أتقن البحري ست عشرة لغة عالمية قراءة وكتابة، وقد وصلَ عدد زوجاته إلى أكثرِ من أربعين امرأة، وكان يقول: ”لقد بدأت بشهريار الإيرانية وانتهيت بشهرزاد السورية”. ولُقب بـ«البحري» لأنه دخل مسابقة لعبور المانش، فشارك دون تحضير سابق أو تدريب وفاز بالمركز الأول!
كان رجلاً عجائبياً، عمل مرة -كما في مقدمة مذكراته- مراسلاً لإحدى الصحف الهندية، وأصبح في وقتٍ آخر مفتيا في أندونيسا؛ جاءه مرة أحد السكان ومعه فتاة جميلة يريد منه أن يعقد قرانه عليها، وكان الرجل مسنا، فأخبره أن هذا لا يجوز شرعا، فصدّق المسكين وتزوجها المفتي يونس!
كانَ البحري يتنقل حاملاً في حقيبته الدبلوماسية ٤ أشياء: الجواز، قنينة عَرَق، فرشاة أسنان، أدوات حلاقة. شارك في التظاهرة التي تدلل على وطنيته -كما يذكر خالد عبدالمنعم العاني-، والتي تحوّلت إلى هجوم على القنصلية البريطانية قرب منطقة المحطة في مدينة الموصل حيث قُتل القنصل البريطاني.
لم يتحسر في حياتهِ على شيء، فقد عاش راهبًا وراقصًا وسكيرًا وصحافياً ورحالةً متنقلاً بين الزوجات كما لو كُن بلدانًا يطوف بها، وكان الحصول على المال من أيسر الأشياء بالنسبةِ له؛ ومع هذا ماتَ وحيدًا مفلسًا في بيتِ أحد معارِفه في الباب الشرقي ببغداد، وكان ذلك في مارس من عام ١٩٧٩م.
من طرائفه أن أحدهم زاره قبل وفاته وأخذ يتحدث عن نفسه بشكل بطولي وكيف أنه خدع أحد أفراد الشرطة.. بعد مغادرته قال البحري: ”ضحكنا على ذقون ملوك ورؤساء سنين طويلة وهذا يتفاخر بأنه خدع شرطياً !!”. حكم عليه بالإعدام ثلاث مرات خارج الوطن، وداخله أصدر نوري السعيد حكم الإعدام بحقه غيابيا.
يقول ابن نبي:
”.. تعرّفنا إلى شخصية لا تقل غرابة، وقد أدّت أيضًا بطريقة لا شعورية دورًا مؤلِّفًا لأفكارنا واندفاعها في اتجاه معيّن. إنه «يونس البحري» وكان آنذاك شابا بين العشرين والثلاثين. ولم نكن نعلم كيف وصل من بغداد وحل في مدينتنا ضيفًا على عمي إسماعيل وتعرفنا إليه.
”.. تعرّفنا إلى شخصية لا تقل غرابة، وقد أدّت أيضًا بطريقة لا شعورية دورًا مؤلِّفًا لأفكارنا واندفاعها في اتجاه معيّن. إنه «يونس البحري» وكان آنذاك شابا بين العشرين والثلاثين. ولم نكن نعلم كيف وصل من بغداد وحل في مدينتنا ضيفًا على عمي إسماعيل وتعرفنا إليه.
حين عرفناه لم يكن يرتدي الجلابية، بل كانَ قد تخلى عنها وتزيّا بالزي الحديث، الطربوش وربطة العنق والبنطال. وكان بناؤه الرياضي يعطيه مظهرًا جميلاً بالإضافة إلى أنه «يملك ناصية اللغة العربية». وقد جعلت له هذه المَلَكة تأثيرا عميقاً في جماهير شمالي إفريقيا.
حين أخذ يتحدث إليها من مذياع برلين في أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما وضع نفسه في خدمة دوائر الدعاية الألمانية التي كان يشرف عليها غوبلز. إذن كان الرجل يملك ما تتعطش إليه تلك العقول المجتمعة في مقهى بن يمينة، الباحثة عن الجديد، سواء كان في السياسة أم الأدب أم الأخبار العادية.
في صـ٢٠ يذكر عن صديقٍ له اسمه: عبدالمسيح جيد، أنه كريم يعطيك ما تريد إلا ثلاثة أشياء يعتز بها: علبة دخان ذهبية تستوعب ٢٥ لفافة تبغ، وساعة ذهبية مرصعة بالجواهر هدية من الملك فاروق، ومسبحة فاخرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين! وكان يسمي هذه الأقانيم الثلاثة: «عدة للنصبِ على النساء!»
ومما يدل على اعتداده بنفسِهِ قوله في صـ٦٤ : ”أشرتُ في سياق الحديث آنفا عن الخطر الداهم الذي كان يهدد حياتنا في كل لحظة وأنا أدير هذا الجهاز الضخم في الإذاعة العربية في برلين. لقد كانت المسؤوليات الملقاة على عاتقي صعبة ضخمة.
فقد كنتُ مطّلعاً على أسرارِ الوضع الداخلي والخارجي في ألمانيا وفي أوربا. وكنتُ بحكم علاقاتي الواسعة النطاق مع رجالات وزعماء وملوك ورؤساء العرب والشرق بأقسامه الثلاثة: الأدنى والأوسط والأقصى! ناهيك عن معرفتي التامة بماجرَيات الأحوال في المغرب العربي.
أقول بعد قراءةِ كتابات البحري؛ أنه رجل لا يُعتمد عليه كمصدرٍ موثوق، فإن المبالغة الشديدة حاضرة في أقواله، وأيضًا مما يجعل رواياته جديرة بالشك، ما ذكره مالك بن نبي عنه. ثم أقول: أكثر في كتاباته من أخبار الفاتنات والملاهي والخلاعة والمجون؛ وهذا أمر يوضح للقارئ مدى ديانةِ الرجل.
جاري تحميل الاقتراحات...