أدهم الخطيب
أدهم الخطيب

@Adhamakhatib

29 تغريدة 60 قراءة Mar 01, 2020
آلية عمل الكون حتى نهايات القرن التاسع عشر كانت مفهومة إلى حدٍّ كبير بالمعايير الفيزيائية الكلاسيكية(فيزياء نيوتن وجيمس كلارك ماكسويل وغيرهم)لكن مع عشية وداع القرن التاسع عشر، ظهرت عدّة مشاكل فيزيائية عكست القصور الإدراكي للفيزياء الكلاسيكية، فأزاحتها معرفياً أو قلّصت من وجودها.
أحد تلك الإشكالات تمثّلت في معضلة إشعاع الجسم الأسود (Blackbody Radiation)، ولتعريف ماهيّته، ومعضلته التي كانت سبباً في قلب الجهاز المفاهيمي للكون، وجب التمهيد لمعرفة ماهيّة الإشعاع وآليته وطرق دراسته.
كل الأجسام الفيزيائية تطلق إشعاعاً حرارياً (Thermal radiation). بشرط أن تمتلك تلك الأجسام درجة حرارة أعلى من الصفر المطلق. هذا الإشعاع الحراري يكون على إشعاع كهرومغناطيسي، وتعتمد كمية ونوعية هذا الإشعاع على درجة حرارة الجسم المطلق للإشعاع.
فالجسم الذي يمتلك درجة حرارة عالية، يكون ذو تردد عالي، وطول موجي قصير والعكس صحيح. بمعنى أن العلاقة عكسية بين الطول الموجي والتردد.
كل الأجسام الحرارية لا تسخن من تلقاء ذاتها لكي تطلق إشعاع كهرومغناطيسي، بل تحتاج
إلى مصدر خارجي يسخّنها، بمعنى يثير ذراتها ويعطيها طاقة حركة، لكي تعكس الإشعاع الحراري. أحد تلك الطرق تسليط ضوء خارجي، حيث تقوم ذرات الجسم بامتصاصه ومن ثم إطلاق الإشعاع الحراري.
جميع الأجسام الفيزيائية تمتص الأشعة الساقطة عليها وفي نفس الوقت تعكس وتمرر البعض منها، لكن الجسم الأسود لا يعكس ولا يمرر أي أشعة، بل يمتصها بشكل كامل ومن ثم يطلقها بشكل كامل، ولهذا سُمّي بالجسم الأسود (Blackbody).
Blackbody radiation" or "cavity radiation" refers to an object or system which absorbs all radiation incident upon it and re-radiates energy which is characteristic of this radiating system only.
not dependent upon the type of radiation which is incident upon it. The radiated energy can be considered to be produced by standing wave or resonant modes of the cavity which is radiating.
hyperphysics.phy-astr.gsu.edu
الإشكالية الأخرى :
أنه وكما نعرف فيزيائياً أن الأشعة الكهرومغناطيسية تصدر بشكل مستمر.
بمعنى آخر : طاقة الإشعاع يجب أن تزداد بزيادة التسخين، لكن ما تم ملاحظته تجريبياً يعكس قلقاً حقيقياً، فبزيادة التسخين تزداد طاقة الإشعاع إلى قيمة عظمى محددة ثم تبدأ بعدها بالنزول السريع.
هذا الشكل يمثل العلاقة بين طيف الإشعاع (Spectral emittance) والطول الموجي (wavelength) في درجات حرارة مختلفة، حيث أن طيف الإشعاع يزداد طردياً مع الطول الموجي، حتى يصل إلى قيمة عظمى ثم يبدأ بعدها بالنزول السريع.
اكتشف بعدها فين wien علاقة تجريبية بين القيمة العظمى، ودرجة الحرارة.
بمعنى آخر : حاصل ضرب طول الموجة العظمى في درجة الحرارة يعطي دائماً ثابت تجريبي، سُمِّيت هذه العلاقة السابقة بقانون فين للإزاحة (wein's displacement law).
لن أدخل في التفاصيل العميقة جداً، كعلاقة قانون فين بتوزيع بلانك الخ...
لكن سأكتفي بتقريب الفكرة التي أدّت لبزوغ منهج التكميم. ومن أراد التوسع فليتوسّع، المراجع والدوريات الأكاديمية متوفرة بكثرة.
من القوانين الفيزيائية الأخرى والتي مهّدت الطريق لبزوغ فكرة التكميم قانون رايلي-جينز الكلاسيكي (Rayleigh - Jeans Classical Law).
حيث حاول العالمان تفسير الإشعاع أو الإنبعاث الطيفي للجسم الأسود، باستخدام قوانين الميكانيكا الكلاسيكية والأشعة الكهرومغناطيسية.
الآن سأوضّح لكم بعض المعادلات التكاملية والتي اعتمدها العالمان في تفسير إشعاع الجسم الأسود بشكل مطلق، حيث فشلت تلك المعادلات في تفسير زيادة كثافة الطاقة (Energy density) مع نقصان الطول الموجي (Wavelength decrease) إلى حدٍّ معين ثم الهبوط السريع.
باستخدام قوانين الميكانيكا الكلاسيكية والأشعة الكهرومغناطيسية اشتقّ العالمان المعادلة النهائية لطاقة الجسم الأسود.
حيث :
(E) تمثل مستوى الطاقة وتعطى باستخدام توزيع بولتزمان (Boltzmann Distribution).
بمعنى : دالة التردد (V) ودرجة الحرارة (T)
وبتطبيق توزيع بولتزمان للطاقة (E) ستوزع نظاماً من الجسيمات على مستويات الطاقة المختلفة.
لتعميم كثافة الطاقة (Energy Density) وهي طاقة جزئية، للحصول على الكثافة الكلية للطاقة نقوم بتكامل كثافة الطاقة على جميع الترددات.
كما نلاحظ هنا أن النتائج التجريبية لإشعاع الجسم الأسود لا تفسرّها معادلات رايلي جينز الكلاسيكية، حيث أن قانون رايلي جينز يذهب إلى اللانهاية (∞) مع إرتفاع طاقة الإشعاع، وهذا يخالف التجربة بل تُنبّئ بمشكلة أخرى عويصة وهي الكارثة ما فوق البنفسجية (Ultraviolet Catastrophe).
من التجربة السابقة تتّضح عدة مشاكل فالتجارب العلمية تخالف تنبؤات معادلات رايلي - جينز الكلاسيكية.
حيث يتنبّأ قانون رايلي - جينز باستمرار كثافة الطاقة (Energy Density) مع نقصان الطول الموجي (Wavelength) لكن في التجربة تصل الطاقة إلى قيمة عظمى ثم تبدأ بعدها بالنزول السريع.
فشلت نظرية رايلي - جينز في تفسير إشعاع الجسم الأسود (Black-body radiation) باستخدام قوانين الفيزياء الكلاسيكية والأشعة الكهرومغناطيسية.
- لكن هل الخطأ في النظرية؟ أم قوانين الفيزياء الكلاسيكية؟
أجاب عن ذلك العالم الألماني ماكس بلانك في عام 1900m، عندما درس توزيع إشعاع الجسم الأسود (Blackbody Radiation) وافترض أن الذرات في تجويف الجسم الأسود تسلك سلوك الهزات التوافقية (Concurrent tremors)، والتي تأخذ قيماً منفصلة صغيرة، وليست متصلة كما تُنبأ النظرية الكهرومغناطيسية.
ببرهنة خطأ إستخدام رايلي جينز متوسط الطاقة الكلية المعتمد على درجة الحرارة (T) بدل التردد (V).
للتنويه : مصدر الطاقة في كلا النظريتين (الكلاسيكية لرايلي جينز والكمية لبلانك) واحد وهي المهتزات التوافقية للجسيمات المشحونة في جدران الجسم الأسود، لكن الفرق في ماهية الإشعاع.
ففي النظرية الكلاسيكية للعالمان رايلي جينز الإشعاع متصل، بينما في النظرية الكمية لبلانك الإشعاع منفصل.
ومنه استنتج بلانك معادلته الشهيرة التي تعتمد على أن طاقة الإهتزازات الذرية تساوي E=nhv.
حيث :
E= الطاقة الكلية للموجات الإهتزازية
n= عدد صحيح أي 1,2,3,....
h= 6.63×10^−34 J.S (ثابت بلانك)
كما نقرأ هنا :
From the assumption that the electromagnetic modes in a cavity were quantized in energy with the quantum energy equal to Planck's constant times the frequency, Planck derived a radiation formula.
hyperphysics.phy-astr.gsu.edu
معادلة بلانك تتفق بصورة مذهلة مع النتائج التجريبية لإشعاع الجسم الأسود حيث تعامل بلانك مع طاقة الهزازات الكلية وقسّمها إلى وحدات صغيرة تدعى الكم (Quantum) وهي أصغر وحدات الطاقة فيزيائياً، عكس النظرية الكلاسيكية لرايلي جينز والتي تعاملت مع الطاقة على أنها وحدات متصلة، وفشلت بسببها
ختاماً: بلانك قلب عالم الفيزياء رأساً على عقب، وأدخلها في ثورة علمية جديدة (ثورة الكم)، وجديرٌ بالذكر أن فكرة بلانك لم تلقى قبولاً واسعاً في بداية الأمر فقد كانت دخيلة على المجتمع العلمي في ذلك الوقت.
وكانت تخالف النظرية الكهرومغناطيسية صراحةً حتى أن بلانك نفسه كان متحفظاً عليها. لكن الآوان قد فات وتم إثبات النظرية تجريبياً مرة أخرى على يد آلبيرت آينشتاين في تفسير مشكلة التأثير الكهروضوئي (photoelectric effect)، وهذا هو موضوع تغريداتنا القادمة.

جاري تحميل الاقتراحات...