادة محبوبه على إرادته لا يعول عليها"
قررت أخيرا أن أتقدم لخطبة نظام
لبست أجمل ثيابي وخرجت أطوف في الحرم طوافا استخرت الله أن يجمعني بها إن كان في إجتماعنا خير أما إن كان فيه شر فليجمعنا أيضا بعد أن يصرف هذا الشر
رشفت من زمزم وانطلقت
فاتحته في الأمر أخيرا
ورحت أعدد له الأسباب التي دعتني لطلب الزواج من نظام
ولكن ما أخرك كل هذا الوقت يا محي
ما أخرني إلا هيبة مقامك يا شيخي
لا نجد لها خيرا منك يا ولدي
ولكني لا ألزمها إلا ما ترى لنفسها فاصبر حتى أبلغها ونسمع رأيها
عدت إلى البيت وأنا أتوجس من شدة فرحي واكتمال بهجتي
مضى أسبوعان ولم يبلغني رد
هل كرهت أن تكون زوجة ثانية؟
أم جفلت مني يوم سعيت لأحول الحب إلى زواج؟
جاء إسحاق نظر إلى وجهي نظرة تشبه نظرة إبراهيم في النجوم
فعرف أني سقيم
ضمني إلى صدره وقال مابك يا أخي؟
فاضت عيني بالدموع
وأخبرته بشأني مع نظام
فقال بحنو حازم
يبدلك الله خيرا منها يا محي
يقول السالك ابن عربي
"مقدار كل امرئ حديث قلبه"
دبت الأربعون في عروقي كقافلة طويلة أولها في مرسية وآخرها في أفق غامض لا أعرف منتهاه
إذا بلغت الأربعين وأنت لا تعرف موضع قدميك من الأرض ولا موضع طريقك في السماء صارت حسرتك مضاعفة
حسرة على العمر الذي مضى بلا فائدة والعمر السائر بلا هدى
صغرت في عيني كل شؤون الحياة
فصار ينقضي يوم بأكمله لا أقوم فيه بشئ إلا صلواتي
أسابيع تليها أسابيع والقلق هو محرك كل ساكن و مسكن كل متحرك في حياتي التي أضحت قاتمة و شائكة
أهم بالشئ فأقلق منه فأتركه
أخرج من البيت وأعود
أصلي في المسجد وأنام
أمشي في الأسواق و أشتري
ولكن إلى أين أرحل؟'
لا أعرف لي جهة ولا وتداً
وإن أحرى مكان يمكن أن يكون وتدي فيه هو مكة لأن الخياط استحثني للذهاب إليها وإن لم يفصح
ثمة لغز!
وتدي في مكة وليس في مكة أيضاً
سألني إسحاق ماالذي يزعجك يا محي؟
الطريق
ما بها؟
تداخلت جهاتها و ماعدت أعرف أين أتجه
وبماذا يحدثك قلبك؟
لا يحدثني
لأن عليه غشاوة
أرى أمامي ولياً ثبته الله بوتدين ولن يبعث الله لك وتداً ثالثاً حتى تطهر قلبك
صدقت يا الله ما أغفلني!
ضحك إسحاق وقال
في الغفلة بعض الخير
لو لم نغفل أحياناً لفقدنا نشوة الإنتباه
يا محي أنت لاتجد الوتد
هو من سيجدك
لأن تثبيتك مهمته
إن وتدك يجد في البحث عنك
أكثر مما تجد في البحث عنه
يقول السالك ابن عربي
"كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه"
أقبل الموسم فأديت الحج
وفي نهايته أخبرني إسحاق بأنه راحل فعانقته عناقا طويلا وعدت إلى البيت وفي عيني دمعة
تشبه تلك التي بكيت بها الكومي و أنا أودعه والحصّار وأنا أدفنه
وسأبكي بها كل كبريت أحمر يحيل القلوب الصدئه ذهباً لامعاً
من يدري يا إسحاق أين يلقي بي وتدي القادم
شدت القافلة القونوية رحالها وغادرت مكة
فصرت مثل غصن تساقطت أوراقه ولم تنبت مرة أخرى
قبل اشهر قليلة كان مقامي في مكة عامراً و مؤنسا
عندي شيخ ورفيق وحبيبة
فكانت نظام تملأ قلبي حبا
وإسحاق يملأ روحي أملا
وزاهر يملأ عقلي علما
ولكنهم انفضوا عني
طفقت أطوف شعاب مكة
كل مافيها يذكرني بنظام
فأكتب لها ما ينطق به القلب عن الهوى
وبمرور الأيام كونت أنا وقصائدي جيشاً من الأشواق لا يجاهد إلا في حبها ولا ينتمي إلا إليها
وإزاء جيش قلبي كان قتادة يحشد جيشاً آخر
اكتمل جيشي حتى بلغ سوق الوراقين واكتمل جيش قتادة فسار به لحصار المدينة
انتشر ترجمان الأشواق في سوق الوراقين انتشار نار في هشيم
ولكني مهموم بدون هم
حزين بلا حزن
أفكر وليس لدي مشكلة
أتألم و أنا سليم معافى
افكار تدور في رأسي
ماذا لو سافرت قليلاً لأروح عن نفسي؟
ماذا لو استبد بي حب نظام وقتلني؟
ماذا لو تضاءل كشفي وذهبت كرامتي؟
استبدت بي الفكرة ونقيضها
قلت لنفسي إن ناديت بدراً الأن واستجاب لي رحلنا
وإن لم يستجب فتلك علامة من الله أن أبقى في مكة
تنحنحت لأستعد لندائه فإذا به يطرق الباب قبل أن أناديه
ضحكت فتعجب وقال
مايضحكك يا سيدنا؟
قلت لأنك صرت جزءاً من قلبي
أنت نيتي وقد نويت الرحيل
اختر وجهتنا القادمة
فكر بدر قليلاً ثم قال
دمشق
يقول السالك ابن عربي
"كل حب يكون معه طلب لا يعول عليه"
زرت زاهر لأودعه وجدته مطرقاً جل الوقت لايتحدث
مم تشكو ياشيخي؟
دنا الأجل يا بني
و أخاف على نظام بعدي فليس لها أحد و كنت سأموت مطمئناً لو أودعتها بيتك وجعلتها زوجتك ولكنها أبت
ولقد عاهدت نفسي منذ ماتت أمها ألا أجبرها على ماتكره
ستتزوج نظام بمن هو أهل لها وخير مني بإذن الله
ومتى
أتظن أنك أول من تقدم لخطبتها؟
أنت عاشرهم ياولدي ولا أدري ماالذي تفكر به هذه البنت
فجأة جاء صوت نظام من داخل البيت
يا أبي لقد حملت الرجل مالا يحتمل وأثقلت عليه بما ليس من شأنه
شعرت بالحرج وأنا في هذا الموقف فوقفت استعداداً للخروج
قبلت رأسه ورفعت صوتي بالسلام
لتعلم نظام أني على وشك الخروج وأني مسافر
نظام عازفة عن الزواج بالكلية ولم ترفضني أنا فحسب
ظلت صورة مكة صافية
مدينة الله التي ملأت عقلي نور وقلبي حب وروحي سكينة وعرفان
كان لابد من مكة ولابد لمكة مني
كل مايمر به الإنسان في حياته لابد منه
كل شأن هو ضرورة
يقول السالك ابن عربي
"يزول الألم بزوال السبب أو ببقائه"
دخلنا دمشق بمتاع قليل
بعد أيام جاء رسول قاضي القضاة
أأنت الشيخ ابن عربي؟
يستأذنك قاضي القضاة زكي بن الزكي أن يزورك بعد العصر
تعجبت كيف عرف ابن الزكي بوجودي
هل يعرفونني؟
مؤكد ف ترجمان الأشواق قد سبقك إلى سوق الوراقين ياسيدنا
جاء في موعده
قبّل رأسي وأخذنا جميعا لبيته
نادى أبناءه الصغار للسلام علينا ومنهم طفلة في عمر ابنتي زينب لو أنها عاشت
سأل القاضي أي مدرسة تريد أن تنيرها بعلمك وعرفانك يا سيدنا؟
أظن المدرسة التقوية أوسع وأقرب
زرتها من الغد وبالفعل كانت الأنسب مكاناً
بدأ الدرس بعدد كبير من التلاميذ
استعدت رغبتي في التدريس و عدت إلى الكتابة
هدأت نفسي وصرت في محروسة دمشق كما كنت في فاس أول مرة
مدينتان ينزعان عنك غربتك عند أبوابهما فلا يدخلهما أحد إلا صارتا له وطن
على مثل هذا الحال مر عام سريعاً
حتى عادت قافلة الحج الشامية من مكة ودخلت دمشق
انفصل منها أحد المسافرين ليبحث عني
سلمني رسالة من زاهر
"اعلم بأني سامحتك قبل لومك وغفرت لك قبل عتابك
فلا كلام للناس في مكة إلا عن ترجمان الأشواق وقد نالوا مني همزاً ومن ابنتي لمزاً فما عاد مقامنا في مكة يطيب
فوجب الرحيل إلى أرض لا يؤذينا فيها أحد ولا يعرفنا فيها إلا الواحد الأحد
لاسيما وقد ذكرت اسمها ذكراً واضحا
فالله أسأل أن يسامحك على فعلك ويجيرنا في مصيبتنا"
طويت الرسالة وأنا مبهوت جاف الحلق مضطرب البطن مرتعش الأطراف غائر الأحداق
وبدر يهون علي الموقف
لا تأبه لهم يا سيدنا فإنهم لا يعلمون
لقد شببت بنظام يابدر
الناس يلمزونها في الطرقات
سيرحلان من مكة هرباً من العار وبسببي أنا يا بدر
يقول السالك ابن عربي
"تأمن من كل شئ إذا أمن منك كل شئ"
ألم تقل لنا أن الله هو مسبب الأسباب ياسيدنا؟
فلا تلم نفسك فلست أول من كتب شعراً ولن تكون آخر من يكتبه
كل ذي عقل يفهم ما كتبت ويعي ما قصدت فلا يلومك إلا الرعاع والجهلة وهم لم يكفوا عن لومك يوماً فعلام تأبه بشأنهم الآن
يقول السالك ابن عربي
"سفر التيه لا غاية له"
قررت أن أشرح ترجمان الأشواق في كتاب أسميته
ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق
ليعلم الناس أن قصائدي لم تكن غزل وتشبيب في نظام
بل من رموز الواردات الإلهية
والتنزلات الروحانية
والمناسبات العلوية
إعتكفت في حجرتي لأنهي الكتاب في تسعة أيام
ارسلت نسخ من الكتاب إلى مكة وحلب وبغداد والقاهرة وفاس وقرطبة
لا أعلم إن كان هذا كافياً للتكفير عن ذنبي
ضاق بي المكان فقررت الرحيل
فلا شئ يصرف عني همومي ويخفف عني شجوني إلا السفر
قراري العشوائي بالرحيل فتح علي تيه استمر ثلاث سنوات
خرجنا من دمشق إلى حلب وحماة والموصل والرها وماردين
أحكم على أي مدينة من أسابيعي الأولى فيها
فإما أن تمد إلي يداً تسكّن قلبي وتهدئ من روعي فأمكث فيها أشهراً
أو تقذف في قلبي الرعب وتملأ نفسي بالخوف فأهجرها فور أن نرتاح من تعب السفر
وكلما حللت بأرض هرعت إلى أولياء الله فيها
فإن عرفوني وإلا عرفتهم بنفسي وإن أخذت منهم وإلا أخذوا مني
كنت لأكمل سفري حتى يقبض الله روحي أو أجد وتدي
ولكن وصلتني إشارة الله وأنا في حلب
حين منعت من دخول المسجد فتذكرت ابن رشد يوم منع من دخول المسجد في منفاه
ما الأمر يابدر
إنه ترجمان الأشواق
يقولون بئس الشيخ يشبّب بالغواني
إنهم إشارة الرحيل يابدر
وإلى أين هذه المرة
نعود إلى القاهرة
يقول السالك ابن عربي
"وما علي إذا ماقلت معتقدي دع الجهول يظن الحق عدواناً"
ظننت أني حين ودعت حلب متعالياً عن الخوض مع سفهاء الأحلام أني خلفتهم ورائي فإذا بهم في إنتظاري
في الأزهر وقعت الواقعة التي ليست لوقعتها كاذبة
تحلق الطلاب حولي فضاق المكان في ظل المنبر حيث تقام أكبر الدروس
بدأ تتعالى أصوات تشكك في علمي
كنا وكان أبناؤنا بخير قبل أن يرد علينا هؤلاء المغاربة
قوموا من عند هذا الرجل قبل أن يفسد عليكم دينكم فتفرق عن المسجد جماعة من الطلاب
حتى جاء يوم إلى الجامع رجال من الشرطة فاقتادوني لزنزانة حجرية ضيقة في سجن القاهرة
مكثت فيها أيام حتى مثلت أمام القاضي
يقول السالك ابن عربي
"لما لزمت البحث والتحقيقا لم يتركا لي في الأنام صديقا"
لبثت أيامي في سجني وكأني قد زرت مشرق الأرض ومغربها ولقيت عشرات الشيوخ وقرأت عشرات الكتب وصعدت إلى السماء ونزلت إلى الأرض
أخيراً أستدعيت لحضرة القاضي
فسألني ما درسك؟
كتاب لي اسمه
روح القدس في محاسبة النفس
تقول بأن الله متحد مع مخلوقاته؟
لا يقول بالإتحاد إلا أهل الإلحاد
وقولك أن الله يحل حلولاً في خلقه؟
من قال بالحلول ففهمه معلول
لديك أقوال باطلة متزندقة، أتنكرها؟
اترك ظاهرها وانظر في باطنها يتبين لك ماهي
مالنا إلا الظاهر
هذا قول العوام لا قول القضاة والسجن أحب إلي مما تدعونني إليه
يقول السالك ابن عربي
"ما يرد عليك وأنت تجهل أصله لا يعول عليه"
عدت إلى السجن حزيناً
مرت أيام قبل أن أدعى للمحاكمة مرة آخرى
دخلت على القاضي فوجدت عنده رجل مسن لم أعرفه ولكن تبدو ملامحه مألوفة
أهذا خصمي؟
بل هذا شفيعك
من هذا الشفيع الذي لا أعرفه
يطلق سراحك بشفاعة أبي الحسن البجائي
بحظوتك لدى الملك وتزكيتك من قبل العلماء تتعهد أن لا يأتي ابن عربي مايثير حفيظة الناس ويخرج عن مقاصد الفقه والتشريع في مذهب أهل السنة
وأن لايلقي دروساً في الجامع الأزهر بعد اليوم
نعم أتعهد وسيغادر الديار المصرية فور تفضلكم بإطلاق سراحه
أخيراً وقفنا وحيدين خارج دار القضاء فسألته
بماذا نقم علي الملك؟
شكاك نفر من الناس أنك مبتدع ومتزندق
ترحل إلى بغداد ياولدي
ولماذا بغداد؟
لأن وتدك الثالث ينتظرك هناك
وكيف تعرف وتدي؟
أعرفه حق المعرفه
ومن تكون أنت؟
أطال النظر في وجهي قبل أن يجيب
أنا كنت وتدك الثاني يابني
إذاً لا مقام لي في مصر بعد اليوم
الوجهة بغداد العراق
سمع سودكين
أحد المريدين عن رحيلي عن مصر
فقال بعينين حزينتين ترحل ياسيدنا؟
أجل يابني
ياسيدنا
مريد أنا وأنت رحول
اعتدت على أحزان المريدين كلما حان رحيل
فطلب مرافقتي للصحبة والخدمة والعلم
أخشى أن أثقل عليكم ياسيدنا ولا مال عندي ولا راحلة
الأرض أرض الله والمقام واسع ورب الدار كريم
يقول السالك ابن عربي
"الحزن إذا لم يصحب الإنسان لا يعول عليه"
قليلة هي المدن التي تجوز أسوارها أول مرة فتشعر أنها كانت تنتظر وصولك
تلقي على خطواتك الأولى عتاباً مشوباً بالحنين وشوقاً محفوفاً بالرضا
هكذا استقبلتني بغداد
شعرت حينها أنها حيتني وحدي تحية المدن السخية للغرباء المتعبين
على ملامحي مذ دخلت بغداد علامات اندهاش تشبه تلك التي ترتسم على الأوجه عندما يعانقك من لايعرفك ويحبك من لم يلتقيك
ويصفك من لم يرك
دخلتها مبعثراً فجمعتني
غريباً فآوتني
وكنت على يقين أن نهايتي مع بغداد لن تكون كبقية البلاد الأخرى التي طردتني في الأندلس والمغرب ومكة والشام ومصر
منع الموحدون دروسي
وأودعني الأيوبيون السجن
واستاء الحلبيون من ديواني
وأقفلت مكة أبوابها أمام قلبي العاشق
يبتلي الله السالك ليعرف طريقه والعارف ليذوق إيمانه
ويقلبني بين إصبعيه في المكان والزمان لأعرف قدر نفسي فلا أعدو عنها
ولكنه يسبغ علي ألطافه الخفية ونعمه السخية بوجودي في بغداد
يقول السالك ابن عربي
"تعظيم خلقه تعظيمه"
توجهت لسوق الوراقين أريد ورقا لكتاب لم يلهمني الله إياه بعد ولكني بدأت أجد دبيبه في صفحات قلبي وعقلي
في جامع الطارق أقيم أكثر دروسي حضوراً
يومي ينقسم بين التدريس نهاراً والكتابة ليلاً
ضاع أثري في مدينة تعج بشيوخ يعلمون الناس كل مذهب وطريقة
لم يصل الي إلا من وقرت في قلبه طريقتي وأحب أن يتعلم مني لا من غيري
اجتهد سودكين منذ بلوغنا بغداد في خدمتنا أنا وبدر معاً
وكان فوق ذلك متلهفاً للعلم يحضر الدروس ويقرأ الكتب ويحفظ المتون
انصرفت إلى ما اعتدت عليه طيلة عمري
أخرج من البيت إلى الجامع وأعود من الطريق نفسه كل يوم
يقول السالك ابن عربي
"لا ينال رضاه إلا من خالف هواه"
مرت أشهر وصرت أشعر بالوحدة في بغداد
إن أقفلت باب غرفتي لأنام تمنيت لو كان فيها من يؤنس وحشتي ويسليني
تأملت ذراعي النحيلة مثل عود في شجرة ميتة
وبقعة خلت من الشعر في هامتي
و جلد تجمع تحت حلقي
فأيقنت بأن الخمسين تقترب مني حثيثاً
إن حللت بمدينة جديدة
هل أقبل على الأمراء والأعيان لأستقوي بهم إذا ما اختلف في أمري العامة
أم أستقوي بالناس في الجوامع والمساجد إذا ما انقلب علي السلاطين
ينزع بي إيماني أن أستقوي بالله وحده ولكن الأمر ليس سهلا حتى على الأولياء
إذا أنعم الله علي خفت من مكره
وإذا ابتلاني خفت من هجره
يقول السالك ابن عربي
"الوارد المنتظر لا يعول عليه"
على هذه الحال من قلق يعلو بي ويهبط دخلت سنتي الثالثة في بغداد فوجئت بما لم يكن في الحسبان وسبحان الذي يغير الأحوال ولا تغيره الأحوال
جاء من يخبرني بخروج جنازة زاهر الأصفهاني من الجامع
دخلت المقبرة مسرعا فوجدتهم يهيلون عليه التراب
في بغداد وأنا معه ولم أراه؟
كيف هجرني كشف الله فلم أعد أعلم من يساكنني في البلاد ومن يموت فيها؟
بات شيخي مدفون في الثرى فأين نظام ياترى؟
سألت حتى وصلت إلى بيت زاهر فعلمت بأن نظام تقيم في رباط المتعبدات
إذاً هي غير متزوجة فلا يقيم في الرباط إلا من نذرت نفسها للعبادة ورعاية الأيتام
طرقت باب الرباط
كانت هي التي فتحت الباب وكأنها تنتظرني
أهلاً بالمسافر
أعظم الله لك الأجر
ظلت نظام واقفة على عتبة باب الرباط وأنا خارجه
دائماً هنالك باب وعتبة في وجه حبنا
عند باب فخر النساء وعند باب بيتها في مكة والآن باب الرباط في بغداد
أبواب فتحت لي لأدخل وظلت مفتوحة لأخرج منها
يقول السالك ابن عربي
"مافي الوجود إلا محب ومحبوب"
تعلمين يانظام ما بقلبي من حبك
أجل أعلم ذلك ولا أنساه
وأعلم ما بقلبك من حبي
بل تعلم بعضه ولو علمته كله لما صدقت
فلم ترفضين الزواج مني؟
لأني وتدك الثالث
ذهلت من هول المفاجأة
فقالت وفي ملطية وتدك الرابع والأخير
فأقبل عليه يثبت قلبك
يقول السالك ابن عربي
"المسافر بلا زاد لايقتدى به"
مرت سنوات منذ آخر سفر قطعت فيه الفيافي والقفار
فلم أعد أشتهي بعد بغداد
حلاً ولا مرتحلا
وصلنا حلب بعد سبع وعشرين يوما
يريدني الله حيث يريدني وأنا وليه الذي لا وجهة لي إلا حيث يوليني ولا طريق لي إلا حيث يهديني
فلنبقى في حلب حتى حين
رأيت في حلب رؤيا عجيبة
تنور يتأجج بالنار وأنا أقترب منه حتى أصبحت داخله دون أن يحرقني
ثم رأيت صدري ينشق فتخرج منه قطعتا ثلج لم تلبث أن ذابتا في حرارة التنور
ورأيت قميصي مثقوبا في موضع القلب حتى بلغت بيتي لأستبدله
فلما ألقيته على الأرض نهض القميص فجأة وتشكل على هيئة امرأة عانقتني
حاولت تفسير منامي فلم أستطع ولم يكشف لي
قلب مفقود وامرأة جميلة
ماذا يريد الله بعبده الفقير إليه؟
ارسلت لمفسري الأحلام فذكروا بأن على صاحب المنام أن يتزوج
وأخيرا كشف الله لي تفسير حلمي
أخرج الله مريم ونظام من قلبي وسيبعث الله لي امرأة تخرج من ثوبي أي تتبع طريقي ونهجي وسأتزوجها
يقول السالك ابن عربي
"الورع في الحلال لا يعول عليه"
التقيت عند باب بيتي من ينتظرني
خادمك ومحبك يونس بن يوسف
حضرت درسك ونهلت من بحر معارفك في مكة قبل أن تغادرها فتنفطر لفراقك قلوبنا
ادرس صبيان الترك في ماردين القرآن واللغة العربية
وأزور حلب كل صيف لزيارة إبنتي
وأفسر فيها الأحلام
قبل أيام جاء من يطلب تفسير حلمك وفي نفس الوقت جاء من يدعوني إلى بيت إبنتي عاجلا
فهرعت إليها لأجد رسول ديوان الجند يبلغها أن زوجها قد استشهد
فحدثتني نفسي أنه لربما كان من تقدير الله أن تترمل ابنتي في اليوم الذي فسرت فيه حلمك
وإني لا أجد لها أكفأ منك
فإن رغبت بها فهي زوجتك بلا مهر
بارك الله فيك يايونس ولكنك تعطيني مالا تملك سآتي لرؤيتها بعد انتهاء عدتها فإن قرب الله بين قلبينا خطبتها والأمر لها وحدها
تزوجت فاطمة بعد إنقضاء عدتها فوجدتها كما أرادها القلب
سكنا للروح وراحة للنفس
سرعان ما أزهرت في صدري مثل حديقة من الياسمين
والآن مالنا لانذهب إلى ملطية؟
إرادة إلهية جعلتنا نتجه نحو الغرب يابدر
فإن كانت إشارتك الإلهية أخذتك غرباً فالغرب واسع فمالنا نبقى في حلب؟
أبعدنا عن معاقل الأيوبيين وملوكهم الذين لا رأي لهم إلا رأي العامة ولا شغل لهم إلا السياسة
مشنقة السهرودي مازالت قائمة في دمشق بعد أن شنقه كبير الأيوبيين وأعقلهم صلاح الدين
فما ظنك بالسفهاء من أبنائه وأبناء إخوته؟
قتل بعضهم بعضا فهل تراهم يحفظون دم ولي متصوف من الأندلس؟
أين نبعد من الأيوبيين وهم يملكون مصر والشام واليمن؟
بل أين نبعد عن الأعداء وهم في كل مكان؟
فكل الغرب الذي جاءتني منه الإشارة تحت حكمهم
نرحل إلى دمشق ففيها القاضي ابن الزكي يحميك منهم
يقول السالك ابن عربي
"كل إرادة لا تؤثر لا يعول عليها"
أرسلت فاطمة إلى أبيها في ماردين ورحلنا إلى دمشق فلا بلغناها ولا وصلناها
سبحان الذي أخرجني من بغداد أبغي ملطية فانتهيت في حلب
ثم غادرت حلب أبغي دمشق وقبل وصولي نزعت دابتي غرباً فانتهيت في البقاع
وليس لي غاية من الذهاب للبقاع
سمعت صوت ورأيت شيخ لا أعرفه ولا أدري مايريد يوجهني نحو البقاع
كل ما أعرفه هو الطريق إليه فوق هذه البغلة وسأظل فوقها تسير بي حتى نصل ولو قطعت بي الأرض كلها فالإشارات لا تحدث عبث والكشوفات لا تنزل سدى
مشينا لساعات وبدأ بدر يتأوه بصوت عال فأشفقت عليه مما يجد من آلام وهو في هذا العمر
يقول السالك ابن عربي
"كل غيبة لا يرجع صاحبها بفائدة لا يعول عليها"
ينفد صبر المريد ويمتحن الله إرادته يتمنى الحياة الهادئة الوديعة والطرق القصيرة بين البيت والمسجد والدروس اليسيرة والكتب القليلة والغرف الدافئة والأحداث المتوقعة ولكن هذا ليس بأيدينا
فلا بد من السفر كي نستجلب العبر
المؤمن في سفر دائم
والوجود كله سفر في سفر
لا أحتمل فراق بدر
وإلا لتركته يستقر حيث يريد
لكني أريد له حياة أكثر عمقا و أوغل تجربة
أريد له تصوف يليق بقلبه النقي وروحه الطاهرة
ألا يعلم أن من ترك السفر سكن ومن سكن عاد إلى العدم
مازلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها إليه وهي تضحك
ذكرت له قصة حصلت معي في إشبيلية
ضاقت بي الدنيا وتراكمت علي الهموم فزرت شيخي العريني أشكو إليه ماحل بي فقال لي عليك بالله
توجهت بعده إلى شيخي المارتلي أشكو إليه حزني فقال عليك بنفسك
فذكرت ذلك للشيخ العريني فقال لي لقد أحسن المارتلي في قوله
"هو دلك على الطريق وأنا دللتك على الرفيق"
يقول السالك ابن عربي
"اعتزل الناس ليسلموا منك لا لتسلم منهم"
أخيراً بلغت البغلة مرادها بعد يومين من السير في سهول البقاع
وقفت عند تل صغير وكأنها تعرف طريقها ولكن المكان موحش فلا أثر لبشر فيه
حتى لاح لنا باب بيت صغير في منطقة لايوجد فيها غيره
خرج منه رجل يكسوه دثار مشقوق الأكمام
اقترب مني الرجل وظل كل منا يتأمل الآخر لثوان
فكانت المفاجأة
إنه الخليفة المختفي يعقوب بن يوسف
سالت دموعه بغزارة وخر لله ساجداً
ماذا تفعل هنا؟ أتعيش وحيداً؟
بل كنت وحيداً بينكم
الآن معي الله
هنا أخلو بربي
مكثت تسع سنوات أجاهد نفسي وأنازعها ولم تتحقق لي الخلوة إلا قبل أشهر قليلة
وماذا تعلمت من خلوتك؟
مكثت سنوات اعتزل الناس لأتقي شرهم ولومهم وعتبهم فلم أجد بغيتي
وحين ايقنت بأن عزلتي لأقيهم شري وأكفيهم أمري ارتاحت نفسي لذلك أكثر فانقطعت العزلة وبدأت الخلوة
الخلوة هي أرفع درجات العزلة
عشت طيلة عمري تحت سلطان الوهم ولم يصبح وهمي تحت سلطاني حتى خلوت بالله هنا
يقول السالك ابن عربي
"لابد من فوت لابد من حزن"
هلك بدر من اجهاد السفر فلم نكد نصل ملطية بعد شهر وأسبوع إلا وقد استحالت قدمه اليمني قطعة سوداء هجرها الدم وصار يجرها وراءه
أبى في البداية أن يسمع نصيحة الأطباء بقطعها
فماتت ساقه وأخيراً بتر الطبيب ساقه من ركبته قطعاً بالسكين والمنشار
يقول السالك ابن عربي
"الصبر إذا لم تشك فيه إلى الله
لا يعول عليه"
لازمته بعد بتر قدمه
أمرضه وأعد طعامه وأقيمه وأقعده
انتقلت قوة رجله المفقودة ليديه فصار يغزل الصوف ليصنع ألحف وقمصان ويدق خشب النضد ويزخرفها
وينسخ الكتب
وفي إحدى الليالي طرق بابنا إسحاق معاتبا في بلادي ولا أعلم عنك؟
دخلنا من باب المدينة وما تسللنا وليس لنا سبيل إليك
وبيننا وبينك حجاب ووزراء
وماذا عنك يا إسحاق؟
تارة في حضرة خليفة بغداد
وتارة في حضرة إمبراطور نيقية
وتارة في حضرة ملك حلب
وتارة في حضرة ملكة جورجه
لأعود إلى سلطان قونية بالرسائل والأخبار فلا يهدأ له بال حتى يطمئن على علاقته معهم
ذلك خير له من حروب لا راية فيها ولا جدوى منها
تنهد إسحاق ليقول
لا مناص من الحروب
السلطان يحشد الآن لأنطاليه وسيخرج لها بنفسه
وأنا في طريقي إلى بغداد
يريد السلطان من الخليفة أن يبعث له من فتواته لينشئ داراً للفتوة في قونية
يجتمع تحتها العسكر في جيش السلطان وغزاة مجاهدين على الثغور
يقول السالك ابن عربي
"الحكمة إذا لم تكن حاكمة لا يعول عليها"
بدا لي أن وقت الحل والاستقرار قد حان فلم يعد السفر سهلا
فصاحبي صار بقدم واحدة
وزوجتي وصلت من ماردين
وأعوامي الخمسون تكدست بين مفاصلي مثل صدأ
وتدي الأخير ينتظرني في ملطية وحنيني للسفر أصبح خافتا
مقارنة بحنيني للتأليف
كل شئ في ملطية كان يشير إلى الاستقرار
شتاؤها البارد الذي يضطرني للبقاء في البيت والتفرغ للكتابة
لياليها الطويلة التي تجعلني أشتهي الصلاة والخلوة
عربها القلة الذين تكشفهم عمائمهم وملامحهم
وبطن فاطمة الذي استدار وراح يكبر ببطء
أحببتها ولكن هل أحبتني
أم مازالت شغوفة بشهيدها الذي قضى
ولم تمض أسابيع حتى ضجت ملطية الصغيرة بحاشية السلطان وجيشه
اصطف الناس لاستقباله حتى بلغ محل إقامته
وفي اليوم الرابع من وصوله
طرق باب بيتي إسحاق ومعه أمير دواة السلطان ومعه رسالة تقول
سيدنا ومولانا محي الدين
يستأذنك السلطان عز الدين كيكاوس أن تحضر في مجلسه هذا اليوم
فأبلغته موافقتي
تزينت بأفضل مالدي من لباس وتعطرت بالورد والبنفسج عطر أهل الأناضول
وخرجت لمقابلة السلطان
دخل علينا فعانقني عناقاً حميما
ثم قال بعربية فصيحة تشوبها لهجة التركمان مرحباً ببحر الحقائق
بشيخنا ابن عربي
تباركت بك ملطية
بل تباركت بك الأناضول بأسرها
نرجو أن تظل معنا نستضئ بك
ونفيد من علمك
إلتفت إلي إسحاق وقال للسلطان
لايخفى عليكم يامولاي أن هذا أعظم ضيف حل على ملطية
فقال السلطان لاشك
وأصر السلطان أن أصلي بهم العصر ولما فرغنا من الصلاة أمر بالطعام
نأكل ونشرب والملك يتحدث عن كل مايرد على ذهنه من استعدادات الجيش وخططه لغزو الأرمن
ثم قال رغبت أن أستشيرك في شأن ياسيدنا
أنت تعلم ماحدث في أنطالية
هجم الفرنجة واحتلوها وقتلوا المسلمين وما كان لهم أن ينتصروا لولا أن نصارى أنطاكية قدموا لهم العون والمدد وخانوا عهد الذمة الذي بذلناه لهم وأنت ترى أن في ملطية وقونية والبلاد نصارى كثر لم أعد أثق بهم
فقلت تشكو من النصارى
ولكن العلة ليست فيهم بل فيك أنت
العلة في مظاهر الكفر في بلدك
تذكرني بفعل ابن مردنيش في مرسية عندما مكن النصارى في البلد فخسر دينه وملكه
وكيف أفعل؟
افعل فعل ابن الخطاب واستوص بوصيته في أهل الذمة
ياسيدنا تغير الزمان ونحن على حدودهم وأغلب رعيتنا على دينهم
إن الزمان زمان الله أيها الملك ماضي وحاضر وله الأمر مستقبلا
ارتفع صوت السلطان وهو يقول
صعب ياسيدنا صعب
غادرت مجلسه بعد المغرب
فلحق بي حاجبه ووضع في يدي ورقة مطوية وقال هذا عطاء السلطان لكم ياشيخنا دار جديدة في حي القصور
انقبض صدري من هذا العطاء الكبير ولم أفرح
خشيت أن يمن علي بهديته فأحيد عن دربي وشعرت لوهلة بغضب شديد وندم على قبولي هديته
لم يعد مقبولا أن أرد هدية السلطان
أغمضت عيني ودعوت الله أن يفرج عني هذه الكربة قبل أن أصل بيتي
ولم تمض دقائق حتى جاء الفرج
رجل يصيح بأعلى صوته
صدقة يا سيدي عيالي جائعون
وأنا مريض
فقير جائع يا سيدي أعطني يعطك الله
أخرجت الورقة من حزامي ومددتها إليه وقلت مالي غير هذه الدار فخذها لك
يقول السالك ابن عربي
"اعط الصغير حقه"
خرج السلطان من ملطية بإتجاه سينوب ليسدد ضربته الأولى إلى خصمه ليون
زارني إسحاق قبل رحيله ومعه زوجته وابنه محمد ذا العامين
تأملت الطفل الصغير وأنا أتذكر ماحل بالمسلمين من هزيمة في مجريط
الأسرى يساقون بين أيدي الفرنجة ليباعوا في أسواقهم عبيدا
كل عشرة أطفال في عربة تسوقهم لمصير لايعرفون بعده أهل ولن يرونهم أبدا
لا أعلم لماذا تخيلت محمداً منهم وهو يلهو في حديقتي
فزعت من هذا الخيال فرجوت إسحاق أن لا يصحبه إلى الحرب؟
فقال لا أظنها ستكون حرباً ضروس
إذن اسمع يبقى الصبي في بيتي وتعتني به فاطمة
أرجوك أن تشفق عليه من المخاطرة
وافق إسحاق ونادى زوجته صفية ليستشيرها في الأمر
فقالت إن بقي إبني بقيت معه
فأجبتها قبل أن يجيب إسحاق
تبقين إذن وسأفرغ لك حجرة أصحابي
استعد إسحاق للخروج ووقف عند الباب يعانق ابنه ويلاعبه
سألت إسحاق هل اتخذت له لقب
فقال إنه لم يفعل بعد
تأملت في عيني الصبي وقلت هو صدر الدين بإذن الله
ولئن مد الله في عمري علمته طريقتي وسلكت به منهجي وسألت الله أن يفتح عليه معارفه السماوية وأسراره القدسية
أمن إسحاق على كلامي ثم عانقني وطفله بين ذراعي ثم ودع زوجته وخرج
آنس الطفل الجميل البيت لعدة أسابيع وملأه فرحاً وبهجة
بعد أيام جاء فاطمة المخاض فخرجت لصلاة الفجر ومعي صدر الدين
تجمع نساء الحي لمساعدة فاطمة حتى تناهى لسمعي هتاف النساء وصياح الوليد فجلست على أرض الحديقة وبكيت ماشاء الله
وضعت صفية المولود بين يدي وهي تقول ولد يا سيدنا ولد
ابن وقد تجاوزت الخمسين من عمري؟
الشكر والثناء لك يارب إذ أنعمت علي نعمتك على زكريا وقد وهن العظم منا واشتعل الرأس شيبا
أطلقت في سمعه الأذان وحنكته وأعدت إليها إبني مرة أخرى وشعرت بوخزة فراقه الأولى
وقفت انتظر عودة إبني لأحضاني
عادت به صفية بعد قليل وقالت لي تسألك فاطمة ماذا تسميه؟
فقلت يا فاطمة أستئذنك أن أسميه عماد الدين على اسم الشهيد الذي كنت زوجته
لم تجب فاطمة للحظات ثم سمعت شهيقها وبكائها
يقول السالك ابن عربي
"كل حب يزول ليس بحب"
يكبر عماد ويملأ البيت صخب
مزاجه صعب وبكاؤه كثير
ظل مريضاً طيلة سنواته الأولى
حتى ظنناه ميت لا محالة
وهاهو يتم عامه الرابع
صار ينام مع صدر الدين الذي بلغ السادسة وحفظ نصف القرآن وأحاديث كثيرة وصار يسبقني لصلاة الفجر حتى في الليالي الباردة
قرر إسحاق أن يستقر في ملطية بعد أن سقط عن حصانه وكسر كتفه
تحجج بكتفه الكسيرة لينصرف عن خدمة السلطان بعد أن رآه يحارب الأيوبيين المسلمين متحالفا مع البيزنطيين والأرمن فلم يرض أن يكون جزء من هذه السياسة فقرر أن يعتزل
في الجامع احتل درسي صحنه الكبير وجلس عن يميني إسحاق وبدر وسودكين
وفي يوم كان حرياً به أن يكون مثل سابقه لولا أن أقدار الله لا تتشابه
طرق بابنا بشدة
فتحت فإذا برجل عربي طويل القامة في ملامحه حذر وشبه رجاء
كان الرجل مبعث توجس ولم تكن ملامحه كوجوه المريدين عادة
سألني أنت محي الدين ابن عربي؟
نعم ومن أنت؟
أعلم أنك متزوج من ابنة يونس
نعم وهي أم ولدي
ظلم وفجور وحرام
تتزوجها وهي زوجتي
شهقت فاطمة وصاحت من هول المفاجأة والرجل جاث على ركبتيه ينوح وانا واقف بينهما
يبتلي الله أولياءه ليمتحن قلوبهم للتقوى وقد ابتلاني بظهور زوج زوجتي بعد أن ظنناه قد مات
أجلسته في مجلسي وهو يرتجف وسقيته ودثرته
ثم سألته أين كان؟
كنت أسير في بلاد الروم
خرجنا من حلب ونحن مائتا رجل
وقعنا في كمين ولم ينج منا إلا عشرون
ساقونا إلى أنطرسوس وعرضونا على سوق النخاسين وتم بيعنا لتجار أبحروا بنا إلى صقلية
انتقلت فيها من نخاس إلى آخر
وكيف هربت من الأسر؟
مكثت في الرق ثلاث سنوات
حتى وفد تجار مسلمون من الأندلس
إشتروا أسرى المسلمين وأعتقوهم
أطرقت في صمت طويل وأنا أفكر ثم رفعت رأسي وخاطبت الرجل مباشرة
اسمع يا عماد أذهب أنا وإياك إلى القاضي وما سيقضي به شرع الله فقد رضيت به
لم تكف فاطمة عن البكاء طيلة الليل نامت في حجرة الصبيان وهي تحتضن عماد وبقيت أفكر باحثاً عن مخرج من هذه الحال
هل أنا قادر على التخلي عن فاطمة فعلا؟
لو فعلت فبوسعي أن أتزوج من أي أمرأة أريد وأبقي عماد معي لو شئت وبوسعي أيضا أن أعتزل النساء وانصرف إلى درسي وكتبي وخلوتي بالله أياما أطول
ولو أبقيتها معي فلا أظن شيئا يتبدل فعلى صلاحها وطاعتها وخدمتها لاتقدم لي أكثر مما تقدمه أي زوجة أخرى طعام وخدمة وفراش فقط
فلا تكلمني ولا تدللني
فلا أنست بعلمها كما أنست بعلم مريم بنت عبدون ولا اشتهيت كلامها كما اشتهيت كلام نظام بنت زاهر إنها إمرأة سهلة التعويض
وأنا في خضم أفكاري دخلت علي لتقول اعلم يا محي أني أرغب البقاء معك لأني أريد أن أبقى مع ولدي وفي بيتي
لا أظنك صادقة
ففيم كان نواحك لما رأيته وبكاؤك طيلة اليوم إذن؟
يقول السالك ابن عربي
"العطاء بعد السؤال لا يعول عليه"
إن أردتني أن أبقى سأبقى وأنا راضية ولئن سألني القاضي فهذا ما سأقوله له
لاشك بأنها تجنبت مصارحتي بما يخيفها وهو أن أمنع عنها ولدها الصغير ولكني أيضا لا أستطيع فراق ابني ولا أقوى على السفر للقائه
خرجت صباحا مع فاطمة لدار القضاء
ألفينا هناك إسحاق صحبة الرجل الذي بدا وكأنه يستعد لمعركة بملامح متجهمة و غضب دفين
ونحن في المجلس كشف الله لي ما أفعله
فقلت لعماد إن رغبت في فاطمة ورغبت بك فإني لا أمانع في تطليقها على شرط واحد
أن تقيما في ملطية قريب من بيتي حتى يبلغ عماد الدين الحلم
ولكني لا اعرف احد وليس لي عمل؟
تعهد له إسحاق بالعمل في أقرب وقت إن شاء فوافق
فنظرت جهة فاطمة وقلت لها إن كنت موافقة أيضاً فارفعي صوتك فوافقت
أبلغت القاضي بما اتفقنا عليه
فقال أمتأكد من قرارك؟
إذن يعوضك الله خيراً
هل أنت على طهر يافاطمة؟
نعم
وهل جامعتها في هذا الطهر يامحي؟
لا
إذن ارم عليها يمين الطلاق إن شئت
يقول السالك ابن عربي
"من طلب السلطنة على الخلق
ملأ الله قلبه شغلا"
وصلت مع إسحاق قونية لمقابلة السلطان
انتظرنا طويلا حيث أخبرونا بأنه مريض
انصرف أغلب الحضور وبقينا
حتى دلف علينا يمشي ببطء شديد وسعاله لايتوقف
أبدى انزعاجه من أمر الفتوات فهم يرتزقون بسيوفهم
نعلمهم القتال فيقاتلوننا
لا أدري لماذا تركت شأن الفتوات يا إسحاق وانصرفت إلى ملطية
كنت أعول عليك في إدارة شئونهم والآن لم يبق أحد منهم
بدا إسحاق في غاية الحرج وكأنه ملوم على هذه الخيانات
فقررت أن أتحدث
فليأذن لي مولاي السلطان
من باعك سيفه باعه لغيرك
ومن باع نفسه لله لم يبعها لغيره
ماذا تريد أن تقول يامحي
إن مسعاك في حرب الأيوبيين يامولاي لا يرضي الله
فأنت كمن استأجر سيفا وجرده في وجه أخيه
فلا السيف سيفك ولا أخوك عدوك
فكيف ترجو النصر وهذا سلاحك
وتلك رايتك؟
أنت لاتعلم شئ عن هذه الحرب يامحي هم الذين بدأونا بالقتال
حلب كانت لنا قبل الأيوبيين واستنفرني أهلها
ادفع بالتي هي أحسن يامولاي
يا إسحاق
إذهب لأخي كيقباذ في السجن
قل له إن أخاك يفكر في منحك ولاية العهد من بعده فإن وافق
فاستحلفه على أمان أبنائي وخاصتي وعبيدي ثم وثق ذلك كتابة
ناوله السلطان مطويتين
رسالة لأخيه وأخرى فيها أسماء الأمراء ليطوف عليهم ويأخذ منهم الأمان لأخيه بولاية العهد ويشهدهم على عهده وميثاقه
طلب السلطان مني مرافقة إسحاق في مهمته
يعهد بالسلطنة لأخيه الذي حاربه عليها
يخرجه من سجنه ليجعله سلطانا من بعده
يؤتي الله الملك من يشاء
يامحي إن ماقلته في حضرة السلطان خطير جدا
شمتّ به وهو مهزوم
أما علمت بأنه أحرق الأمراء الذين خانوه في هذه الحرب؟
والله لاأدخل عليه مجلسا بعد اليوم
يقول السالك ابن عربي
"ما حياتي بعدكم إلا الفناء"
مات السلطان وخرج أخوه كيقباذ من السجن إلى العرش مباشرة
عدت إلى ملطية وحدي بعد أن جبت مع إسحاق الإمارات السلجوقية ليعقد البيعة لكيقباذ
خلا البيت من فاطمة فاجتمع شملي من جديد مع سودكين وبدر
إلا أن البيت صار هادئاً هدوءاً لا أطيقه
مات إسحاق وتركني بعده فردا
الله كم عرفت ومضوا
كم أحببت وتخلوا
كم رافقت ورحلوا
الخياط والحصّار والعريني والسبتي والغوث وزاهر والآن إسحاق
لم أعرف روحاً أصفى من روحه
الحليم الكريم الذي ينام ويستيقظ مبتسما
تلقفه قلبي في مكة وأوسدته لحده في ملطية
أفكر في صدر الدين الذي عضه اليتم مبكرا
في عزاء إسحاق قال لي أحد المعزين
آخر الأحزان ياسيدنا
ما أسخف هذه العبارة
فلا هي أمنية فتتحق ولا دعاء فيستجاب
كلما رددها أحدهم سمعتها أنا هكذا
"أتمنى لك الموت عاجلاً قبل أن يصيبك الحزن التالي"
من نحن بلا أحزان
ما أحب الحزن إلى نفس الصوفي
وما أمقته على نفس الجاهل
الذي ألهته الدنيا
دخلت على بدر فوجدت عنده كتاب حسن النسخ والتغليف وعلى صدره عنوان لا أذكر أني قد كتبته من قبل
الإنباه في طريق الله
ماهذا يابدر؟
فيوض ومواجيد سمعتها منك
على مر السنين ولم تكتبها
فخشيت أن تضيع
فجمعتها في كتاب
تكتب كتاباً عني يابدر
العلم علمك والخط خطي ياسيدنا
اقرأه وأحققه ان شاء الله
يقول السالك ابن عربي
"الصبر عند الصدمة الأولى
الصبر الثاني لا يعول عليه"
طرق بابنا كاتب من دار الوالي ومعه جندي لاصطحاب المجذوم إلى حارة الجذامى بعد أن أشار بذلك طبيب البيمارستان حين عاين بدر في الدار
بكيت على كل يوم قضيته مع بدر ماشيين وراكبين
مقيمين وراحلين
طاعمين وجائعين
ترافقنا في حواري فاس وأزقة القاهرة وشعاب مكة وحارات حلب
وأحياء بغداد
تذكرت كل بيت سكناه في مدن كثيرة وكل خان نزلناه في طرق المسافرين
وكل صحراء قطعناها تحت الشمس وكل جبل سلكناه في البرد
وكل طعام اجتمعنا حوله
تركت لسودكين مهمة إبلاغ بدر بالأمر وخرجت من البيت امشي بلا وجهة ولامقصد
دخلت البيت لأجده ينسخ وكأن شيئاً لم يكن وقد أنزل الله عليه سكينة المؤمنين
نسخت كتاب العظمة وكتاب القربة وسآخذ معي أوراق إلى حارة الجذامى لأكمل نسخ كتاب الميم
لا تحزن ياسيدنا فما أنا حزين إلا على فراقك
ولكن يعز علي مقامك في حارة الجذامى
إنه مقام عزيز ياسيدنا
حارة الصابرين المؤمنين
يقول السالك ابن عربي
"أحب لحبك الأحباش طرا
وأعشق لاسمك البدر المنيرا"
أوصلنا بدر إلى حارة الجذامى
أوصينا به الخدم وزدنا لهم في الأجرة ليساعدوه
لم يطلب سوى أدوات الكتابة والأوراق ليسلي نفسه بالنسخ
دخلنا البيت والريح تصفر في أرجائه بعد أن أصبح خاليا إلا من رجلين
يملأ الحزن قلبيهما
يصحبني صباحاً صدر الدين ليجلس بجواري في الدرس
وأوصله بنفسي كل مغرب إلى دار أمه
ترك لهم إسحاق مالاً كافياً فلم أخش عليهما من الفقر ولكني خشيت عليهما من الرحيل
أمه مازالت شابه وقد تتزوج وترحل
ظل هذا الخاطر يؤرقني ويزداد كلما لاحظت نبوغ صدر الدين واجتهاده في طلب العلم وسلوك الطريق
استخرت الله طويلا في أمره
حتى انعقدت لي النية ذات صباح فتركت درسي واتجهت إلى بيت صفية
فتحت الباب
مرحبا سيدنا
هل صدر الدين بخير؟
هو بخير في المسجد
وقد جئت أخطبك لنفسي يا صفية
فكري في الأمر ولا تستعجلي
أنت تعرفين عني كل شئ
وابنك كأبني سأربيهما معاً
هممت بالإنصراف فنادتني
أنا موافقة
نعم أنا موافقة يا سيدنا
الأمر مقضي منذ زمن طويل
كنت أنتظرك فحسب
مقضي؟ ومن قضاه؟
إسحاق
وكيف؟
أوصاني قبل موته بأن أتزوجك من بعده
طابت نفسي بكلامها وشعرت بالأمل يعاودني في اخضرار حياتي بعد أن جفت طيلة السنتين الماضيتين
بعد أسابيع إنتقلت صفية إلى بيتي
وأصبح صدر الدين رفقة عماد الدين
في كل يوم يبزغ صدر الدين
مثل شمس مشرقة أما عماد الدين فقد كان كسولاً مشاكسا
استقر العيش مرة أخرى فاصطفاني الله لسلسلة من المعارج العقلية والمقامات الروحانية والمراتب العلية
وتنزلت علي منه كشوفات ومواجيد وأحوال أثمرت كتب ورسائل شتى
كل شئ في ملطية هادئ ومستقر
بخلاف غيرها من المدن
دك التتار سمرقند وبخارى وملكوا بلاداً كثيرة وأصبحوا على مرمى حجر من دار الخلافة في بغداد
وصلت أصداء هذه الجحافل المتوحشة كل أصقاع الأرض
صارت حديث الناس بمختلف أجناسهم وأديانهم لا يجمع بينهم إلا الخوف والترقب
استنجد الخليفة في بغداد بسلطان قونية
فأرسل نفر من فرسان ملطية نحو بغداد
جاء أمر الله بملطية لروح من أرواح عباده أن تقبض
مات بدر أخيراً
بعد أن لم يعد لدي شك أنه مفارق عما قريب
صعدت روحه إلى بارئها في ليلة لا قمر فيها فحملته مع سودكين إلى المقبرة وما استطعت أن ألج القبر
سألني سودكين إن كنت بخير؟
كيف أكون بخير وقد ذهب بدري المضئ ومن أنا حتى أدفن مثل هذا
يقول السالك ابن عربي
"ما خفي الحق إلا لشدة ظهوره"
صفية هادئة لا يكاد يصدر منها صوت
تخدمني وكأنها خلقت من أجل هذا
لا تنام حتى أنام خشية أن أطلبها فلا أجدها
حبلت صفية أخيراً وأنجبت صبياً كأنه رحمة من رحمات الله هبطت على بيتنا في حين احتياج شديد
أسميته سعد الدين من فرط سعدي بمقدمه
أعتكفت في خانقاه خارج ملطية
شكراً لله
قضينا فيه أسابيع مع إخوة لنا
بين سهر وجوع وذكر
صادفنا شيوخ من بلخ ومريدين من سمرقند ودراويش من همذان والموصل
استغرقنا في الذكر الجماعي
يقوده متصوف من خوي
لا نعرف له طريقة ولا شيخ
كلما سألناه
من أين جاء قال من عند الله
وأين تذهب قال إلى الله
كررت عليه السؤال ونحن وحدنا لعله يكون أحرى بإجابته فقال
الله هو المبتدأ
الله هو الطريق
الله هو الغاية
شعرت بالنفور من اعتزاله المفرط
اتجهت إليه ذات يوم وهو على حاله تلك وقلت له إذا كنت تريد الخلوة والاعتزال فلماذا تقيم في الخانقاه؟
أتريد إجابة صادقة
من أجل الأكل! إنه لذيذ وطيب
اختفى بعد أيام
دعونا له بسلوك آمن نحو الله وعدنا لشؤوننا
يحصل في عالم الدراويش لقاء أمثاله من غريبي الأطوار
فلطالما التحق بالمتصوفة من ليس منهم
يظل الله يؤدبني ويعلمني مايزيدني إدراك لجهلي وقلة علمي
بخ بخ أيها الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر ها قد مر وتدك الرابع من أمامك وأنت غافل
يقول السالك ابن عربي
"من سكن ما عشق"
عدت إلى ملطية بعد شهر لأجد مالم أتوقعه
ابني عماد في البيت دون أن أطلبه
قالت صفية بتحسر جلبته فاطمة ومضت حين أصر زوجها على الرحيل إلى ماردين حيث لم يطق العيش في ملطية
كيف تترك طفلها وترحل؟ أي جنون هذا!
لا بأس ياسيدنا أنا أربيه مثل ابنيّ هذين
أصبح البيت صاخباً أنا وصفية وثلاثة أطفال
إن جاء ضيف لم أعرف أين أجلسه
وإن بات عندي لم أعرف أين أبيته
أرسلت سودكين للبحث عن بيت أكبر فظل أياما يبحث في حواري ملطية عن هذا البيت فلم يجد
ولكنه وجد شيئاً آخر
الدرويش الذي زارنا في الخانقاه موجود في السوق يقرأ فيه الكف بلا أجر إلا قوتاً
سألني سودكين
ما نقول ياسيدنا في قراءة الكف؟
إما عرفان أو فراسة أو دجل
ومن أي فئة تظن هذا الدرويش؟
حدثتني نفسي أن أذهب إليه ليقرأ لي كفي ورأيت أن أستشيرك لئلا يكون في ذلك حرج
نذهب معاً ونرى أي رجل هو
حين رأيته مسني لحظتها ما يمسني حين أكون في موضع كشف
فقلت
اتركنا وحدنا يا سودكين
التقت نظراتي مع الدرويش وهو مبتسم
مادت بي الأرض لحظات
شعرت أني مأخوذ بحال لم تكتمل بعد ولا ألبث أن أقع فيها
قلت له هلاّ قرأت لي كفي
وعلمت مافي قلبي؟
مافي قلبك إلا الله يا محي
وضع يده على كتفي وقال
أنا وتدك الرابع
عانقته ودموعي تجري
قبلت رأسه ولحيته
على وجهه ابتسامة كأنها مطلع فجر
وماذا أفعل الآن؟
افعل ماشئت وكن ما كنت فقد ثبت الله قلبك بأربعة أوتاد فلا يزيغ بعد ذلك قط
ولكني لا أشعر بهذا الثبات الذي تقول يا مولانا
لأنك تصر أن تعيش في الحياة وأنا أقول لك دع الحياة تعيش فيك
مازلت محتار في أمور لا أحصيها
ارحل كلما احترت
أنا راحل يا مولانا
صحبتك السلامة يا محي
يا مولانا
لقد قضيت مع كل وتد من أوتادي الثلاثة الأوائل ردحاً من الزمن
فأخذت منهم و أخذوا مني إلا أنت
فكيف يكون هذا؟
لقد أخذت مني خيرا مما أخذت منهم
وما هو؟
الحب
إنه يملأ قلبك مثل بحر عذب تعيش كل سوابحه بسلام
لكني أتوق إلى صحبتك وأشتاق إلى رؤيتك؟
أنا معك أينما حللت ورحلت
لأنك مؤمن
إن ديننا هو دين الحب
يرتبط البشر بسلسلة من القلوب
إن انفصلت حلقة منها حلت محلها أخرى في مكان آخر
وهل ستمكث هنا أم ترحل؟
أنا مبعوث إلى غيرك يا محي مثلما كان الحصّار مبعوث لك
هل سأراك مرة أخرى؟
يا محي أنا وتدك وستظل في قلبي للأبد
ما إسمك؟
ابتسم أصفى إبتسامة رأيتها
أنا شمس التبريزي
مر عام لم يرني فيه أحد سوى الراعي الذي يجلب لي الطعام والماء
خلوت بالله في الفصول الأربعة فوجدته فيها جميعاً أعظم من كل شئ
عرفت أنه الرفيق وإليه الطريق ولولا العلم الذي في صدري لبقيت في حضرته حتى يختارني إلى جواره
وما استقطبني الله إلا لغرض والآن أعود إلى الناس لأقضي ذلك الغرض
قصدت بيتي لقيت صدر الدين على الباب هتف بأسمي بأعلى صوته
ضمت صفية يدي وقبلتها وبكت
في الليل سألتني كيف كانت خلوتك ياسيدنا؟
ألذ ماشعرت به في حياتي بأسرها
هل يحق للنساء أن يدخلن الخلوة أيضا؟
بالطبع حضرة الله لاتفرق بين ذكر وأنثى
ولكني أشتاق لأولادي
سيكبرون وتجدين لذلك متسعا من الوقت
أتم صدر الدين حفظ القرآن
وعليه الآن أن يعيه
عمادالدين لا يحفظ ويهرب من المسجد ولكن علينا أن لا نلوم طفلاً هجرته أمه ولم يرها منذ زمن
سنمر بها في طريقنا ويراها
هل نحن راحلون؟
أجل إلى دمشق مهبط عيسى عليه السلام يوم القيامة ولقد كانت توبتي ياصفيه عيسوية وأرجو أن يكون مماتي بمهبطه
ودعنا ربيع الأناضول بأجمل لباس في صندوق الطبيعة
أقمنا في ماردين أياماً فلم نجد فاطمة ولا زوجها
بدا لي أنها قررت أن تقطع صلتها بنا مذ رحلت ولم تترك أثراً ولا رسالة وكذبت على صفية بشأن وجودها في ماردين
هكذا أرادت أن تتخلى عن عماد الدين إلى الأبد كان الله في عونك يا بني
بلغنا دمشق
بيت من ثلاث غرف
الصبيان في حجرة ولي مع صفية حجرة وسودكين في حجرة مع كتبي وأوراقي وأدوات كتابتي
بعد أسابيع أرسل قاضي القضاة يطلبني لحضرة الملك المعظم عيسى الذي بدا وكأنه قد بلغه نبأ وصولي فرحب بي كثيرا
لاأدري إن كان يذكر حبس أبيه لي في القاهرة
لم يعد يعنيني الآن حبسني أم لم يحبسني
لم أتوجس شرا من الملك
في دمشق فسحة لإختلاف الرأي وتنوع في مشارب الناس
في كل حي مدرسة لمذهب
زرت الشوافع في المدرسة الأتابكية والحنفية في المدرسة البلخية وزوايا المالكية في الجامع الكبير والحنابلة في المدرسة العمرية
تزوج سودكين من يتيمة وجد ابوها يبكي في المحراب خوفا عليها بعد موته
يقول السالك ابن عربي
"الإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير"
قدم الكرماني من ملطية ومعه مريده المقري استقبلتهما بفرح
سألت عن احوال ملطية فقال
غار الماء ومات الزرع
محقت البركة ونزع الخير
ماذا حدث؟
لم يحدث سوى أن فارقها الشيخ الأكبر
أنا وأيوب نستأذنك ياسيدنا
في أن نلحق بك في دمشق
يقول السالك ابن عربي
"يأتي باللين مايأتي بالقهر
ولا يأتي بالقهر ما يأتي باللين"
وصلت من بغداد أنباء موت الخليفة الناصر
تعجب اهل دمشق لذلك بعد أن جلس على العرش ستاً وأربعين سنة
عاد لبغداد خلق بعد أن فروا من مكوس الناصر وشدته وظلمه
وفر منها أخرون خوفا من تغير الأحوال واقتراب التتر
أقام الملك صلاة الغائب على الخليفة الناصر ومجلس عزاء
دخل المجلس رجل لا أعرفه فهمس لي قاضي القضاة بأنه كبير تجار دمشق
فقلت تجارتي غير تجارته في سوق غير سوقي
يريد أن يتبرع ببناء مدرسة شافعية ولكن أكثر مدارس دمشق شافعية
هذا إسراف؟
ذلك مذهبه وليس بوسعنا لومه
أتعرف تقي الدين الشهرزوري
سيكون ناظر هذه المدرسة فما رأيك؟
تعلم مابين المتصوفة والفقهاء من خصومة ولا أعطي رأي في الرجل حتى لا أفتري عليه بدافع خصومتي معه فأعفني من ذلك
عدت وأنا أفكر في أمر المدرسة الجديدة
لايهمني مذهبها بقدر ألمي من تربيتهم تلاميذهم على كراهية المتصوفة والتقليل من شأنهم والتشكيك بعقائدهم
يأتي من يسبنا ويسفه كلامنا
ويأخذ على أيدينا
كأننا ضالون
سبحان الله! مانقموا منا إلا حبنا الإلهي
عجزت عقولهم عن إدراك الباطن فأخذونا بالظاهر
كيف تقنعهم بكلمات
ماتطلب عمر من الخلوة والعزلة والسفر
وأن العلم اللدني لايؤتى بالتعلم
بل ينزله الله على أصحاب الذوق فتشربه القلوب قبل العقول
أنا قطب الأن ولابد من موقف يعين المتصوفة ويحفظ كرامتهم
صارحت قاضي القضاة بما يساورني من مخاوف تجاه تغذية العداء للصوفية في مدارس المذاهب الفقهية
قد لاتلومهم في مايفعله بعض المتصوفة في خوانقهم
الرقص طيلة الليل والذكر مع ضرب الدف والطبل يجعل بعض الفقهاء لايأخذ تدريس الخوانق بجدية
وماذا أيضاً ياقاضينا؟
كلام بعض المتصوفة عسير الفهم على معدة العامة
اعذرني ياسيدنا لاشك عندي في سعة علمك وصفاء نيتك
أحيانا لا أجد ما أرد به على من يشكوك إلي فمن العدل إذا اردنا دفع أذى الفقهاء أن يكف المتصوفة عن استفزاز العامة بأقوالهم
قمت وأنا أقول
صدقت ياقاضينا سأفكر في كلامك
يقول السالك ابن عربي
"عقد الخلائق في الإله عقائداً
وانا اعتقدت جميع ما عقدوه"
رزق سودكين بمولود
ادع له ياسيدنا
أسأل الله أن يجعل قلبه مثل مكة يجبى إليها من ثمرات كل شئ
ماذا أسميته؟
طاهر
اسم تاجر عملت عنده وانا في اول الطريق
أقرضني مالا وعجزت عن سداده
فعفا عني
كل له من إسمه نصيب
تجنبت القاضي حتى شكاني للملك فاستدعاني
لعلك تدرك صعوبة الملك
لأجد نفسي مضطرا للحكم
بين الشيخ الأكبر وقاضي القضاة
فصوص الحكم
كتابك الأخير والذي ينسخه الوراقون هذه الأيام
وصلت رسائل من فقهاء تشكو عبارات وردت في الكتاب وتحذر من خطر الكتاب وضلاله
هذه الكتابات تثير العامة وتهيج الناس
واصل الملك
ياسيدنا هذه ليست ملطية والناس ليسوا تركاً
صدقت والحكام ليسوا سلاجقة
فاجأه ردي فصاح بي
ماهذا ياسيدنا! أقربك وأستشيرك فتهينني في مجلسي
هذه ليست إهانة بل حقيقة السياسة لقد آوى السلاجقة المتصوفة عن حب واقتناع وآواهم الأيوبيين ليدفعوا بهم أذى الشيعة
هذا ظن ظالم يا سيدنا!
لاتجد مدينة أخرى في بلاد المسلمين يجد فيها كل طالب علم بغيته إلا في دمشق
ستجد لكل مذهب مدرسة
فاعدل ياسيدنا وانظر بعين الحق
صدقت كل المذاهب هنا لأجل السياسة
أيها الملك
انا لست هنا كي أستظل بظلك
فأرض الله واسعة وظل الله أعظم
فإن ضيقت علي خرجت من ضيق إلى سعة حتى يبدل الله أمراً بأمر
يقول السالك ابن عربي
"كل جسد لا ينتج همة لا يعول عليه"
بلغت الثالثة والستين من عمري
وهو أمر جلل وخطير
العمر الذي لابد أن تنقلب أحوال المرء فيه وتتغير أقواله وأفعاله
العمر الذي توفي فيه رسول الله صل الله عليه وسلم
لم يمنحه الله عاماً واحدا بعد هذا العمر ومنحه لي أنا الفقير الحقير
ويل لك يا محي إن ضيعت مابقي لك من عمر في ما لاينفع
أسراب الجراد ملأت كل بقعة في دمشق إلا الخانقاه التي أدرس فيها
تجنبها الجراد
فقال قوم حتى الجراد يأنف أن يقع على قذر المتصوفة
وقال آخرون حتى الجراد أبى أن يؤذي المتصوفة الذين هم أضياف الله في الأرض
كلٌ يفسر مايرى بما تشتهي نفسه
فوجئت بدخول الملك والقاضي الخانقاه بلا حرس ولاحاشيه
جلسا في الدرس بتواضع حيث انتهى بهما المجلس
شكرتهما على المجئ بعد انتهاء الدرس وأكلا مما نأكله عادة
خبز ولبن وعنب
فقال الملك ما أطيب طعامكم!
أين الزهد والتقشف؟
ضحك وقال
إنما أمازحك ياسيدنا فلا تعتب علي فقد كثر علي عتبك هذه الأيام
لدينا مسألة لم نجد لها جواب عند الفقهاء
عمن يقول أن علي كان أحق بالخلافة من أبي بكر
خلاف بين المتشيعة والسنة
كل فريق متمسك برأيه
فما رأي المتصوفة؟
إرادة الله أيها الملك فوق كل إرادة وعلمه فوق كل علم
فقد تقدم من علمه
أجل كل واحد من هؤلاء الأربعة فقدمت إرادته من كان أجله أسبق فقط
لو احترم كل فريق إرادة الله وسلم بها لما أشكل عليهم ولما اختلفوا وتحاربوا
فتح الله عليك ياسيدنا
فكرت في ضعف المتصوفة في المشرق واعتمادهم على الأوقاف والإحسان ورضا السلطان
وانشغل الملك بملكه عن وشايات الفقهاء وتدابير السفهاء
زرته فما كاد يعرفني
مات بعدها ودفن في الصحراء كما أوصى
يقول السالك ابن عربي
"التصوف بغير خلق لا يعول عليه"
تألم اهل دمشق
فلا تمر في درب
إلا وتسمع ولولة ونحيب
ولا تدخل جامع
إلا وتسمع حوقلة وأنين
ولا تمش في السوق
إلا وتبصر أتراح وأوجاع
سلم الملك الكامل بيت المقدس
للأنبور الإفرنجي صلحا
ولو أنهم أخذوه حربا وقتلا وغصبا
لكان أخف وطأة عليهم
شهدت استعادة صلاح الدين بيت المقدس وها أنا أشهد اليوم إعادة أحد أحفاده بيت المقدس إلى الفرنجة طوعا
أعلن الملك الناصر داود الذي اعتلى عرش دمشق الحداد
فاشتد البكاء وكثر العويل وأقيمت المآتم
ولكن لم يخرج أحداً للجهاد
بل تنافس الخطباء والشعراء في هجاء عمه الكامل ورثاء المدينة المقدسة
اختلط صدق الأحزان بخبث السياسة
سلم الكامل بيت المقدس وحاصر دمشق سنة لينزعها من ابن إخيه
ضاق فيها المترفون
أما المتصوفة فقد حاصروا أنفسهم في الرخاء فلم يشعروا بالحصار في الشدة
نزلت محن السياسة على دمشق أمن وسلام علي وعلى تلاميذي
إذا انشغل الناس بمن في القصر فلايهمهم من في الخوانق
يقول السالك ابن عربي
"كل بقاء يكون بعده فناء لا يعول عليه"
نزلت السبعون على كاهلي ثقيلة
بعث لي الموت عشرات الرسائل
والنذر فما عاد لي من حجة
إذا دهمني في أي ساعة
شاب شعري وانحنى ظهري
وزاد وجع مفاصلي وضعف بصري
وذهب سمعي واضمحلت ذاكرتي
وغادرني الصحاب والرفاق
إلى صحبة الجليل التواب
أعياني المشي في جنائز الأصحاب
في دمشق وتلقي أخبار الموت
وهم في غيرها
مات الأرمني ذو الكرامات
والمارديني ذو الخلوات
والسهروردي ذو المروءات
وابن الفارض صاحب التاءات
ولا يلبث أن يلحق بهم ابن عربي صاحب الذنوب والمعاصي والحسرات
ماعدت أقدر على حضور الدروس
ولم يبق في صحبتي إلا سودكين
شحعت صدر الدين على السفر إلى القاهرة
فلم يعد في دمشق علم يسمعه ولاكتاب يقرأه ولا شيخ يسأله
كبر سعد الدين وأصبح يرافقني
أما عماد الدين فتمر الأيام ولا أراه إلا صدفة
تعاقب بنو أيوب على ملك دمشق
هذا يملك بعد ابيه
وهذا يملك بعد أخيه
لا أعرف من الملك الآن
فإذا دعا خطيب الجمعة له تذكرت
أخبرني تلاميذي أن الناصر داود حرك جيشه من الكرك واستعاد بيت المقدس من الفرنجة فبكيت لذلك فرحا
أدركت حتماً بعد جملة من هذه الحوادث أني بلغت العمر الذي تصبح فيه الحياة أكثر مشقة من الموت
وصل الشقاء إلى جيبي فمسني الفقر حيث أوقف بنو الزكي عطاءهم للضغط علي بعد أن كثرت الشكاوى ضدي
أصبحت ذات يوم وليس معي مال أنفق به على بيتي
توجهت نحو الغوطة باحثا عمن يستأجرني للفلاحة
نفروا من شيبتي وانحناء ظهري
حتى جاء رجل وأخذني معه إلى بستان صغير قرب بيته فصرت أقلم الأشجار وأجمع الأوراق وأقطف الثمار
وأسقي الزروع
تطعمني زوجته ويعطيني درهمين اشتري بهما عشاء صفية والعيال
قضيت ثمانية اشهر على هذا الحال
يزداد العمل مشقة ولكني لا أعلم عملاً أيسر من هذا وأخفى عن عيون الناس
لو اعتذرت عن كتبي وتراجعت عن أقوالي لعاد المال وصفت الحياة
ولكنا نبلغ عمرا يصبح فيه التراجع
أشد مرارة من الهرم والوجع
لن أطلب أحدا سأعمل في هذا البستان حتى يختارني الله إلى جواره
وجدت الشوارع ذات صباح
في هرج ومرج
جموع تصيح في الأزقة وتكبر
تجنبت أفواجهم المتراصة كأنهم في حرب وصرت أمشي محاذيا الجدران بغية الوصول إلى البستان
الدرب زاد ازدحاما وهيجانا وهم يهتفون العز لنا والذل لكم
اندفع العسكر فوق الجياد ومعهم سياط يضربون الناس بها بلا تفرقة
لسعني السوط وسقطت
وطأتني أقدام المتجمهرين وارتطم رأسي بجدار أحد البيوت
مادت بي الأرض وعلمت أني لا أقدر على الوقوف غطيت رأسي بيدي وصحت مناديا الله
لطفك يا لطيف وأظنني غبت عن الوعي
أفقت وأنا معفر بالتراب وعمامتي منفرطة والدم يسيل من فمي
ولكن الزقاق أصبح أقل إزدحاما بالناس وقد فر أغلبهم وتفرقوا
رآني فتية صغار وأنا ملقى على الأرض في هذه الحالة فقالوا مأجور يا شيخ وجزاك الله خير على صدعك بالحق
أي عذر لنا إن نحن لم ننصر العز بن عبدالسلام حتى نخرجه من سجنه ونحن رجال أصحاء
إن كان حتى هذا الرجل الطاعن في السن قد خرج لنصرته وناله هذا الأذى
قررت أن أكمل طريقي إلى البستان
وصلت البستان أخيرا ورحت أقوم بعملي حتى توقفت لاهثا وأنا أشعر بالدماء تندفع في رأسي
جلست ألتقط أنفاسي ثم حاولت الوقوف مرة أخرى
مادت بي الأرض سقطت على وجهي تعلق نظري بورقة صفراء لم أجرفها
مت نعم فارقت الحياة
ما أسهل حياة البرزخ
أن تتأمل الحياة وأنت مجرد من الإرادة لا تفعل ولا تنفعل
صفية تبكي ترملها للمرة الثانية
سودكين يعانق قدمي وكأنه لن يدفنهما معي
سعد الدين يرتجف مثل عصفور في ليلة مطر
ابن الزكي يلقي تعليماته على الغسال
عماد الدين يصب الماء على رأسي
ينسكب علي ماء الكافور فيحجب عن أنفي الشم
ينطبق علي قماش الكفن فيحجب عني الرؤية
يرتج جسدي على أكتاف الحاملين
يسكن جثماني على النعش أخيراً
في محراب المسجد
يرتفع الأذان
يصلي الإمام
لا يقرأ سورة يس
يحملني الناس
يرتفع النحيب
أميز أصوات تلاميذي
أسمع قرع نعالهم
تتضاءل الأصوات وتبتعد
مع انثيال التراب
تنقطع نهائياً إلا من صرخة حارقة أطلقها سودكين بلا وعي
تم بحمدالله تلخيص الرواية الرائعة
#موت_صغير
في سيرة السالك محي الدين ابن عربي
سافرت معه وعلى مدى أكثر من شهر لنطوف بمدن مختلفة في المغرب والمشرق الإسلامي
أعشق السفر وزاد عشقي له بعد هذه الرواية الجميلة
شكرا للكاتب المتميز #محمد_علوان هذا الكم من الإبداع
@m_alwan
@kholoudbadahman

جاري تحميل الاقتراحات...