من المنطقي أن نطرح على أنفسنا سؤالاً:هل التطور الطبي ساهم في إيقاف تطور حمضنا النووي؟العلوم الحديثة تُثبت أن الإنسان قد مرَّ بمراحل تطورية طويلة عبر ملايين السنين،لكنه، ولأسباب تكيّفية في صراع البقاء، بحاجة إلى طفرات جينية قد تُحدِث فارقاً في تلك المعركة.هل قللّ الطب من حدوث ذلك؟
تقوم الكائنات الحية بنقل جيناتها إلى الجيل التالي،أجيال وراء أجيال،نحن نتكاثر لكي لا ينقرض جنسنا عن الوجود. حين تُصارع الكائنات الحية على البقاء فإنها تحاول أن تكون متكّيفة مع بيئتها وقادرة على العيش بها. الطفرات الجينية كانت ، ولازالت، تلعب دوراً في تكيّف الكائنات الحية.
مع تطور الطب الحديث، هنالك اعتقاد شائع أن أجسادنا لم تعد بحاجة إلى طفرات جينية جديدة لكي تتطورّ وتتكيّف مع بيئتها، وجود الطب يُغني عن ذلك. فلو أُصيب الإنسان بمرض في الوقت الراهن فإنه سيذهب إلى المستشفى ويتلقّى العلاج. ماذا عن الإنسان القديم؟ إما أن يموت أو يُقاتل من أجل البقاء.
هنالك اعتقاد شائع آخر يقول أنه يجب على الإنسان أن يتورطّ في مشاكل صحية ليزيد من فُرص حدوث طفرات جينية قد تصنع فارقاً في مقاومته لتلك المشكلة الصحيّة، وهذا صحيح إلى حدّ ما، من هنا نشأت هذه الفكرة مع التطور الطبي: لن يهددك أي مرض تمكنَّ الطب من علاجه. فلماذا نتطور ونحن بخير؟
يُفاجئنا الدكتور لورانس بنفي تلك الشائعات، ويقول في هذا الشأن أن «تطور البشر لم يتوقف، يبدو أنه يشتغل بطريقة أسرع مما كان عليه منذ نشأة جنسنا». مؤكداً أن هنالك طفرات جينية تحدث ولا تزال تحدث للبشر، وأنها تنتقل للأجيال التالية وهذا ما يجعلها أقوى ممن سبقوها.
على سبيل المثال،هنالك دراسة علمية رصدت تطوراً جينياً لبعض البشر في البلدان الفقيرة التي لم يصلها الطب الحديث كما ينبغي.وجدوا أن الآباء قد طوّروا مقاومة جينية لمرض الملاريا Malaria وحمى لاسا القاتلة Lassa fever. ولا زال الكثير من الآباء في طُور صناعة مقاومات ليورثونها إلى أبنائهم.
وجاءت ورقة علمية أخرى لتُثبت وجود التطور الجيني للإنسان.وجد العلماء أن هنالك جيناً مسؤولاً لزيادة الأكسجين في الدم يُدعى EGLN1 .وهو يظهر بشكل مميز بأجساد سكان هضبة التبت Tibetan Plateau والألتيبلانيو Andean Altiplano بجبال الأنديز.هذا التكيفّ الجيني مهم للعيش في هذه الارتفاعات.
وهنالك أدلة أخرى تمَّ اكتشافها في الحمض النووي لشعب الأسكيمو Inuit . فنظامهم الغذائي غني بالدهون ويتوجبّ على أجسادهم أن تجد حلاً لذلك. ومن هنا نشأت طفرة تسمح للبالغين بإنتاج انزيم اللاكتوز Lactase ، المسؤول عن تحليل سكر الحليب بالجسم، مما ساعدهم على هضم الحليب عند بلوغهم.
يستطيع أكثر من 80% من سكان الشمال الغربي في أوروبا أن يهضموا الحليب بلا أي مشاكل بسبب هذه الطفرة. بينما لا يستطيع بعض سكان الشرق الآسيوي من هضمه لأن الحليب لم يكن غذاءً ضرورياً ومتاحاً لهم. وعلى ضوء ذلك، أكتسب الأوروبي طفرة جينية مفيدة مقارنة بالآسيوي من ناحية هضم الحليب.
بالرغم من تأثير البيئة على أجسادنا، إلا أن البروفيسور لورانس يؤكد أن الانتقاء الطبيعي لا يؤثر سوى على 8% فقط من الجينوم. العلم لم يفسرّ بوضوح، حتى الآن، عن السبب في التطور السريع لبعض الجينات دون الأخرى. ماذا يدفعها لأن تتسارع بهذه الوتيرة؟
جين HAR1 ، على سبيل المثال، هو واحد من الجينات التي تتطور سريعاً، وهو مهم لنمو الدماغ بشكل سليم. من الأمور المتعارف عليها علمياً أن الحمض النووي للإنسان متطابق بنسبة 98% تقريباً مع الشمبانزي. لكن هذا الجين، وفقاً للدراسة، فهو لايتشابه إلا مع 85% منهم. الإنسان يتطور بسرعة كبيرة.
ملخص: يعتقد بعض العلماء أن البشر يتطورون بسرعة غير مسبوقة، أسرع بحوالي 100 مرة مما كنّا عليه قبل 5000 سنة. وأن فُرص تكيفّ أجسادنا مع ما نعتقد أنه ضار قد يكون ممكناً. لكن لحُسن وسوء الحظ، قد لا نستفيد من هذا التكيفّ، لكن قد يستفيد أبنائنا مما سنورّثهم إياه إن أكتسبنا صفة جيدة.
الورقة العلمية حول تطور أدمغة البشر السريعة على Nature : nature.com
الورقة العلمية للجين الذي ساعد سكان المرتفعات على زيادة مستويات الأكسجين في دمائهم : journals.plos.org
الورقة العلمية لآباء طوروا مقاومات جينية لمرض الملاريا عبر السنوات : pnas.org
جاري تحميل الاقتراحات...