فهد.
فهد.

@I0ll

35 تغريدة 425 قراءة Sep 28, 2019
”هُنا برلين .. حيّ العرب”
حديثنا اليوم عن الصحافي المفوّه، والمغامِر المغمور، والرجل الأعجوبة؛ يونس بحري، المتوفى في هذا الشهر (مارس) من عام ١٩٧٩م. هذا الرجل الذي طواه النسيان، كان ذا سيرة حافلة بالأحداث. أتقن ست عشرة لغة عالمية، وتزوّج أكثر من ٤٠ امرأة، وله ٦٤ ولدًا عدا الإناث!
ولد يونس صالح خلف الجبوري في الموصل سنة ١٩٠٠م. كان ذا قامة طويلة، وشعر أشقر، وعينان زرقاوان. درس في مدارس الموصل، وامتهن الصحافة في وقتٍ مبكر. دخل يونس معترك السياسة كمعلقٍ صحفي وإذاعي في بداية الثلاثينيات قبل وبعد تتويج الملك غازي الأول ملكا على العراق.
كان يونس صديقا للملك غازي، وبينهما توافق في الأفكار، منها أنهما يميلان إلى حكومة (الرايخ الثالث) أي حكومة هتلر، ويعاديان السياسة البريطانية. ولتفرّد شخصيته فقد تعرّف على الملك عبدالعزيز في عشرينيات القرن الماضي، بل وكلّفه المؤسس بمهمة نشر الإسلام في مناطق جنوب شرق آسيا.
لم يكن هذا الصحافي الفلتة داعية إسلامي، ولا متديناً بما فيه الكفاية، ولكنه كان خطيباً مفوّها، أُوتي من الفصاحة ما يلفت الأنظار، مع صوتٍ جهوري، وأُسلوب ساحر ينفذ إلى قلوب سامعيه في التوِّ واللحظة، وهذا ما سهّل عليه النجاح فيما كلّفه به المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله.
بعدَ اغتيال الملك غازي -وكانَ صديقاً له كما ذكرنا- كتبَ يونس قصة مقتلة في إحدى الصحف وقام يوزع نسخ الصحيفة بنفسهِ على دراجة نارية موضّحاً أن عبد الإله ونوري السعيد قد تآمرا مع الإنكليز واغتالوه.
عندما قفز هتلر إلى الرايخ الألماني في بدايات الثلاثينيات، شُغف به بعض العرب أيما شغف، آملين أن يكون منقذهم من الاستعمار الفرنسي والإنكليزي. شدّ الرحال يونس بحري إلى ألمانيا، ونجح في مقابلة الرجل الثاني في الرايخ وهو وزير دعاية هتلر «غوبلز»، وأقنعه بفكرة تأسيس إذاعة برلين العربية.
كان الهدف منها أن تكون ضد إذاعة B.B.C البريطانية، لتخاطب المشرق العربي. بدأ بث الإذاعة وأطلق يونس بحري عبارته الشهيرة المزعجة للبريطانيين: ”حيّ العرب.. هُنا برلين!”. فكانت هذه العبارة لصيقة بشخصية هذا الرجل العجيب يونس بحري.
لم يقف طموح يونس بحري عند هذا الحد بل طلبَ من غوبلز أن يسمح له أن يفتتح إذاعته بتلاوة من القرآن الكريم. تريّث غوبلز واستشار الفوهرر، ثم نجح يونس في لقاء هتلر، وأخبره بأن بداية الإذاعة بالقرآن ستشد العرب للاستماع. وفعلاً بعد أيام كانت إذاعته الصباحية تُفتتح بآيات من الذكر الحكيم.
أصبح يونس بحري أحد المقربين للقيادة النازية، ومُنِحَ رُتبة عسكرية بدرجة ماريشال، وكان يحضر الحفلات الرسمية والصليب المعقوف على كتفه! خُصصت الإذاعة التي ينطق من خلالها لمهاجمة الحلفاء، وتوعية الجماهير العربية للخطر المحدق بهم كأمة.
أتقن البحري ست عشرة لغة عالمية قراءة وكتابة، وقد وصلَ عدد زوجاته إلى أكثرِ من أربعين امرأة، وكان يقول: ”لقد بدأت بشهريار الإيرانية وانتهيت بشهرزاد السورية”. ولُقب بـ«البحري» لأنه دخل مسابقة لعبور المانش، فشارك دون تحضير سابق أو تدريب وفاز بالمركز الأول!
كان رجلاً عجائبياً، عمل مرة -كما في مقدمة مذكراته- مراسلاً لإحدى الصحف الهندية، وأصبح في وقتٍ آخر مفتيا في أندونيسا؛ جاءه مرة أحد السكان ومعه فتاة جميلة يريد منه أن يعقد قرانه عليها، وكان الرجل مسنا، فأخبره أن هذا لا يجوز شرعا، فصدّق المسكين وتزوجها المفتي يونس!
عاد إلى العراق قبل ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م.. اعتُبر بعد ذلك أحد أنصار نوري السعيد، فاعتُقل ومكث في سجن أبو غريب ٧ أشهر، ثم أطلق سراحه لعدم كفاية الأدلة، وعدم وجود قضية أصلاً! وتم ذلك بعد مقابلة حامية مع عبدالكريم قاسم. وقيّد ما جرى في السجن بأسلوبٍ ساخر ولغة رفيعة بمذكراته المطبوعة.
بعد إطلاق سراحه من السجن افتتح مطعماً في منطقةِ الكرادة، وكان هو الذي يطبخ فيه! وسرعان ما تحوّل المطعم إلى منتدى ثقافي وفِكري. لم يعجب عبدالكريم قاسم هذا الوضع، وسمح له بالسفر إلى لبنان بعد أن أخذ منه وعدًا بعدمِ مهاجمة نظامه بعد مغادرة البلاد، فلم يفِ بهذا الوعد طبعا.
أصدرَ يونس بحري حوالي ١٦ عشر كتابا، منها: «هنا برلين.. حيّ العرب» و «العراق اليوم» و «سبعة أشهر في سجون قاسم» وغيرها. كما أصدر صحيفة «العرب» في باريس، ومجلة «الكويت والعراقي» في أندونيسا مع صديقه مؤرخ الكويت عبدالعزيز الرشيد.
كانَ البحري يتنقل حاملاً في حقيبته الدبلوماسية ٤ أشياء: الجواز، قنينة عَرَق، فرشاة أسنان، أدوات حلاقة. شارك في التظاهرة التي تدلل على وطنيته -كما يذكر خالد عبدالمنعم العاني-، والتي تحوّلت إلى هجوم على القنصلية البريطانية قرب منطقة المحطة في مدينة الموصل حيث قُتل القنصل البريطاني.
لم يتحسر في حياتهِ على شيء، فقد عاش راهبًا وراقصًا وسكيرًا وصحافياً ورحالةً متنقلاً بين الزوجات كما لو كُن بلدانًا يطوف بها، وكان الحصول على المال من أيسر الأشياء بالنسبةِ له؛ ومع هذا ماتَ وحيدًا مفلسًا في بيتِ أحد معارِفه في الباب الشرقي ببغداد، وكان ذلك في مارس من عام ١٩٧٩م.
من طرائفه أن أحدهم زاره قبل وفاته وأخذ يتحدث عن نفسه بشكل بطولي وكيف أنه خدع أحد أفراد الشرطة.. بعد مغادرته قال البحري: ”ضحكنا على ذقون ملوك ورؤساء سنين طويلة وهذا يتفاخر بأنه خدع شرطياً !!”. حكم عليه بالإعدام ثلاث مرات خارج الوطن، وداخله أصدر نوري السعيد حكم الإعدام بحقه غيابيا.
قابل يونس البحري الملك عبدالعزيز.. وبينا هو في مجلسهِ إذ بُشّر الملك بولدهِ الثالث والستين. نظر الأمير فيصل إلى يونس بحري وابتسم، انتبه الملك فسأل ولده عن الخبر؟ فقال: ”بلغ عدد أولاد البحري ٦٤ ولدًا”. فسأله الملك: صحيح يا يونس أن عدد أولادك ٦٤! قال: الذكور منهم فقط يا طويل العمر!
وأنا أقرأ تراث مالك بن نبي رحمه الله فوجئتُ بأنه قد لقيَ يونس البحري! وحديث ابن نبي يُعتبر إضافة مهمة عن حياة هذه الشخصية، وهو -لمن أراد- موجود في ”مذكرات شاهد للقرن صـ١٠٩” وفي أعماله الكاملة جـ٤ صـ١٩٥٠.
يقول ابن نبي:
”.. تعرّفنا إلى شخصية لا تقل غرابة، وقد أدّت أيضًا بطريقة لا شعورية دورًا مؤلِّفًا لأفكارنا واندفاعها في اتجاه معيّن. إنه «يونس البحري» وكان آنذاك شابا بين العشرين والثلاثين. ولم نكن نعلم كيف وصل من بغداد وحل في مدينتنا ضيفًا على عمي إسماعيل وتعرفنا إليه.
لقد شرح لنا مدير مكتبة النجاح بطريقة غامضة حكاية ضيفه الذي وصل من مكان غير معروف عبر طنجة. وكان يظهر مرتدياً الجلابية المغربية، وقد أثار وجوده في قسنطينة انتباه المسؤولين عن الأمن والنظام. فاستشعروا (خطرًا) وراء ذلك اللباس المغربي.
حين عرفناه لم يكن يرتدي الجلابية، بل كانَ قد تخلى عنها وتزيّا بالزي الحديث، الطربوش وربطة العنق والبنطال. وكان بناؤه الرياضي يعطيه مظهرًا جميلاً بالإضافة إلى أنه «يملك ناصية اللغة العربية». وقد جعلت له هذه المَلَكة تأثيرا عميقاً في جماهير شمالي إفريقيا.
حين أخذ يتحدث إليها من مذياع برلين في أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما وضع نفسه في خدمة دوائر الدعاية الألمانية التي كان يشرف عليها غوبلز. إذن كان الرجل يملك ما تتعطش إليه تلك العقول المجتمعة في مقهى بن يمينة، الباحثة عن الجديد، سواء كان في السياسة أم الأدب أم الأخبار العادية.
وكانت لديه أقاصيصه الشخصية، سواء كانت صحيحة أم مُخْتَلَقة فقد داعبت أحلامنا. وكان يبدو لي خاصة أحد الرحالة أو الباحثين عن الآفاق الجديدة. وحينما حدثني عن رحلته إلى أستراليا، وهي في الغالب خيالية، فتح لنزعتي إلى التنقل والتشرد بُعدًا جديدًا”. انتهى.
وأنقل لكم ما كتبه ابن نبي أيضًا في صـ١١٥ من مذكراته، يقول: ”.. باختصار كان هؤلاء الأشخاص جميعًا يعملون على تحديد شخصيتي في ذلك العصر. «يونس البحري» ومحمد طاهر العنيزي وبوماكيه وبن يمينة وكاندياك وجون ديوي”.
وفي جـ٤ صـ٢١٧٧ [الأعمال الكاملة لابن نبي] يقول: ”ما زالت موجة الفصاحة تستولي على جمهور المقاهي التِبسية، إلا أن أسماء الفصحاء قد تغيّرت، منذ أصبح «يونس بحري» يتكلم من إذاعة برلين، فغطى صوته المهدار أعلى أصوات مسموعة مثل B.B.C وراديو باري”.
قرأتُ الجزء الرابع من كتابه «هنا برلين .. حي العرب»، وهو عبارة عن مذكرات سياسية صاغها يونس بحري بأسلوب رشيق متمرد لا يخجله ذكر الملاهي الليلة والشمبانيا ! في الكتاب صور نادرة، ومعلومات جديدة عن النازية وأعلامها؛ الفوهرر هتلر، وغوبلز، وهيملر، ويوزاف ديتريش، ومارتين بورمان، وغيرهم.
تحدّث في هذا الجزء عن ماجدة غوبلز وإيفا براون، وأشار إلى علاقة هتلر بالأولى! وفي صـ١٣١ قال عن غوبلز: ”وكان غوبلز بالرغم من مشاغله السياسية المتزاحمة من سُمّار الليل وقوامه يُحب الرقص والموسيقى، ولم تكُ رجله العرجاء لتحول دون إجادته الرقص!”.
في صـ٢٠ يذكر عن صديقٍ له اسمه: عبدالمسيح جيد، أنه كريم يعطيك ما تريد إلا ثلاثة أشياء يعتز بها: علبة دخان ذهبية تستوعب ٢٥ لفافة تبغ، وساعة ذهبية مرصعة بالجواهر هدية من الملك فاروق، ومسبحة فاخرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين! وكان يسمي هذه الأقانيم الثلاثة: «عدة للنصبِ على النساء!»
للبحري أسلوب خاص في الكتابة، انظر إليه مثلاً عندما تحدث عن رشيد عالي الكيلاني: ”وهناك في برلين.. «الزعيم»، ليس هتلر بالطبع! بل الزعيم رشيد عالي الكيلاني، الذي أطلقت عليه لقب (الرئيس الشرعي لحكومة الثورة في المهجر) في إذاعاتي من برلين، هكذا اعتباطًا وغرورًا مني لا أقل ولا أكثر!”.
ومما يدل على اعتداده بنفسِهِ قوله في صـ٦٤ : ”أشرتُ في سياق الحديث آنفا عن الخطر الداهم الذي كان يهدد حياتنا في كل لحظة وأنا أدير هذا الجهاز الضخم في الإذاعة العربية في برلين. لقد كانت المسؤوليات الملقاة على عاتقي صعبة ضخمة.
فقد كنتُ مطّلعاً على أسرارِ الوضع الداخلي والخارجي في ألمانيا وفي أوربا. وكنتُ بحكم علاقاتي الواسعة النطاق مع رجالات وزعماء وملوك ورؤساء العرب والشرق بأقسامه الثلاثة: الأدنى والأوسط والأقصى! ناهيك عن معرفتي التامة بماجرَيات الأحوال في المغرب العربي.
كل هذه المعلومات تفيد في السياستين السلمية والحربية، ففي استطاعتي وأنا في موقفي ببرلين أن أحطم أكبر رأس في العالم وأفضحه وأجعله حديث المجالس والتندر والتفكّه. أو بالعكس أصنع منه قديسًا يُصلّى على أذياله، ولا يُذكر اسمه إلا بالحمدِ والتقدير والشكر!”. انتهى.
أقول بعد قراءةِ كتابات البحري؛ أنه رجل لا يُعتمد عليه كمصدرٍ موثوق، فإن المبالغة الشديدة حاضرة في أقواله، وأيضًا مما يجعل رواياته جديرة بالشك، ما ذكره مالك بن نبي عنه. ثم أقول: أكثر في كتاباته من أخبار الفاتنات والملاهي والخلاعة والمجون؛ وهذا أمر يوضح للقارئ مدى ديانةِ الرجل.
أختم الحديث بكلمةٍ له أعجبتني، يقول:
”إن الكرامة في هذهِ الدُّنيا الفانية هي القصد من الوجود، فإذا ما فقد المرء كرامته فإن معنى الوجود يصير أتفه من قردٍ يقبع وراء قضبان قفصه الحديدي، يتلقى فتات الطعام من المتفرجين عليه”.
والسلام.

جاري تحميل الاقتراحات...