أسامة الواعظ
أسامة الواعظ

@osamax300

30 تغريدة 91 قراءة Jan 24, 2020
"ندِمتُ نَدامةَ الكُسَعي"
هذه من الأمثال السائرة عند العرب في الحسرة والندم، فمن هو الكُسعي؟ وما حديثُه؟
سألخص حكايته -بحول الله- من كتاب
#الفاخر للمفضل بن سلمة (ت٢٩٠ھ)
#المحاسن_والمساوئ لإبراهيم البيهقي (ت٣٢٠ھ)
#الزاهر لأبي بكر الأنباري (ت٣٢٨ھ)
#المحكم_والمحيط_الأعظم لابن سيده (ت٤٥٨ھ)
فَمِن ذلك أن الكُسَعِي قد اختلف أهل العلم في نَسَبه:
. فقيل هو من اليمن.
. وقيل من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان.
. وقيل إنه رجل من بني كُسَع ثم أحد بني محارب.
يقال له غامد بن الحارث.
وكان يَرعى الإبلَ بوادٍ كَثير العُشب، ثم إنه أبصرَ نَبْعَةً في صخرةً، فأعجبَته، وأراد أن يصنع منها قَوسا، فأخذ يعتني بها في كل يوم ويُقَوِّمُها حتى كبرت، فقطَعَها وجفَّفَها وصنع منها قَوساً.
وأنشأ يقول:
يا ربِّ وفِّقني لِنَحتِ قَوسي
فإنها من لذَّتي لِنَفسي
وانفَعْ بقَوسي وَلَدي وعرسي
أنحتُها صفراءَ مثل الوَرْسِ
صَلداءَ ليست كَقِسيِّ النكْسِ
[النبعة: نوع من الشجر ينمو في الجبال، تتخذ منه القِسِيّ، وفي رواية ابن سِيدَه في #المحكم أنها كانت شجرة الشَوحَط، وهي نوع آخر معروف تصنع منه القسي كذلك، والله أعلم بالصواب]
ثم صَنَعَ لها خمسةَ أسهُم، وأخذ يُقَلبُها في كَفِّه ويقول:
هنَّ -وربي- أسهُمٌ حِسانُ
تَلذُّ للرامي بها البَنانُ
كأنما قَوَّمَها ميزانُ
فأبشِروا بالخِصبِ يا صِبيانُ
إنْ لم يَعُقني الشؤمُ والحِرمانُ
ثم خرج مساءً، حتى أتى موارد المياه، فمر به قطيع من حُمُر الوَحشِ، فرمى بسهمه عَيْراً فأصابه واخترقه السهم، حتى أصاب صخرةً في جبل فأورى شَراراً.
فظن الكُسَعي أنه أخطأه..
فأنشأ يقول:
أعوذُ بالله العَزيز الرحمنْ
من نَكَد الجَدِّ معاً والحِرمانْ
مالي رأيتُ السهمَ بين الصّوّانْ
يُوري شَراراً مثلَ لونِ العِقْيانْ
فأُخلِفَ اليومَ رجاءُ الصِّبيانْ
[العَير بفتح العَين: هو الحِمار
والعِقيان: الذَّهَب]
ثم انتظر حتى مر به قطيع آخر، فرماه بالسهم الثاني، فأصابَ منه عَيراً كذلك واخترقه السهم ومضى حتى أصاب صخرة فأورى شرراً، فظن كذلك أنه لم يصبه
فأنشأ يقول:
لا بارك الرحمنُ في رمي القتَرْ
أعوذ بالخالق من شر القَدَرْ
أَنمَخَطَ السهمُ لإرهاق الضَرَرْ؟
أم ذاك من سوءِ احتيالٍ ونَظَرْ؟
ثم مر قطيع آخر، فأعاد الكرة ووقع له مثل ما وقع قبله
فقال:
أيا لشؤمي وشقائي ونَكَدْ
قد شفَّ مني ما أرى حرَّ الكَبدْ
أُخلِفَ ما أرجو لأهلٍ ووَلَدْ
[ هذا السهم الثالث وأبياتُه أسقطَها صاحبا #الفاخر و #المحاسن، وأثبتها صاحبا #المحكم و #الزاهر ]
ثم أقبل قطيعٌ رابع فأعاد الكرة، فوقع كما وقع في سابقه
فقال:
ما بالُ سَهمي يُوقِدُ الحُباحِبا
قد كنتُ أرجو أن يكونَ صائبا
وأمكَنَ العيرَ وأَبدى جانِبا
وصارَ رأيي فيه رأياً خائبا
[الحُباحب: هو الشرر الذي يظهر عند تصادم الحجارة ونحوها]
ثم مكث على حالِه، حتى مرَّ به قطيعٌ آخر، فرمى عَيرا منه، وتكرر معه الموقف.
فأنشأ يقول:
أبعدَ خَمسٍ قد حفظتُ عَدَّها
أحمِلُ قَوسي وأُريدُ رَدَّها
أخزَى الإلهُ لِينَها وشدَّها
واللهِ لا تَسلَمُ مني بعدَها
ولا أُرَجِّي ما حَييتُ رِفدَها
ثم عَمَدَ إلى القَوسِ فضربَ بها حَجَراً فَكَسَرَها.. ?
ثم نام..
فلما أَصبَح..
نَظَر.. فإذا الحُمُر حولَه مَصروعة..
وأَسهُمُه بالدَّمِ مُضَرَّجة..
فنَدِم على كَسرِ قَوسه أيما نَدَم
ثم شَدَّ على إبهامه فقطعَها وهو يقول:
ندمتُ ندامةً لو أنَّ نَفسي
تُطاوعني إذن لقطعتُ خَمسي
تبَيَّنَ لي سِفاهُ الرَّأيِ مِنّي
لَعَمرُ أبيكَ حينَ كسرتُ قَوسي
فسارت مَثَلاً في الحسرة والندَم، وفيه يقول الراجِز:
نَدِمتُ ندامةَ الكُسَعيِّ لَما
رأت عيناهُ ما فَعَلَت يَداهُ
وقد استعمل هذا المثلَ عددٌ من الشعراء في قصائهم للدلالة على شدة الندم والتحسر على ما فات منهم.
فسأورد هنا ما وقفت عليه من أشعارهم، حسَب الترتيب الزمني، والله الموفِّق:
١. عَدِيُّ بن أوس بن مرينا
قال يذم عَدِيَّ بن زيدٍ ويَتَهدَّدُه في الأحداث التي سبقت وقعةَ #ذي_قار :
ألا أبلِغ عَدِياً عن عَدِيٍّ
فلا تجزع وإن رَثَّت قُواكا
أيا كلباً يهِرُّ لغير فقرٍ
لتُحمَدَ أو يَتِمَّ به غِناكا
=
فإن تَظفر فلم تَظفر حَميداً
و إن تَعطُب فلا يُبعد سِواكا
ندمتَ ندامةَ الكُسَعي لمَّا
رأت عيناكَ ما فعلت يَداكا
#تاريخ_الطبري
٢. الحُطَيئة (ت٤٥ھ):
قال لأبي سهم عود بن مالك بن غالب:
فيا ندمي على سهمِ بن عَوذٍ
ندامة ما سفِهتُ وضلّ حِلمي
ندمت ندامة الكُسَعي لمّا
شرَيت رضا بني سهم برغمي
ندمت على لسان فات منّي
فليت بأنه في جوف عِكمِ
هنالِكمُ تهدّمت الركايا
وضمَّنتُ الرَّجا فَهَوت بِذَمي
#خزانة_الأدب للبغدادي
٣. الفرزدق (ت١١٤ھ):
وحكايتُه مع "نَوار" امرأته مشهورة في كتب الأدب، ينبغي على الأديب معرفتها، وحاصلها أن الفرزدق احتال عليها بحيلة ليتزوجها، فلجأت إلى ابن الزبير ليخلصها منه، إلا أنها اضطرت أخيراً إلى الزواج منه، وأنجبت له ولداً ثم طلقها، فندم على ذلك أشد الندم، وقال هذه الأبيات:
نَدمتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لمَّا
غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقَةً نَوَارُ
وكانت جَنَّتِي فَخَرَجتُ منها
كَآدَمَ حين أخرجه الضِّرَارُ
وكنتُ كَفَاقِئٍ عَينَيهِ عَمداً
فأَصبحَ ما يُضِيءُ له النَّهارُ
ولا يُوفي بحُبِّ نَوَارَ عندي
ولا كَلَفي بها إلا انتِحَارُ
٤. محمد بن الصباغ الصقلي (ت؟):
قال يعظ رجلاً باع جارية له ثم ندم وأراد إرجاعها فلم يقدر:
ندمتَ ندامة الكسَعي لما
تبطَّنَها يُباضِعُها سواكا
رأت ما سد كعثبَها وأَودى
بغُلمتها فلجَّت في جفاكا
فلا تذهب بلُبكَ طائشاتٌ
من الصَبوات واسترجع نُهاكا
#الذخيرة_في_محاسن_أهل_الجزيرة للشنتريني
٥. الحسين بن الحسن بن أبي نصر الموصلي (ت؟):
ألا يا سادةً مازالَ قلبي
لِطول فِراقِكُم في ضيقِ سِجنِ
وحقِّ جَميلِ ما أَولَيتُمُوني
من الإحسانِ لم تُتبَع بِمَنِّ
إليه صادقٌ أني إذا ما
ذكرتُكُمُ شَرَقتُ بماء جَفني
فعَيني ما رأت حَسَناً سِواكُم
وغيرُ حَديثكم ما راقَ أُذْني
فقدتُ لطولِ غَيبتكم سُروري
ومُذْ فارَقتُكُم واصلتُ حُزني
نَدِمتُ نَدامةَ الكُسَعي لكن
على أوقاتِكم وقَرَعتُ سِنِّي
كفى حُزني فِراقكم وحَسبي
بِشَوقي أنه ما انفَكَّ عَنِّي
#مسالك_الأبصار_في_ممالك_الأمصار
لابن فضلِ الله العُمري (ت٧٤٩ھ)
٦. غَرسُ الدين محمد بن أحمد الخليلي الأنصاري (ت١٠٥٧ھ):
قال وهو يمدحُ القَهوة، ويتحسَّرُ على ما فاتَ من عُمرِهِ دون أن يَعرفها:
نَدِمتُ نَدامةَ الكُسَعيْ عَلَيها
لِما قد فَاتَ من أَيَّامِ عُمري
سأدمِن شُربها ما دمتُ حَياً
ولا أُصغي إِلى زَيدٍ وعَمرِو
وأَجلو عينَ أغياري وهَمِّي
بِصافيها سَحيراً قبلَ فَجرِ
فَرَأيي الآن يا من رامَ نُصحي
اذا شاهدتَها في الحانِ فَاجْرِ
وَلِمْ لا وهيَ مَشروبُ العَوالي
من الساداتِ في بَحرٍ وبَرِّ
هي الراحُ المُريح لِكُل رُوحٍ
وَلم تُمزَج وَلم تُوجَد بعَصرِ
وكلُّ مُخَالفٍ فِيهَا فإني
أُسَفِّهُ قَوْلَه مِن أهلِ عَصري
إلى هنا أكونُ قد انتهيتُ مما قَصَدتُ جَمعَه.
وقد أَسمَيتُ هذا المَجموع:
.
~ تَسلِيَةُ الكُسَعِيِّ عَن نَدامَتِه ~
~ بِرِوايَةِ المَأثورِ مِن حِكايَتِه ~
.
والحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين
وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم

جاري تحميل الاقتراحات...