د. سُبّاحة
د. سُبّاحة

@t_w_1988

36 تغريدة 75 قراءة Dec 08, 2019
[ تجربتي مع القراءة ]

صبيةٌ تقْفزُ مع الصغيرات في سنها ، وأحيانًا كانت تزاحم الكِبار ، تبحثُ عن رغباتٍ وأمنياتٍ تنسابُ في ينابيع طفولتها الطرية .
أقصى ما كانت تتمنى = حلوى تقضمها أو قطعة بسكوت تتملاها .
" يا بنتي .. رُزِقتِ عقلًا قلَّ أنْ يُهبَ لأحد " ، كانت هذه جملة من والدي قالها لي بينما نجلس على سُفرة طعامٍ على حصيرٍ في صباحِ صيفٍ على رأس جبلٍ في قريتنا الصغيرة والخُضرة تُحيط بجلستنا تلك .!
قبل أكثر من إحدى وعشرين عامًا ، وفي تلك المدرسة الابتدائية ، ذات المبنى المستأجر ، في إحدى أزقَّة تلك المدينة التي ولدت بها ونشأت ، حُجرة بالية قد رُمي بها عددٌ من الكُتب المبعثرة والغبار يعلوها طامسًا عناوينها ، زين لهم الشيطان فعلهم بكتابة لوحة على بابها (المكتبة المدرسية) .!
أمينة المكتبة تجلس على طاولة مُرّهلة ، بعدها بأمتار طاولة قراءة لرواد تلك الحجرة بمقاعد من حديد .!
تشرب الشاي ، وتقضم الحَبَّ -الفصفص- ، " يا بنتي ليه ما تروحين مع زميلاتك الفسحة تفطرين ؟! ، كل يوم جاية المكتبة هنا "
كان ذهابي لتلك الحجرة وجلوسي بين غبارها الذي كان كفيلًا بإصابة إحداهن بالرَّبو ، لم يكن لأجل القراءة أو الكتب ، لا إطلاقًا ، كان بسبب أني لا أحب الخُلطة مع الطالبات ، وما وجدت مكانًا ألوذ به إلا تلك التي يدَّعون أنها مكتبة مدرسية .
لكن في طيَّاتِ المِحن تُولد المِنح .!
وقعت عيني ذات يوم على صورة غلاف أعجبني ، وربما حتى العنوان استلطفته .
( الأميرة النائمة ) من ' سلسلة ليديبرد ' الحكايات المحبوبة .
هذه السلسلة كانت لبنةً أولى في طريقي ، كانت لذيذة مناسبة لذاك العمر ، لتلك العقلية ، ولذلك الوقت .
واكتشفتُ بعد عُمر أنها أيضًا كانت بداية للكثير :)
قرأتها .. لأجد من ذات السلسلة عنوانًا آخر (جميلة والوحش) .
بعدها بدأ تربصي بسؤال والدي لنا في آخر كل عام دراسي :
" من يأتي بأعلى نسبة ومعدل وشهادة شكر وتقدير = يختار الهدية التي يريدها "
اعتكفتُ على دراستي لتكون الهدية لي آخر العام .
بعد خطوتي تلك ، وبحكم ذاك الجيل كانت المُشغلات قليلة وما كنت ألتفت لها ولا يستهويني إلّا صباح الخميس حينما نستيقظ باكرًا أنا وأخواتي لنتابع على تلفاز قديم :
( سالي ) أو ( هايدي ) أو ( ماركو ) وغيرها ، ووالدتي تحظر لنا إفطارًا من جبن كرفت وخبز أبيض وشاي فيه ورقات من الحبق / ك
انقضت تلك المرحلة ، لتُرشحني مدرستي الابتدائية للالتحاق بإحدى المدارس النموذجية -على قلتها في ذلكم الوقت- في المرحلة المتوسطة .
لتكون الإنطلاقة الفعلية .!
إذ وقعتُ على رواية بعنوان ( قطر الندى ) للعريان .
واستعرتها وما أعدتها إلى يومي هذا ، ولن أعيدها إلا بحكمٍ قضائي :)
' محمد سعيد العريان ' هذا تلميذ ' الرافعي ' البار ، وهو الذي أخرج كتبه ونقَّحها وطبعها .
وترجم لأستاذه الكبير في ( حياة الرافعي )
وهذا الكتاب كان لهُ أثرٌ عليّ في قراءة سير أدباء مصر الكِبار ، سآتي على تلك المرحلة في حينها .
وهنا أشير إلى لفْتة :
كنّا قديمًا نجد أثرًا واضحًا للمكتبات المدرسية ، بل انتقاء الوزارة للكتب التي يتم وضعها في مكتبة المدرسة كان انتقاءً رائعًا ثريّاً في المضمون .!
وليت تفعيلها وأثرها يعود كما فرحنا البارحة بخبر إعادة مادتي الخط والإملاء .
بعد تلك المرحلة التي كانت للقصص الصغيرة .
هبطت عليَّ روايات ' أجاثا كريستي ' ، ولا أتذكر الأن كيف ؟!
هل صديقة لي أعارتني روايةً من رواياتها ؟
أو اشتريت رواية وأعجبتني بعد ذلك ؟
المهم = أني أدمنتُ القراءة في رواياتها ، لاسيما التي تجلَّى الذكاء فيها ، مثل :
في هذه الأثناء تطورت القراءة لدي -مجرد القراءة لا المعرفة والمعلومات- فأصبحت أحس بأن القراءة جزء من يومي ومن حياتي .
بدأ هذا الإحساس في داخلي ينمو ، وكنت أحس بشيء ينقصني فترة الاختبارات حينما أنهمك في مذاكرة دروسي .!
في هذه الأثناء انعقد معرض كتاب في مدينتي -كنت في آخر الثانوية- فزرناه مع أستاذة النشاط وكانت معلمة للغة العربية .
وفضلها علي لا أنساه ، مع أني في المسار العلمي ، إلّا أنَّ بصمتها وأثرها عليّ باقٍ حتى اليوم !
مدَّت يدها لكتاب (وحي القلم) للرافعي وأعطتني إياه ، وبدأ الثراء المعرفي
شوقي ، حافظ إبراهيم ، مترادفات ومعانٍ لكلمات لغوية ، مقالات أدبية بأسلوبٍ عالٍ في الطرح ، المتنبي الأسطورة .. الخ
كل هذا وذاك بدأ يطرق عقلي في تلكم المحطَّة التي نقلتني من مجرد القراءة إلى قراءة القراءة .!
كان ' الرافعي ' بابًا لأتعرف على ذلكم الجيل والعصر الذي جاد بأدباء كبار
ففُتحَ لي باب الأدب بشتى فنونه ، كيف ؟
لا أدري !
تعرفت في الإجازة التي كانت قبيل مرحلتي الجامعية على :
الطنطاوي
طه حسين
العقاد
أحمد أمين
وعائشة بنت الشاطيء وعلاقتها بالمعري
وغيرهم
كانت مرحلة تخبُّط أدبي لذيذة
' الطنطاوي ' في (الذكريات) كان له فضل كبير .
إذ نثر بين أسطره كثيرًا من العناوين ومن الأسماء ومن الفوائد والدرر التي كانت بالنسبة لي أحلى من أقاحِ الرَّوض في اليوم المَطير .!
والشيءُ بالشيءِ يذكرُ
من أكثر ما انتفعتُ به في هذه المرحلة = كُتب السِّير الذاتية والتراجم الأدبية :
(الأيام) طه حسين
(أنا) العقاد
(حياتي) أحمد أمين
(حياة الرافعي) العريان
(قصة قلم - محمود شاكر) عايدة الشريف
(الذكريات) الطنطاوي
فكان لها وقعٌ في نفسي وصقلٌ لما فيها من تجارب ووقفات
وهنا أصابني غرور بالمعرفة ووهجُ بداية .!
وهذا الشعور يتدفق عادةً بغزارةٍ في المرحلة الأولية وما جاوزها أيام غضارة القراءة وتورُّدِ وَجَناتِ المعارف .!
والحقيقة أني كنت في بداية الطريق ، بل ما زلت .
وهنا أقول باسترخاء تام : إنَّ العراقيل الداخلية ربما كانت أشد فتكًا بالقارئة والقارئ = وأعني منها ما يتصل بأوهام التَّنفُّجِ ورؤيةِ الذَّات والولع بكثرة الالتفات لتلك الخطوات اليسيرة والمنجزات الأولية في الرحلة مع الكتب .
وبالون الزهو هذا يُحسِنُ تجفيفَ منابعه وتقليصَ مناطق نفوذه على الفور من سلك طريق المقصد الرئيس للقراءة والذي دلَّ عليه الرافعي في قوله :
في هذه المحطة التي وقفت فيها لزمن = فصقلتني وعرفتُ فيها تِيك الكُتب التي هي جماع علوم الأدب ومحاسنه وغرره :
( الكامل ) للمبرد
( زهر الآداب ) للقيرواني
( عيون الأخبار ) لابن قتيبة
( بهجة المجالس ) لابن عبد البر
( العقد الفريد ) لابن عبد ربه
وكان فيها معرفتي بدواوين الشعر والشعراء
ودلفتُ بعدها لكتب المعاصرين في الباب نفسه ، كـ :
( قصص العرب )
( أيام العرب ) وكلاهما للبيجاوي وزملاءه .
ومنها ( بلوغ الأرب ) للآلوسي ، وهذا من نفائس الكتب المحررة المُتقنة .

لن أطيل هنا ، لأن هذه المرحلة امتدت لفترة ، وما بعدها كان أهم بالنسبة لي ، وهي المرحلة الفكرية .
حصلت معرفتي بـ ' عبدالوهاب المسيري' في بدايات المرحلة الجامعية .
هنا بدأ القوام المعرفي الفكري بالنسبة لي ، فسيرته التي تحدثت عنها مرات في أكثر من سلسلة لم تكن سردًا مجردًا لمواقف وأحداث .
فهي سيرة غير ذاتية وغير موضوعية ، سيرة مفكر يلتقي في فضاء حياته الخاص بالعام .
ولهذا فهو لايذكر القضايا الفكرية المجردة وحسب ؛ وإنما يشفعها دائمًا بأحداث من حياته أو اقتباسات من كتاباته تبين كيف ترجمت القضية الفكرية العامة نفسها إلى أحداث ووقائع محددة في حياته الشخصية الخاصة .

بدأت الموضوعات الفكرية تطرق عقلي ، والمباحث الفلسفية تُعرضُ بين سطور ما أقرأ وأطالع .
علمتُ حينها أني لا أفتقر إلى برنامج ينظِّمُ القراءة ، أو خطة تُدرِّج مطالعتي ، فالصناعة المعرفية العلمية ليست متعلقة بذلك فحسب .!
بل هي مرتهنة قبل ذلك بسدد بصيرة وارتياض ملكة بالعلوم والمعارف .
في هذه النَّقلة الجذرية التي أعدها من أجمل مراحلي في رحلتي .
بدأت القراءة عندي تميل للتأصيل والمنهجية في المعارف والفنون ، مع القراءة الفوضوية التي أعدها من اللذائذ والنِّعم .!
هنا بزغت لي شمس شيخ العربية 'محمود محمد شاكر'
فالقراءة في كتب أبي فهر مضاد حيوي وترياق مُجرب ضد الخور والهزيمة الفكرية .
مما وقع لي أنْ قرأتُ للجاحظ والتوحيدي ومن بعدهم ، وقرأت لمعاصريه كالرافعي والزيات والعقاد وطه وغيرهم قبل قراءتي لـ 'محمود شاكر'
لكن في رأيي = 'محمود شاكر' مالكُ أزمَّة البيان العربي ، ومن قرأ له بعقله قبل لسانه وعينه = فقد شحذ شفرة عقله ولسانه على أجود مِسنٍّ .!
يقول المفكر الكبير ' مالك بن نبي ' عن شيخ العربية :
مما أحمده أن صورة " الصوارف المعرفية " تنبهتُ لها في تلكم المرحلة باكرًا ، لذا كانت القراءة بالنسبة لي مقننَّة .
والصوارف المعرفية = هي تلك التي تحيد بالقارئة والقارئ عن صلب المعرفة إلى هوامشه .
فترى الشخص مرةً غارقًا في كتب ثانوية ، وأخرى في سجالاتٍ الفكر وقضايا فارغة .
هنا بدأت تحدٍّ مع نفسي ، وهو أني أقرأ في كل العلوم والفنون بقدر استطاعتي .
كان تحدٍّ صعب لصعوبة تخصصي العلمي التطبيقي مع مواجهة العلوم النظريَّة والآداب .
لكن لا أدري كيف أني بعد حينٍ اجتزتُ ذلك التحدي بشكل مرضي مقبول في نفسي - ولا زال قائمًا إذ لا نهاية للمعارف -
الأدب العالمي والغربي كان في تلك السنون قد بدأ .
عكفتُ عليه لوقت ، وعلمت حينها أنَّ الترجمة فنٌّ وحسٌّ وأفق معاني قبل أن يكون علمًا تنظيريّاً .
ولذا يقول المسيري : إن الترجمة (تفسير) وليست ترجمة كلمات حرفيًا ، لذلك يجب على المُترجم أن يكون مثقفًا حتى يستوعب النص وينقل معانيه .
( الحرب والسلم ) هذه الملحمة الروائية من ثِقال ما دخلت به عالم الأدب العالمي ، وكانت بطبعتها الأولى التي أهلكتها بين يدي .!
ولا زلت كل ما سنح لي وقت أعيد القراءة فيها بطريقة أخرى .

وبذكر ' تولستوي ' أذكر أنه كان يرى أن المثقَّف والكاتب لابد أن يعيش بدون زوجة ، ويكون وحيدًا :)
( الحرب والسلم ) كتاب يتجاوز التصنيف في فئة من فئات التأليف الأدبي ، فهو إضافة إلى قيمته الأدبية والتاريخية ؛ يقدم رؤى حول مسائلَ كبرى : حول تعارض حب الحياة مع مأساةِ الحروب ، والدور الذي يمكن أن يلعبه الأشخاص في مجرى التاريخ ، ودور الشعب بكل فئاته .
@omfaisal_a عين رضًا منكِ أنوار ❤️

جاري تحميل الاقتراحات...