فهد.
فهد.

@I0ll

61 تغريدة 169 قراءة Mar 13, 2020
سخِر من فرويد ومقولته الشهيرة مِن أن ”الطفولة تُقرر مصير الفرد!”. فقد كانَ طفلاً خجولاً، تُلبسه أمه ملابس البنات، ولكنه لما كبر أصبح أشهر فلاسفة القرن. قالت عنه سيمون دي بوفوار: «[هو] أكبر إنجاز في حياتي». إنه جان بول سارتر المتوفى في مثل هذا اليوم ١٥ أبريل من عامِ ١٩٨٠م.
تأثر وتعلّق سارتر في طفولتهِ بجدِّه، لذلك قالَ عنه: ”إنه صاحِب التأثير الأكبر على نشأتي”. عرّف طفولته في كِتابه الجميل «الكلمات» بقولهِ: ”كنتُ ذلك الوحش الذي يصنعه الكبار وهم آسفون كُل الأسف!”. نشأ سارتر بينَ الكُتب، حيث ما دار رأسه هنالك كتاب، هو فعليا نشأ مُحاطًا بالكُتبِ.
كانَ يقرأ ولا يفهم ما يقرأ، يقول: ”بدأتُ حياتي، كما سأنهيها على الأرجحِ: وسط الكتب. ففي مكتب جدي، كانَ ثمة كُتب في كل زاوية. وكان من الممنوع أن يدنو أحد من المكتب، ولم أكن تعلمت القراءة في ذلك الوقت، «لكنني تعلمتُ تبجيل الكُتب»”.
ثُم يُكمل الحديث قائلاً: ”كنتُ أراها -أي الكُتب- مثل الحجارة المصقولة المرصوصة، سواءً صُفت جالسة أو منحنية. مكدسة إلى بعضها البعض فوق رفوف المكتبة، أو موضوعة بكُلِّ نُبل بعيدة عن بعضها البعض. «كانَ يُخالجني شعور غامِر بأنّ ازدهار عائلتنا معلّق بها»”.
عانى سارتر مِن قُبحِ شكلهِ في أيامِ مراهقته، فكانَ يتألم من سخرية الفتيات الساذَجات من قُبحه، قال عن ذلك: ”في مراهقتي كنتُ أعاني بسببِ قبحي، وهذا ما جعلني أتألم، كانَ علي أن أحرر نفسي تماماً، لأنّ ذلك ضعف. «ينبغي على أي شخص أن يعرِف قوته»”.
وقد اعترفَ سارتر في إحدى لحظات صِدقه للفيلسوف ميرلو بونتي قائلاً: ”لم أستطع إغواء النِّساء بمزاياي الجَسدية، لكني أغويتهن بالكلِمات!”. وقد حدث فعلاً، فقد تعلّقت به سيمون دي بوفوار وستكتب لاحقا بإعجاب في يومياتها: ”ما أضيق عالمي الصغير إذا ما قيس بعالَم سارتر”.
بل نجدها تكتب في يومياتها: ”لقد أصبحَ سارتر كل عالمي، وبفضله أصبحت أكثر فتنة حتى أني نسيت نفسي!”. ولكنه لم يُكِن لها ما تُكِن له -في البدايات-، لذلك كتبت مرة في لحظةِ اضطراب عاطفي: ”يتحدث معي كما لو أنه يتحدث مع فتاة صغيرة. لقد فقدت كبريائي، وذلك يعني أني فقدت كل شيء!”.
قالت مرة وقد أحكم الشاب الثوري الفوضوي السيطرة على ذاتها وأفكارها -بأيام قليلة- لصديقتها المُقربة زازا: ”أعرِف هذا الشاب منذ ثلاثة عشرَ يومًا وقد جالَ في غياهبي، وصارَ يتكهن بأفعالي فامتلكني. يحتاج ذهني إلى حضوره وينتابني الانفعال أمام تعاطفه!”.
عبثَت أفكار هذا الوجودي برأسِ صاحبةِ «الجنس الآخر»، الكِتاب الذي أثار ضجيجا مدويا في داخل فرنسا وخارجها عند صدوره، حتى حرّمته الكنيسة في روما. أدمته سياط النُّقاد حتى قال ميرلو بونتي -وكان صديقا لدي بوفوار- : ”كتاب يتسم بعدمِ اللياقة، وبمخالفةِ الآداب العامة، وبالوقاحة الصريحة!”.
لقد جعلت سيمون دي بوفوار المرأة المثالية -في كتابها- تلك التي ترفض أن تكون زوجة «كائنًا طفيليا»، وتأبى أن تكون أمّاً «امرأة غير راضية»، وتأنف أن تكون لها علاقة حب مع رجل «امرأة مذعورة». نعم؛ إنها المرأة المستقلة بنفسها عن الزوج والأسرة، المنخلعة من صميم ”أنوثتها” !
لحظة! ما لنا ولـ دي بوفوار؟! نعود لصاحب الوجود والعدم، ذلك الذي يعتبر أصغر من تقدم لنيل شهادة الفلسفة. لما حوصر بالأسئلة من قبل الأساتذة، تنحى بوجهه جانبا، وتأمل الطبيعة من النافذة، وقال بغرورٍ ولّدته المراهقة الفكرية: ”أستطيع أن أجادل نيتشه وأعلمه كيف يمكن للإنسان أن يكون حرّا”.
•فاصِل وتنبيه•
التغريدات القادمة ستكون عن كِتاب سارتر الضخم المعقد «الوجود والعدم»، سيُلاحظ القارئ الكريم أن الحديث سلك منحًى آخر، وسيكون جافّاً نوعًا ما، لذلك أقول: إذا كنتَ لا تهتم بالفلسفة، وتجد أنها عَبَث ومضيعة وقت، فأنصحك -بودٍّ واحترام- أن تكتفي بالسابق وتُهمل اللاحق.?
قرأتُ جزءاً لا يُستهان به من «الوجود والعدم»، فأدخلني في دوامةٍ من الفراغ الإدراكي! يا له من كتابٍ معقد صعب. قرأتهُ بترجمة بَدَوي (الذي نقد سارتر) فلم أظفر بفهمٍ يؤهل للتلخيص العام لفلسفة سارتر. بل إن قارئ هذا الكِتاب ستُقلقه التعريفات في بدايته، وسيشعر إزاءها بشيءٍ من الارتباك!
لذلك اجتمعتُ بالفيلسوف الألماني تسيمر Robert Zimmer ، وانعزلنا بمجلسٍ خاص؛ أسأله ويُجيب. فما إن سألته عن سارتر وفلسفته، حتى لخّص لي ١٠٠٠ صفحة كتبها سارتر بكلماتٍ يسيرة واضحة. فما سيأتي؛ إنما هو تلخيص للتلخيص الذي ظفرت به من تسيمر.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان البعث الوجودي! كانت الفلسفة الوجودية تجري مع الرياح في أحياء المثقفين الباريسية على الشاطئ الأيسر لنهر السين. حتى الشابات اللائي تزيّن بالأسود على طراز جولييت غريكو، والسجائر مائلة في أفواههن، كُن قد أُصبنَ بالفيروس الوجودي.
كانَ ألبير كامو قد أتى من وهران الجزائرية، وإميل سيوران من بوخارست، وجان جينيه الشاعر الرجيم كان قد أنهى للتو إحدى عقوباته الكثيرة بالسجن! كان كبير هذه الفلسفة هو ذلك الرشيق الأحول القصير كثير التدخين ”جان بول سارتر” وكان يقيم مع صديقته العزيزة ”سيمون دي بوفوار”.
ألف سارتر ”الوجود والعدم”. كتاب معقد لغويا يزيد على ألف صفحة. كان كتابا بنظر مؤلفه يوضح الحرية؛ ولكنه أيضا أبان ضياعه في عالم عبثي! نداء سارتر للإنسان أن يتولى مسؤولية حياته الخاصة. تحول مؤلفَه إلى (الكتاب المقدس للوجودية). لقد نشر في أوروبا دينا (دنيويا) للحرية في عالمٍ بلا إله!
سارتر كما ذكرَ في كتاب سيرته الذاتية «الكلمات»؛ هو إنسان نفور يُحب الانفراد، عاشَ شبابه منزويا وعاكفا على كُتبه، ومن خلال الأدب تعرّف على العالم. في سن الـ١٢ تخلى عن العقيدة المسيحية، وكان يُحس بأنه منبوذ من محيطه، ولإحساسه هذا أثر سيظهر لاحقا في تحليله لعلاقة الإنسان مع الآخر.
كان أول معرفته برفيقةِ حياته سيمون دي بوفوار في مدرسة المعلمين التي تخرّج فيها الأول على الناجحين. وبعد آدائه للخدمة العسكرية لمدة عامين، ذهب إلى ألمانيا في نفس العام الذي استولى فيه هتلر على السلطة وألغى الحريات المدنية. تفرّغ لدراسة إدموند هوسرل مؤسس علم وصف الظواهر.
لما عادَ إلى فرنسا ناقش أفكار هوسرل في عدة مقالات. ما يهم سارتر هو الانصراف عن تصور أن الأنا هي نقطة البدء والمضمون الأصلي للوعي. اقتنع بما قاله هوسرل؛ أن وعينا دائمًا ”وعي بـ”؛ ومن ثم هو وعي متجه إلى موضوعات وأشياء. لكن بدا له أن هذا الوعي عند هوسرل ما زال يحتوي على تصور أنا.
كوّن سارتر بدلاً من ذلك فِكرة وعي خال؛ ”وعي-أصلي”، لا يُدرك أي مضمون محدد. كل ما يُدركه هذا الوعي الأصلي هو أنه ”موجود“. يصوّر هذا الوعي في كِتابه ”الوجود والعدم” على أنه «وفرة وجود»، وعلى أنه حقل إمكانيات، ما زال يجب عليه أن يتعلم أولاً تصوُّر الأنا.
فما أصل تصوُّر الحرية عند سارتر؟ ليس المقصود بذلك الحرية السياسية التي تُعرف بالقوانين المدنية مثلا بحرية التعبير. إنها تشبه حرية الفنان الذي يستطيع أن يُبدع شخصياته بحريته. فبالتوافق مع ذلك تعتبر الحرية عند سارتر هي الحرية الإبداعية؛ لتطوير نفسه إلى شخص مستقل فاعل في العالم.
لَمْ يكن سارتر منذ البداية مؤلفا فلسفيا فقط؛ وإنما مؤلفا أدبيا. كتب روايات ومسرحيات مهدت لكتابه الهام، وأسست شهرته عند الجمهور. لعملين من أعماله صلة وثيقة بالفلسفة، وهما: ”الغثيان La nausée” ١٩٣٨م، ومسرحية ”الذباب Les mouches” ١٩٤٣م.
تمر الشخصية الرئيسية روكونتين في رواية «الغثيان» بتجربة أن كل السياقات المعتادة تضيع، وأن كل الأشياء تصير غريبة عليها. ينشأ الإحساس بالقرف؛ عندها تُجبرها الحقيقة فجأة على قبولها بعبثيتها الكلية أثناء النظر إلى الأشياء.
فعالَم الأشياء -كما سيقول سارتر فيما بعد- عالم ”محدّد”، وهو مصطلح لفلسفةِ العصور الوسطى؛ يُميّز غير الجوهري في مقابل الضروري الجوهري. وعلى هذا لا يجد الإنسان في العالم أي مغزًى جاهزًا في انتظاره؛ وإنما الأمر يتعلق به هو نفسه في إنجاز شيء له مغزى.
أما كيفَ حدوث ذلك، فهذا هو موضوع مسرحية ”الذباب” بتناولها أسطورة أجامِمنون، الذي قتلته زوجته كليتيمنيسترا وعشيقها إجيست (إيجيسثوس) بعد عودته من حربِ طروادة وعزله عن الحكم. موضوع سارتر هو أوريست ابن أجاميمنون الذي صمم على إنهاء طغيان إجيست.
وبذلك يصير أوريست رمزًا للإنسان، الذي يختار حريته، وبذلك يُمارس المسؤولية تجاه حياته الخاصة. فالوعي الإنساني الفارغ غير المحدد بعد، ومحدودية الوجود الإنساني، وجانبها الآخر الإيجابي، وحرية الإنسان؛ كل هذهِ الموضوعات تحوّلت في «الوجود والعدم» إلى بناء نظري ضخم.
نشأ كِتاب «الوجود والعدم» في أواسط الحرب العالمية الثانية في ظل ظروف غير معتادة للغاية. بعد عدة شهور من اندلاعِ الحرب تم ترحيل سارتر من قبل الألمان إلى معسكر اعتقال بالقرب من مدينةِ ترير الألمانية. لم يكن ميسرًا له هُناك إلا عدد قليل من الكتب كلها باللغةِ الألمانية.
من بينها كتاب يهمه وهو في ذاته مهم جدا، وهو كتاب ”الوجود والزمن” لهايدغر. هايدغر كان تلميذ هوسرل، الذي حاول إبراز الدور الخاص للإنسان في العالم. فالإنسان عنده هو المخلوق الوحيد الذي لديه «فهم وجود»؛ أي الذي يستطيع أن يتصرف بوعي تجاه نفسه وواقعه.
طرحَ هايدغر نظرية تحقيق الذات الإنسانية، التي يواجه فيها الإنسان مهمة التعبير عن حريته من خلال وجوده. يصل الإنسان بذلك فقط إلى مستوى الوجود ”الحقيقي”، وإلى ممارسة مسؤولية دوره المميز. عقب هوسرل وهايدغر كوّن سارتر نظريته الخاصة في الوجود الإنساني.
في خطاب إلى سيمون دي بوفوار بتاريخ ٢٢ يوليو ١٩٤٠م يذكر أنه بدأ بكتابة «الوجود والعدم». وفي مارس ١٩٤١م تم الإفراج عنه من معسكر الاعتقال وعاد إلى مدرسته الثانوية في باريس. شرع هناك بمواصلة العمل على الكِتاب، حتى سلّم المخطوط لدار نشر جاليمار الباريسية في أكتوبر ١٩٤٢م.
ابتداء من عنوان «الوجود والعدم - محاولة علم وجود وصفي للظواهر» اعتمد سارتر على البلاغة الشاقة للفلسفة الألمانية عند هيغل وهوسرل وهايدغر. فـ”الوجود” مصطلح لعب دورًا كبيرا في العصور القديمة كمصطلح عام وجوهري للغاية لفلسفة ما وراء الطبيعة.
تناول هذا المصطلح في العصور المتأخرة أهم ممثلي الفلسفة المثالية الألمانية وهو هيغل، ثم هايدغر. سارتر يقصد بمصطلح «الوجود»؛ المجال الشامل للحقيقة بما فيها الإنسان. قدم كل من هيغل وهايدغر لسارتر مصطلح «العدم» أيضًا، الذي يأخذ الآن صبغة خاصة تماما.
يُشير مصطلح العدم عند سارتر إلى شيء غائب، إلى فراغ؛ لكن يُمكن ملؤه. فهو يشير إلى حقيقة ليست موجودة بعد؛ لكنها حقيقة ممكنة الوجود! سارتر كل الذي يهمه -مثلما كان يهم هايدغر من قبله- هو الإنسان وحريته وتحقيقه لذاته.
لكِتاب «الوجود والعدم» وجهان مختلفان تماما (لغوياً). فسارتر من ناحية يستخدم لغة فنية عالية التجريد، ومن ناحيةٍ أخرى يكشف عن موهبته الأدبية بتوضيحه لنظرياته بطريقة تكاد تكون قصصية، من خلال مواقف واقعية. هذه المقاطع هي التي يتم الاستشهاد بها، وهي التي شهرت الكتاب.
سارتر يفرق بين نوعين من الوجود هما: «الوجود من حيث هو» و «الوجود للنفس». ينتمي كلا المصطلحين إلى هيغل، ولكن سارتر أعطاهما معنى مستقلا. فـ«الوجود من حيث هو» عنده هو عالم الأشياء التي ليس لديها وعي، أما الوجود الذي لديه وعي، ويستطيع إقامة علاقة مستقلة بالواقع فيسميه «الوجود للنفس».
وبعبارة سهلة ميسرة: «الوجود للنفس» هو الإنسان، و«الوجود من حيث هو» هو العالم المُحيط به. وكأحداث رواية نقول: سارتر يكشف للقارئ في كتابه كيف برز من وضع «الوجود من حيث هو» مخلوق غير معروف في البداية هو «الوجود للنفس» وكيف اتخذ هذا المخلوق شكلا ومكانا ووضعا خاص في الواقع.
في عالم الوجود تكتشف في أول مرة ثقوب سوداء، ومن ثم وجود، لا نستطيع القول بدقة ما حقيقته. ولكن يظهر في نقاط الفراغ هذه شيء، هو «العدم!». هذا العدم -في رأي سارتر- لا يمكن أن يكون نتج عن «الوجود من حيث هو»، بل الأرجح أنه مرتبط بوجود آخر، وهو الوجود الإنساني. فهو وجود لم تحدد خصائصه!
ولنقفز قليلاً؛
يقودنا ظهور العدم في نظام الوجود إلى «الوجود للنفس»، إلى الوعي الإنساني الذي يتملّص من التزامتنا ورؤانا. يلخص سارتر نوع تواطؤ الوجود والعدم في الجملة التالية: «لا يكون الوعي ما هوَ كائن، وهو يكون ما ليس كائنا» !!
تبدو هذه الجملة في أول الأمر مُربكة للغاية! تُفهم فقط عندما نعلم أن سارتر يستخدم كلمة “يكون” ومشتقاتها كل مرة بطريقة مُختلفة. فقوله: «لا يكون الوعي ما هو كائن» يعني الآتي: لا يُمكن تحديد الوعي في وضعه الراهن كل مرة.
إذ إن الخاصية الحاسمة وجوهر وكنه الوعي تكمن في أنه «هو يكون ما ليس كائنا»، وأنه يستطيع دائمًا وأبدا أن يتجاوز نفسه ويتخطاها. يستخدم سارتر مصطلح ”التسامي - Transzendenz” بالمعنى الدقيق للتجاوز.
فالمقصود ليسَ عالم الغيب الذي يستعصي على معرفتنا وتجربتنا؛ وإنما هو شيء إنساني صميم؛ إنه القدرة على أن يصنع الإنسان من نفسه شيئاً مختلفاً عما عليه الإنسان! نُعبر عن جملة سارتر بما يأتي: يمتاز الوعي بأنه لا يمكن تحديده مطلقا، وبأنه يظل مفتوحا لإمكانيات جديدة لفهم النفس.
فسارتر يستنتج من تحليل العدم تصور وعي إنساني على أنه أصل الحرية الإنسانية. فهذا ما يميز الإنسان عن الأشياء؛ عن ”الوجود من حيث هو”. هو ينتمي إلى أولئك الفلاسفة الذين يؤكدون الدور المميز للإنسان تجاه مظاهر الواقع، ويرفضون فهمه أو تعريفه من خلال التأثيرت الخارجية كالوراثة والتربية.
الإنسان عنده -أي سارتر- يُشبه في أول الأمر ورقة بيضاء لم يكتب فيها شيء، ولا ينبئ عما سيعطيه أهمية إلا في مسار حياته. لكن الأمر مختلف مع ”الوجود من حيث هو” أي مع عالم الأشياء؛ فهي محددة وملتزمة بخصائصها الجوهرية من أول الأمر.
”الوجود للنفس” يعطي الإنسان من منظور آخر وضعا فريدا داخل الواقع. فهو يستطيع أن يجعل نفسه مركز عالمه، ويعتمد على الأشياء المحيطة به. لكن هناك عقبة حاسمة، فالإنسان ليس وحده في هذا العالم، فليس هنا ”وجود للنفس” وحيد؛ وإنما متعدد كثير.
وضع هايدغر لهذا الارتباط المجتمعي للإنسان مع الآخر مصطلح ”وجود مُشترك”. لكن هذا الوجود عند سارتر أخذ خاصية النقيض والتهديد! فالآخر عنده هو إنسان يعترض الطريق.
أخذ سارتر هذهِ الرؤية من مقطعٍ شهير عن ”السيد والعبد” في كتاب «علم وصف ظواهر العقل» لهيغل، وقد عرضَ فيه -أي هيغل- بأسلوبٍ مجازي، كيف أنه من خلال النضال ينشأ الوعي الذاتي الإنساني، وهذا النِّضال يخوضه ضد وعي ذاتي آخر من أجل الاعتراف المتبادل.
في الفصل المركزي وربما الأشهر في كتابه تحت عنوان ”النظر” يعرض سارتر مثل هذا التنازع. فالآخر يشك في حريتي وفي إمكانية اختيار مكاني في العالم بأن ينظر إلي كموضوع، ”كوجود من حيث هو”. مثلما في حالةِ القرف، الذي جعلني أدرك وأعي حضور عالم عبثي!
ويعتبر هذا من ناحية أخرى إحساسا دافعا، يجعلني أعي الواقع الغريب عني؛ حضور الآخر. (يطول الحديث عن هذه النقطة) المهم؛ يرى سارتر أنه يمكن تشكيل الآخر ”كموضوع”، وكما يقول؛ أي أن أهاجم. عنده: الإنسان في مواجهة الإنسان الآخر دائمًا في تنازع وأزمة.
والخلاصة؛ الوضع مع الآخر لا ينتهي بالتفاهم، ولا يصل الحال أبدًا إلى علاقة متساوية لذات مع ذات. الآخر يظل هو التهديد والخطر الحقيقي لذاتيتي. وقد عبر سارتر صراحة عن هذا في مسرحيته ”مجتمع مغلق” وقد نشرها بعد ”الوجود والعدم” في جملته القصيرة الشهيرة: «الجحيم هو الآخرون!».
سارتر فيلسوف يضع الإنسان في قلب العالم، ويطلب منه أن يجيب على تحدي عالم عبثي، وعلى حقيقة أنه ”مُلقى به” بمشروع وجود خاص. وفلسفة الحُرية عند سارتر هي فلسفة العمل أيضًا. فالإنسان عنده لا يستطيع رفض الحرية، ونحن طبقا لأشهر مقولاته «محكومٌ علينا بالحرية».
حسب فلسفة سارتر؛ يجب علينا مع الحرية أن نقبل المسؤولية عن وجودنا. وهذا يعني التوافق مع الأوضاع التي نجدها. فنحن نولد بتكوين وراثي محدد، ونعيش في مكان وزمان محددين. وهذه الأوضاع المرتبطة بحياتنا يسميها سارتر ”واقعية”.
يجب على الإنسان أن يتولى مسؤولية الأوضاع التي يعيشها، وأن يفهمها على أنها جزء من الاختيار الذاتي. فهذه الأوضاع هي المواد التي تستخدمها حرية الإنسان لبناء المسكن الخاص. ويرى أن الإلقاء في العالم يعني؛ أن يرى الإنسان نفسه مثل عداء مستعد على نقطة بدء السباق، وأن يقبل مباراة الحياة.
يقول سارتر: «لقد أُلقي بي في العالم؛ ليس بمعنى أن أستسلم، وأظل سلبيا في كون معادي مثل لوح من الخشب يطفو على سطح الماء، وإنما على النقيض من ذلك؛ بمعنى أن أجد نفسي فجأة وحيدًا وبلا عون أعمل في عالمٍ أحمل المسؤولية الكاملة».
والزبدة أن «الوجود والعدم» يقدم لنا صورة لعالَم مُطالب فيه الفرد -الذي كان قد بدا لنا في أول الأمر أنه كموضوع مجهول في نظام الكون- أن يميز نفسه من خلال عمله. عليه أن يشارك بجزئه الخاص في هذا الكون. على كل فرد أن يحمل مسؤوليته لوحده وبطريقته الخاصة.
١٩٤٣م ظهر في باريس كتاب سارتر الصعب «الوجود والعدم»، لم يُحدث في البداية أي صدى، وذلك أن الاحتلال الألماني لم يخرج من المدينة حتى الآن. لكن بعد الحرب العالمية الثانية أحدث الكتاب في الأوساط الفلسفية دويا كدويّ القُنبلة!
أصبح الكتاب عند البعض معادلاً فلسفيا للمقاومة وعملا تحررياً من العقائد الشمولية في بداية القرن الـ٢٠، التي تم تحويل الإنسان الفرد فيها إلى عامل بسيط لصالح التاريخ العالمي. لكنه عند آخرين يمثل فضيحة! هاجمت الكنسية تغييب الله، وانتقد الشيوعيون غياب التضامن والدور الاجتماعي للإنسان.
هذا الانتقاد من الشيوعيين حاول سارتر إضعافه في كتابه الضخم الثاني «نقد العقل الجدلي». لكن رغم أنه اشتبك في سنواته التالية بغزلٍ حار مع المذهب الماركسي، وأراد إثبات نفسه كفيلسوف مجتمع، ظل إنجاز حياته الفلسفي مرتبطًا بالاتجاه الوجودي.
وهُنا نقف! كانت هذهِ الجولة الطويلة -والثقيلة- هي ملخّص ما دار في المجلسِ الذي جمعني بالفيلسوف والكاتب الألماني الرائع روبرت تسيمر، فأرجو أن يكون القارئ المهتم قد انتفع بشيء مما ذُكر، وأدرك الملامح الكُبرى من فلسفةِ كبير الوجودية جان بول سارتر تـ١٩٨٠م.
•توضيح وختام•
لا يفهم القارئ الكريم أن هذا العرض ناتج عن إعجاب، أو دعوة لهذا الفيلسوف وفلسفته؛ إنما القصد الأول والأخير هو بسط معرفة، قد تفيد المهتم بهذا الفن -والمتخصص أيضًا-، وإلا فهذهِ الفلسفة التي غيِّبت الإله من الوجود هي أُس الضياع والعبث والضلال.
أُغلق الباب بمقولةٍ لسارتر قرأتها في كِتابه ”الكلِمات” ونسيت تحديد الصفحة! يقول: «بدأتُ حياتي كما سوف أنهيها بلا شك؛ بين الكُتب». وإلى حديثٍ آخر -بإذن الله- مع عَلَمٍ آخر. وكأني بمكياڤيلي مُتأبطاً كتابه «الأمير» يرمقني من مكانٍ بعيد!
والسلام.

جاري تحميل الاقتراحات...