1-هذه سلسلة تغريدات عن موضوع: (الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس بين الكنيسة والتيار العَلماني المضاد لها).
2-العلاقة التاريخية بين أرسطو والكنيسة وأرسطو والنهضة الأوروبية العَلمانية، مرت بتعرجات عديدة، ما بين التحريم والتكفير إلى القبول والتبني، وفهم تطور وتبدل الأسس الفلسفية التي قامت عليها الكنيسة، والأسس التي قامت عليها الحركة العَلمانية اللادينية في نقضها للكنيسة مهم جدًا هنا.
3-لقد مر أرسطو في عصور لاحقة من التاريخ الأوروبي المسيحي بعملية تنافس محمومة ما بين تبني الكنيسة لفكره، وتبني التيار المناقض والمناهض والهادم للكنيسة الذي استخدم نفس أسسها لضربها لكن من خلال إعادة تفسيره بما يُخالف تفسيرات الكنيسة اللاهوتية.
4-فالغرب في عصر النهضة من أدوات نهضته هو قيامه على التراث اليوناني ومنه تراث أرسطو لكن وفق تفسيرات عَلمانية متحررة من تفسيرات الكنيسة اللاهوتية التي كانت تحتكر فهم الدين والفلسفة.
5-وهنا عرض تاريخي موجز لتاريخ الكنيسة لفهم علاقتها بأرسطو.
6-مرحلة فلسفة القرون الوسطي، وهي مرحلة امتدت لقرونٍ طويلةٍ، حيث استغرقت عشرة قرون، من القرن الرابع/الخامس إلى القرن الرابع عشر/الخامس عشر الميلادي. وتُسمى في الكُتب الفلسفيَّة بـ "الفلسفة المدرسيَّة"، وهي تقابل في تاريخ الإسلام المعرفي: مرحلة مدارس علم الكلام.
7-ويُمكن تقسيم هذه المرحلة إلى أربعة أقسام:
8-المرحلة الأولى: مرحلة آباء وأساتذة الفلسفة الوسيطة، وأشهرهم: القديس أوغسطين (354-430)، مؤسس الأفلاطونية المسيحية، وأحد أبرز اللاهوتيين الذين أثروا في التراث المسيحي، وهو الذي صبغ المسيحية بالصبغة الأفلاطونية وتفسرها تفسرًا أفلاطونيًا.
9-ثم ديونيسيوس، وهو أسقف سوري متأثر بالأفلاطونية ترك بعده عدة كتب أصبحت مرجعًا في الغرب في الإلهيات.
10-المرحلة الثانية: مرحلة نهضة شارلمان، وتمتد من عهد شارلمان في الربع الأخير من القرن الثامن حتى نهاية القرن الثاني عشر. وتميزت تلك المرحلة بتكاثر المدارس التي أمر به شارلمان وخصوصًا في فرنسا وألمانيا.
11-وأبرز رجالاتها: جون سكوت، والقديس أنسلم (1109م). وأهم ما يميزها ضآلة أسباب ومصادر العلم، واعتمادها على فكر أوغسطين.
12-المرحلة الرابعة: عصر ازدهار الترجمة العربية، وهو القرن الثالث عشر الميلادي، وهو القرن الذي نشطت فيه الترجمات الأوروبية عن اللغة العربية لكتب أرسطو والكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد.
12-تقول جاكلين روس: "في القرن الثالث عشر ازدهر اللاهوت المدرسي، أخيرًا أكسب علم القرون الوسطى وتفتح الفنون ونهضة الأفكار السياسية هذه الحقبة خصائصها المميزة... وتدين أوروبا-الثقافة التي بنيت في القرون الوسطى كثيرًا للإسلام والعالم الإسلامي".
13-وتقول جاكلين روس أيضًا: "فلاسفة المسلمين غذوا الغرب اللاتيني، وأطلعوه بصورة خاصة على نتاج أرسطو، واعتُبر مفكرو القرون الوسطى الكبار من المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن رشد بصورة خاصة، كمرشدين للعالم المسيحي".
14-ومن أشهر المترجمين: مخائيل سكوت (1235م) اسكتلندي مارس الترجمة بمدينة طليطلة، كان أول من ترجم شروح ابن رشد على أرسطو. كذلك هرمان الألماني (1272م) الذي ترجم شروحات ابن رشد والفارابي وابن سينا.
15-وألفريد الإنجليزي الذي تعلم العربية في طليطلة وترجم عنها الكتب العلمية والفلسفية. وجيوم الأوفرني (1249م) من فرنسا، الذي كان يعرف الخورزمي والفرغاني والحسن بن الهيثم، وكان يستشهد بأقوال الفارابي وابن سينا والغزالي، وكان يصف ابن رشد "بالفيلسوف الشريف جدًا".
16-وكذلك الكسندر الهالي (1245)، الإنجليزي، الذي كان مُطلعًا على آراء ابن سينا وغيره من الفلاسفة الإسلاميين. وكذلك روجر بيكون (1294م)، الذي كان يُعلم في أكسفورد ثم باريس، فقد استفاد من كتب ابن سينا وابن الهيثم وكان يفضل ابن سينا على ابن رشد ويعتبره أهم شراح أرسطو وزعيم الفلسفة.
17-وأخيرًا، ألبرت الكبير (1280م) الألماني، الذي هذب مؤلفات ابن سينا وابن رشد وكان من أتباع الفارابي وابن سينا ويعارض ابن رشد.
18-فهذه الترجمات بعثت النشاط العلمي الهائل في المدارس المتنوعة، وكانت، وهذه أهم نقطة، بداية انفصال المدارس المدنية عن الكنائس والأديرة، وهي نواة تكون الجامعات.
19-وكانت في نفس الوقت سببًا لإثارة الفتن في المجتمع الأوروبي المسيحي بسبب ما تضمنته من مخالفة للمسيحية، ونواة النـزاع حول التفرقة بين العقل والنقل. وأهم ملمح لها هو التشبث بآراء أرسطو بالرغم من التحريم الكنسي لكتبه.
20-وإثر ذلك حصل انشقاق فكري داخل البيئة الغربية المسيحية نفسها إلى ثلاث اتجاهات: اتجاه أنصار أوغسطين-أفلاطون، وهو المذهب الذي كان سائدًا في العصور السابقة، والذين اعتمدوا على فلسفة ابن سينا الإشراقية.
21-واتجاه أنصار أرسطو بالمسحة المسيحية، والذين تزعمهم توما الأكويني (1274م) الذي أسس الأرسطية-المسيحية. والتيار المضاد للكنيسة وهو اتجاه أنصار الأرسطية-الرشدية، والتي انتصرت لتأويلات ابن رشد وكان مركزها في جامعة باريس.
22-وكانت النـزعة الأفلاطونية التي تزعمها القديس أنسلم، وبونا فنتورا، وإيكهارت، تعتقد، بما يلي: 1- بالوجود الواقعي للكليات (الواقعيين)، 2- يرون تطابق العقل والنقل، 3- فيهم نزوع للتصوف والروحانية.
23-أما النـزعة الأرسطية (الرشدية اللاتينية وغيرهم) فكانت تعتقد: 1- بالوجود الفردي، أما الكلي فلا وجود له واقعيًا (الأسميين)، 2- افتراق مجال العقل عن النقل، فلكل مجاله المختلف ولا مدخل لأحدهما في الآخر، 3- نزوع للمنطق والعقل.
24-المرحلة الرابعة: بوابة العهد الحديث. وهو القرن الرابع عشر الميلادي، تميز بخصائص جديدة كانت بمثابة الثورة على الماضي، ففيه تأسست الجامعات، كجامعة السربون عام 1253، وقامت بعدها بقليل جامعة أكسفورد.
25-فقد تميزت بالنـزوع للتجربة وللواقع والمعرفة الحسيَّة، والشك في العقل والمعقولات، وقطع الصلة بين التفكير العقلي والدين، وإقرار الإيمان بالدين دون سند عقلي، والتصوف، ومحاولة التحرر من سلطان أرسطو في العلم والفلسفة.
26-وأيدت التمرد على سلطة البابا، وقالت بوجوب الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية. واهتموا بدراسة الطبيعة وأسسوا الفصل بين العلم والدين كعلم مستقل.
27-كان الطابع الأساس في فلسفة العصور الوسطى هو معالجة المسائل الدينية، وكانت المقصود من دراسة الفلسفة خدمة الدين ونصرته، والهدف الأسمى هو تبرير الإيمان للعقل وجعل الفلسفة أداة للاهوت لتثبيت العقائد في نفوس المؤمنين.
28-ولذلك ظلت الفلسفة نحوًا من ألف عام تسير في خدمة المسيحية وتدور في فلكها [سواء كانت بنسخة أفلاطونية أو أرسطية] ، تقدم لها "البراهين العقليَّة والمنطقيَّة" لتثبيت أركانها.
29-وكانت الأجواء العلمية في الغالب شبه محصورة في الكنائس والأديرة، فالكنيسة كانت هي مصدر العلم الحصري، وكانت السلطة المعرفية محصورة في آباء الكنيسة. وكانت المسيحية في بداية هذه المرحلة متدثرة بالأفلاطونية، كما يُمثلها أوغسطين.
30-ثم بدأت شيئًا فشيئًا باتجاه فلسفة أرسطو، حتى اعتنقت الكنيسة آراء أرسطو، ورأتها جزءًا لا يتجزأ من الدين، وأمر بتدريس آراء أرسطو بالمسحة المسيحية التوماوية في معاهد الكاثوليك كلها، وبات نقده من الكفر!
31-يقول ﺟﻮﻥ ﺩﻳﺰﻣﻮﻧﺪ ﺑﺮﻧﺎﻝ: "أما الكنيسة فقد قررت أن نظام أرسطو-توماس ضروري لضمان صدق العقيدة". ويقول رونالد سترومبرج: "توما الأكويني هو الذي فتح الباب أمام المسيحية إلى فلسفة أرسطو الطبيعية".
32-ويقول الدكتور كريم متى: "اُعتبرت فلسفة أرسطو صادقة بصورة مطلقة، ونظرت [الكنيسة] إلى كل انحراف عنها على أنه بدعة ينبغي محاربته ومحاسبة من ينادي به. وهكذا اتقضى أن يدور البحث في نطاق الفلسفة الأرسطية ويؤول إلى تعزيزها، وأن يُهمل كل ما لا يتفق مع مبادئها".
33-وبعد أن اكتشفت أوروبا مرة أخرى آراء أرسطو عن طريق العالم العربي والإسلامي، كان اعتماد رجال الكنيسة المطلق على آراء أرسطو في الكون، والتي جعلته دينًا لا يعتريه الشك، فكان أحد أهم أسباب التخلف العلمي في القرون الوسطى.
34-يقول محمود زقزوق: "أضحى العقل الأوروبي خاضعًا لسلطتين كبيرتين هما: سلطة دينية تتمثل في الكنيسة، وسلطة عقلية تتمثل في سيطرة الآراء الأرسطية على العقول. وقد كان من نتيجة ذلك أن الغرب ظل مستعبدًا لهاتين السلطتين فترة من الزمان، فأغلقتا أمامه أبواب البحث، وضيقتا حدود الدراسة=
35- =وفرض رجال الدين هناك رقابتهم على الحركات العلمية والتفكير بكل أنواعه، فحرموا ما شاءوا وأباحوا ما شاءوا، وطاردوا أقوامًا وعذبوا آخرين".
36-احتكرت الكنيسة العلم، وأنزلت العقاب الشديد والحرمان لكل من يخرج على ما تقرره في الدين والعلم معًا. يقول كريم متى: "لم تكتف الكنيسة بوضع القيود على البحث في الطبيعة بل حظرت على الناس البحث في الذات الإنسانية بما لا يتفق مع تعاليمها، واتخذت من نفسها رقيبًا على ضمائرهم".
37-ولما دخلت مرحلة جديدة، وسوف تتجاوز وتنفصل عن مرحلة طويلة وهي مرحلة العصور الوسطى، وهي مرحلة عصر النهضة والعصر الحديث (Renaissance)، الذي بدأ مع فتح القسطنطينية سنة 1453م على يد العثمانيين. ووصف هذا عصر بـ: "أنه كَشَفَ العالم والإنسان".
38-وكلمة (Renaissance) مُقسمة من مقطعين: (Re) بمعنى إعادة أو من جديد، ومقطع (naissance) تعني الميلاد، فالمعنى هو: الميلاد الجديد، فكأن أوروبا عندما خرجت من العصور الوسطى قد ولدت من جديد.
39-وكان دخول أوروبا لهذا العصر الجديد له عدة أسباب رئيسة، منها: وجود الأندلس الإسلامية بجوار أوروبا، وسقوط القسطنطينيَّة: وفيها انتقل علماء اليونانية بتراثهم وما اكتسبوه من علوم المسلمين إلى إيطاليا، فحصل إثر ذلك إثراء للعلوم والآداب فيها، ومنها بدأ عصر النهضة إلى أوروبا كلها.
40-يقول وليم رايت: "عندما استولى الأتراك على القسطنطينية وقضوا على الإمبراطورية البيزنطية، وجاء معظم الباحثين اليونانيين [من القسطنطينة] إلى إيطاليا، وثارت فيهم الرغبة لفهم الفلسفة اليونانية القديمة من وجهة نظر عَلمانية. بدأ عصر النهضة".
41-وفي هذه المرحلة تم انفصال الدين عن الفلسفة: كانت عقائد الدين في القرون الوسطى موضوع تسليم يقيني عند المفكر المسيحي، ولهذا انحصر دور الفلسفة في الغالب في شرح مضامين العقيدة وتزويدها بالحجج والبراهين العقلية، فقد كانت الفلسفة خادمة للدين.
42-أما الفلسفة الحديثة فقد غلب عليها الاهتمام بالعلم والتزم الفلسفة بنـزعة تجريبية في تفكيرهم، ولم يعد الدين يتدخل في فكر الفيلسوف ليحد من حريته، ولم تعد الفلسفة خادمة للدين.
وكانت هناك عدة عوامل شكلت الفكر والوعي عند الأوروبيين قبل وفي عصر النهضة والحديث. ومن ذلك:
وكانت هناك عدة عوامل شكلت الفكر والوعي عند الأوروبيين قبل وفي عصر النهضة والحديث. ومن ذلك:
43-طغيان وفساد الكنيسة، صراع الكنيسة مع العلم، الإصلاح الديني، حركة الرشديَّة اللاتينيَّة وتفسيرها لتراث أرسطو.
44-و الرشديَّة اللاتينيَّة هي حركة في غاية الأهمية ويطول الحديث عنها، ولعل أهم ما يُقال عنها: أنها أول حركة حاولت الاستقلال بالعلم الطبيعي خارج إطار الكنيسة. وكانت بدايتها في جامعة السوربون في باريس بقيادة سيجر دي برابان وبويس الدنمركي.
45-كانت في بدايتها حركة علمية رائدة تستلهم ابن رشد أنموذجًا له. لكنها بعد ذلك انتقلت سريعًا من قاعات الجامعات إلى شتى المحافل الاجتماعية والشعبية وخرجت تيارات تحررية سياسية وأدبية وفنية. وانقسم الفكر منذ نشوئها إلى: تيار رشدي مضاد للكنيسة وتيارات دينية تدور في فلك الكنيسة.
46-فسحبت بساط أرسطو من الكنيسة، وفسرت تراثه من وجهة نظر عَلمانية مضادة للكنيسة، فحصل الصراع بينها وبين الكنيسة على هذا التراث هذا الرجل اليوناني.
47- ثم تلت تلك المراحل مرحلة أوروبية نبذ فيها التيار الرئيس التراث القديم، ومنه تراث أرسطو، ورأوا فيه السبب في التخلف، وتعلقوا بالعلم التجريبي واعتقدوا أنه هو وحده الذي يؤدي إلى المكتشفات المذهلة والملموسة.
48-انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...