تأملات
تأملات

@Yspmw9

58 تغريدة 518 قراءة Sep 04, 2019
بسم الله الرحمن الرحيم ..
تحت هذه التغريدة سأكتب عن شيء من علم المعاملة مع الله وصفاء الحال معه وشيء من آفات النفوس وإشارات إلى منازل العبودية وهجرة القلب إلى الله .
١- حتى نفهم هذا الطريق ونثمّن المعاملة مع الله ونقدرها قدرها ينبغي أن نُدرك ونعي مفتاح هذا الأمر فإذا وعيناه طارت الأفئدة طوعا إليه وسجدت القلوب تعظيما له ومفتاحه كلمة ( لا إله إلا الله )
٢- فالإله معناه المعبود ولا يكون المعبود معبودا إلا لما فيه صفات الكمال والجلال الدائمة الأبدية التي استحق بها أن تخضع له الرقاب وتحنّ له القلوب فمحبوبها الأول هو تعالى ومرهوبها الذي لا يُدانى هو تعالى .
٣- فالمعبود الذي انساقت أرواح خلقه إليه لأنه يملك كل شيء ( ولله ملك السموات والأرض ) فما تراه خزائن الأموال وفيوض الجمال وقطرات الغيث وحبات الرمال وسر الحياة من هواء وماء وغذاء كله يملكه هذا المعبود العظيم فلا يتحرك شيء إلا بإذنه ولا يسكن إلا بعلمه .
٤- فلن تنال ما تريد من مُلكه إلا بإذن منه في الملكوت الأعلى ولن تستطيع على مبتغاك وأمنيتك إلا بقدرة منه فهو الذي يحقق المستحيل بقلب الأضداد كما جعل النار بردا لخليله ومن دونه تتلاشى الأنداد كما نزع الأرواح بالموت من الأجساد وهذا هو قوله ( له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )
٥- وكل ما فتنك وأسر لبّك وأغشاك سكرة الميل والهوى فمبدعه هذا الإله سبحانه وكل ما رشق قلبك بمنجنيق الرعب من الأحوال والأهوال والشواخص فخالقه هذا الإله فلا نفع ولا ضر إلا وهو صانعه ونفعه وضره مقصور بأمره وإذنه ( وله ما سكن في الليل والنهار )
٦- إذا عرفتَ هذا الإله المعبود بعموم ملُكه وبديع خلقه وسعة قدرته وشمول علمه أدركت أن القلوب والأرواح خلقت له لتحبه الحب الأكمل والأول له لا لغيره والخشية له والتعلق به لا لغيره وأن عذاب القلب والروح بصرف تلك المحبة والتعلق والرهبة لمخلوق مثلك مربوب في كنف خالقه .
٧- إذا فهمتَ هذا المعنى ولمس هذا المفتاح لبّ فؤادك ستُدرك العنى الكلي في معاملته والأدب معه والجد في طلب رضاه وهذا ما سنخوض منه طرفا في تتبع منازل العبودية ومعالم السير إلى الله ومعراج الروح إليه .
٨- فأول السير إلى الله المعبود المقصود بالمحبة والرغبة والرهبة لا أحد غيره هو الصدق وله درجات :
أولها : صدق الإرادة ( ومن يُرد ثواب الآخرة نؤته منها ) ( يريدون وجهه ) ومبدأ الإرادة الهمّ ومنتهاها الهمّة .
٩- فأنت ماذا تريد بصلاتك ؟ ماذا تريد بطاعتك ؟ ماذا تريد بإطلاق لحيتك ووفور حجابكِ ؟
هل تريد فعلا وصدقا ( الله ) و ( الدار الآخرة ) أم تريد بإرادة تجللها الحياء بأدنى غرض لشخصك ؟
١٠- من هنا تُمتحن الإرادة وجُلّ من تخطفته المغريات من طريق السير إلى الله كانت إرادته ضعيفة إما ( بالقصد ) أو ( الغش ) فيها فالأول قد يكون موفور العلم يعلم حدود الله لكن تغلبه نفسه لضعف إرادته فلا يقوى إلا بالصدق والآخر كانت إرادته مغشوشة ليست صافية .
١١- وهذا الثاني هو الذي يختل السيئات ويترصد غياب العيون عنه لينتهك محارم الله ولا يُفوّت فرصة إلا اهتبلها وفيهم قال الله ( والذين يمكرن السيئات ) ومكر السيئات منشأه غش الإرادة فهو يريد حظ نفسه في مطعم وشهوة حاضرة أكثر من إرادته الله تعالى والدار الآخرة .
١٢- وذنوب الخلوات آتية حقا من كذب الإرادة ( فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ) فصفاء الإرادة وتنقيتها عن أي غرض والعزم على توجيهها لله والهدف الأسمى وصونها عن كل ما يُخلّط عليها سبب في حسن الحياة بالطاعة والاستقامة وسبب في حسن الخاتمة ومن هذا تعلم حال السلف في الزهد والخلطة ..
١٣- وقلة الكلام مع بركته لأنّهم وضعوا الإرادة تحت الملاحظة ورعوها حق رعايتها خشية أن تُخدش فينفلت زمام الصدق فينبت النفاق في القلوب فأول الأمر هو تصحيح الإرادة وصدقها قبل الدخول في الدرجة الثانية .
١٤- وهذه الإرادة تُمتحن كما تمتحن الأجساد فغطيط نومك مع حي على الفلاح مظهر من امتحان الإرادة ( الله ) تريد أم ( لذة نومك ) ؟
وذاك الحسد الذي ينهش فؤادك مع سلامة الصدر للمؤمنين مظهر من ابتلاء الإرادة ( الله ) تريد أم ( شفاء غيظك ) ؟
وتلك الفاتنة والأغنية ووو ..
الإرادة في اختبار
١٥- أما الدرجة الثانية في الصدق فهو تحقيق الإرادة والإتيان بها على أرض الواقع بشيئين :
أولا : بالمسارعة فيه والمسابقة إليه
ثانيا : بالثبات عليه والاستقامة فيه
تأمل قول الله لإبراهيم ( يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا ) أي حققتها على أرض الواقع لما طرحت ابنك اسماعيل
١٦- وتأمل قوله تعالى ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ) أي حققوا شرائع الإيمان فالصدق هو إثبات الرغبة منك لخالقك ومحبوبك على أرض الواقع فهنا يظهر الصادق من الكاذب وادّعاء المحبة بدون عمل شهادة زور .
١٧- وأول أمر فيه المسارعة والمسابقة إليه فدليل الصدق إذا سُمع النداء سرعة الإجابة وجهوزية الشخص لأي طاعة وحث النفس على الإقبال عليها ( وعجلت إليك رب لترضى ) وهذه العجلة إليه برهان صدق ألا ترى إلى المنافقين ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى ) لأن الخلل عندهم في الصدق .
١٨- فأي عمل ترى نفسك فيه مترهّلة ملتوية عنه بنوازع الشواغل فاعلم أن منسوب الصدق فيه قليل وحتى يزداد هذا المنسوب فعليك بالمبادرة فقط هي من ستعالج هذا الخلل .
١٩- أما الأمر الثاني من الدرجة الثانية فهو الثبات على الطاعة فهذا من علامات الصدق فالكاذب لا يثبت إلا على أرض المصلحة أما الصادق ففي ثوب السراء والضراء جبل أشم وتأمل قول الله ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) فسمى الثبات صدقا
٢٠- ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته لأن من سنّة المحبين الصادقين أن لا يبذل شيئا لمحبوبه ثم يمنعه منه والدنيا لا تساوي جناح بعوضة قد رضّت قلوبنا بفتنها فما بالك بجنّة زيّنها الرحمن وفخّمها فلا ينالها إلا أهل الصدق ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر )
٢١- ومن دقيق علم المعاملة مع الله ومتينه أن تُسلم قصدك ونيتك لله وأن تصونه مما يُكدّره من رغباتك الشخصية وهو المعبّر بالإخلاص ( بلى من أسلم وجهه لله ) أي جعل قصده لله تعالى لا لغيره .
٢٢- فالإخلاص أن تعمل العمل على التجرد من حظوظ النفس فلا تلتفت لثناء أو مكسب ترجوه ممن دون الله وأن يكون العمل محصورا في طلب الرضى والعفو منه تعالى .
٢٣- فمن الناس من يبذل الطاعة بقصد العوض منه فإذا علم أن الطاعة جالبة للسعادة والطمأنينة وأنها سبب للخير والبركة في الدنيا قبل الآخرة بذلها على انتظار هذا المكسب أولا لا على جهة العبودية مخلصا ومعظما للخالق .
٢٤- وهذا الحال في العبادة ليس صافيا فيأتي التخليط في التديّن ومن هنا قال السلف ( من صفّى صُفّي له ومن كدّر كُدّر عليه ) يعني أن صفاء النية بالإخلاص والصدق موجب لصفاء الحال مع الله وثباته لأنّ الرغبات المنفعية منعدمة أو متأخرة عن الرغبة الأولى وهو الله تعالى .
٢٥- ومن أكبر دوافع الإخلاص أن تعلم أن ما تطلبه من رغباتك سواء كانت مكاسب شخصية أو غيرها هي ملك لله فلا يملك القلوب والمنافع إلا هو ولن تأتيك إلا إن أذن لها وأن طاعتك له وإقبالك عليه يُذلّل ما تطلبه ويجعله في يدك ( له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )
٢٦- ومن درجات الإخلاص تفريغ القلب من الهموم إلا همّ محبته ورضاه وتعظيمه فلا يكون قلبك إلا له وهذا هو معنى قول الله ليوسف ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المُخلِصين ) بكسر اللام على قراءة فيوسف لم يُشغل قلبه بهمّ الشهوة ويجول فكره فيها قبل هذا الحدث ..
٢٧- لأنه لو شُحن قلبه بهذه الأمور هذه الفكرة لكان أقرب ما يكون إلى الوقوع ولكن لأنّ قلبه كان يجول في ملكوت الله وتتبع مواطن حبّه ورضاه وحركات قلبه بوصلتها الآخرة كان الخلاص من هذه الكارثة هو النتيجة .
٢٨- فالحل في الخلاص من الفتن هو أن ينشغل قلبك بها وروّضه في الجولان في طاعته وإعمال الفكر في ما يرضيه وفي همّ الآخرة ولا تلتفت لأمر الدنيا فالمكتوب سيأتي والمقدور واقع لا محالة وبهذه الحالة الصافية سيأتيك رزقك بأدنى سبب وأيسره .
@mooo7aal ٢- ولماّ قال المشركون لأهل الإيمان ( أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ؟) يعني كيف يرزق هؤلاء الهداية والدرجات العالية في الإيمان والعمل ونحن لا نُرزقها ؟
قال الله جوابا لهم ( أليس الله بأعلمَ بالشاكرين ؟ ) يعني الله يعلم الشاكر لهذه النعمة من الذي سيضعيّها
@mooo7aal ٣- وذوق حلاوة الإيمان والسكينة وأنوار الهداية وصدق التديّن نعمة لا تساويها نعم الأرض كلها ففيها حلاوة الدنيا وموصلة لحلاوة الآخرة كثيرا ما تُسلب لأن التقصير فيها واضح وحاصل ممن كانت عنده وهذا يتبيّن لك من أمور :
@mooo7aal ٤- أولا : كثيرا ما ينظر الحاصل لهذه النعمة أنّه موهوب لها بجهده وعمله فينظر إلى تعبه فيقول هذه نعمة الله علي بسبب صبري وتعبي في الطاعات وبتركي لملذات مغضبة لله وبهذا كُوفئت وهذا ما يُعبّر عنه ( غياب مشهد المنّة وحضور مشهد الذات )
@mooo7aal ٥- بحيث أنّك وإن نسبتَ النعمة إلى الله لكن في قرارة في نفسك تجد لك الفضل والحق أنك إذا استحضرت ( وما بكم من نعمة فمن الله ) خضعت تطلعات القلب إلى وادي الذل وانبرى قلبك شاكرا متضرعا لا يرى إلا محض الفضل منه إليك
@mooo7aal ٦- ثانيا : من شكر هذه النعمة كي تبقى وتزيد تقوى الله في تحقيق الطاعة وأن لا ينقص منها شيء وتأمل قول الله ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) فتقوى الله من الشكر والشكر مثبّت للنعمة ينمّيها ولا ينقصها والحاصل أن الكثير ممن وُهب هذه المنزلة قصّر في التقوى مع طول الأمد فرحلت عنه
@mooo7aal ٧- ثالثا : عدم صون هذه النعمة عن ما يُكدّرها من المباح لوّثها ومع تعاقب الأيام تآكلت فلا أحد يُرزق بهذه الأعطية إلا وتُحبب له الخلوة مع رقة القلب وجولان الفكر في ما يُرضي الله والوحشة من كل ما يجرح هذه الكرامة الربّانية لكن مع ابتذالها في المخالطة والعيث في المباح ترتفع تدرجا
@mooo7aal ٨- والسؤال هنا مع ضوضاء الحياة المعاصرة وسيل التقنية والفضاء المفتوح لكل باقعة ( ماذا تركنا حتى نُعطى ؟ )
ما هي الأمور التي ترغبها النفس تُركت لوجه الله رعاية لمقام الإيمان في القلب ؟
دعك من الحرام والكلام منصب في المباح
تجد أن الكسل صار مطلبا حياتيا فلا نقدر على الترك كسلا
@mooo7aal ٩- وتظن النفس أن هذا الكسل والدعة هو الطريق إلى الراحة والحق أنّ الراحة لا تُنال إلا بشظف النفس لأن تركيبة النفس هكذا معجونة راحتها بتعبها وأنّ أمراضها متولدة من سيلانها وخمولها وكسلها فيجب أن تعتاد النفس على الترك والجهد في الطاعة لتنال فضل الله تعالى .
@mooo7aal ١٠- وأخيرا قد يُعامل عبده بهذه الطريقة ( ذقتَ فاجتهد ) قد يُذيقك الله حلاوة ونعيما أول الطريق مع أنّ العمل والحال القلبي لا يبلغ أن يُكافىء بهذا ثم يرفع هذه النعمة ليُعلمك أنّ هذه الأعطيات الباهرة يلزم فيها الاجتهاد والترك له تعالى فكأنه أذاقك ليرى ما أنت عامل .
٢٩- ومن منازل الرغبة في الله والسير له منزلة التوبة وهي أن تنسى ذنبك وأن لا تنساه فمعنى نسيان الذنب الأول أن تنسى حلاوته ولذّته أمام عظمة من عصيته به وخالفته في مملكته فلا حلاوة أمام ما يُغضب الجليل الكبير .
٣٠- وأن لا تنساه بمعنى ذكرك له على وجه المعاتبة والخوف والفزع أن تلقاه يوم العرض على الله أو أن يلتهب جسدك عذابا بسببه فمن تاب على هذا الوجه يُرجى صلاح حاله وحُسن سيره .
٣١- وحقيقة التوبة ترك الجريمة صغيرة كانت أو كبيرة إجلالا للمنعم جلّ وعلا وهذا الترك يرقى إلى درجة بغض المخالفة إذا ارتوت شريان القلب من الإجلال والمحبة لهذا الخالق الوهاب .
٣٢- والناس في باب التوبة على نوعين :
منهم من يتوب اختيارا ورغبة بأدنى تنبيه من الله إليه فيقرأ الأحداث بعين البصيرة فيرجع ويتوب ويرغب إلى الله وهذا تحته أصناف فمنهم من يتوب تعظيما لله ومنهم دون ذلك .
٣٣- أما النوع الآخر فمنهم من تسوقه المصائب إلى الله وتزجره المقادير عن ما هو عليه فيسلك الجادة من لذع سياط الحوادث التي جرت له وينبت بعدها الإيمان في قلبه كما ينبت البذر في الحدائق الغنّاء .
٣٤- والتوبة أن يسرق قلبك نور الجلال والعظمة وأغصان الجنّة ووديانها الفيحاء وأبديّتها وألم النار وجهومتها عن طريق الشهوات والشبهات ثم تنتقل تدرّجا إلى عالم الملكوت عن قيودالمادة ومللها .
٣٥- وصفاء التوبة وكمالها أن ترغب في الله وفي ما عنده فقط فقط فقط فهذا أكمل أنواعها ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) فلفظ الإيمان يوحي بهذا المعنى والجزاء بالفلاح شامل للآخرة والأولى .
٣٦- ومن صور علم المعاملة ومنازلها منزلة ( الرضا ) أن ترضى عن الله مقاديره وقضاءه فيك فما فعله في تدبير أمورك وترتيب حالك تستقبله بصدر رحيب منزوع منه شوك الضيق والحرج ( ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس )
٣٧- وهذا الرضى ينشأ بمعرفتك بربوبية الله وقيامه على كل نفس إيجادا وإعدادا وإمدادا على وفق الحكمة البالغة وعلى قانون الرحمة الواصلة ( رضيتُ بالله ربّا )
٣٨- فترضى في ما قضى عليك وتسعى في تصحيح ما صدر منك لأنّ ما يُقدّر مربوط بما تفعل ( قل هو من عند أنفسكم ) فلا تلومنّ أفعال الرحيم العظيم وأنت تشحن السماء بشرارات الذنوب وانتهاك المحارم .
٣٩- فإذا صحّ مقام الرضى في نفسك على أي حالٍ كنتَ نالتك العصمة ووُهبتَ الفضل وتأمل حال يوسف عليه السلام حين دعته المرأة قال ( إنّه ربي أحسن مثواي ) وهو في مقام العبودية والخدمة في القصر يقول أحسن مثواي الله تعالى .
٤٠- على أحد القولين فنظر إلى أفعال الله فيه بعين الإحسان فعصمه الله من الفتنة ووهبه الفضل وجعله من المحسنين ( كذلك نجزي المحسنين )
٤١- فلم يتذمّر على حاله وسلق قدَرَه بلسان حديد .. بل نظر إلى الله بكامل الرضى وقمة التسليم وتمام التعلّق فجازاه الله من جنس ما وقر في صدره مع العطاء الذي يناسب فعل الله فصار نبيا ملكا سيّدا كريما ..
٤٢- وهذا المقام ( الرضى ) يُذيقك طعم العبودية لله بأن يُضعفك عن ( التعلّق ) فلا تتعلّق بمال ولا أي شكل من أشكال الجواذب المادية والإنسية والأرضية لأنّك راضٍ عن الله ما جاء عنه ومستغنٍ به عن غيره .
٤٣- وفي هذا جاء في الحديث ( ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس )
غني عن كل أحد .. لأنّ قلبك مشحون بالقناعة والرضى .. وسرّ طلبك فوق حاجتك أنّك أقنعتَ عقلك أن راحتك في ما تطلب فوق حاجتك فهنا تفتقر لما عند غيرك عما عندك ولو رضيت واقتنعت لم تتعلق وكنت أغنى الناس .
٤٤- وإذا قبل الله توبتك فمعنى ذلك أنّه خلّصك من ضرر الذنوب وسمومها فإنّ للذنب ضررا على سعادة الدنيا والآخرة وأكبر سمومها أن تحجب صاحبها أعظم لذة في الحياة وهي معرفة الله كما أن أعظم الآخرة النظر إلى وجهه .
٤٥- ومن مُكمّلات التوبة والصدق فيها أن يُذيق المرء نفسه ألم الطاعة كما أذاقها لذّة المعصية كما أنّ الرجم للثيب الزاني وللبكر الجلد لأنّ حرارة التطهير تُذهب لذّة الحرام .
٤٦- وقد قالوا في التوبة النصوح ( وتوبوا إلى الله توبة نصوحا ) أن يُذنب الذنب ثم لا يعود فيه كما جاء عن عمر وابن مسعود ومعنى ذلك أن يقوى عزمك على إتلاف مادة الميل للمعصية في قلبك وبغضها بغضا عقليا الذي يورث بغضا طبعيا .
٤٧- ومن معاني النصح في التوبة أن يُدمن الطاعة ويلزم غرزها لأنّ من خلص من الذنب لزم الطاعة ولزومها سبب للتباعد عن الذنوب لا محالة .
٤٨- وأقل ما في الرضا أن يقطع طمعه عمّا سوى الله ( الجيلاني في الغُنية )
واعلم أنّ من العيب على المريد لله أن يركن بقلبه للعبيد إذا كان يجد عند الله كل ما يريد فإذا رضي عن ربّه لم ينظر قلبه لزخارف الأرض إلا بعين الإجلال لخالقها وعظمة مبدعها .

جاري تحميل الاقتراحات...