وُلِدَ هذا العبقري الذي سَلَب دقائقي في دَمنهور، عاشَ في منزلٍ برجوازي وبيئةٍ رأسمالية، ثم انتقلَ إلى الإسكندرية وتنفّس جوّها الكوزموبوليتاني، ثم إلى نيويورك، ثم إلى السعودية، فإلى الكويت.. كل هذهِ التنقلات صنعت المَسيري، طوّرت من قدرته على التحليل، صقلت عُمقه في تفسير الظواهر.
«إنَّ حياتنا ستكون مُختلفة بعد رِسالة المسيري!» لكَ أن تتخيل عبقرية الرجل الذي قال هذا عنه المُشرف على رِسالته للدكتوراه. قالَ له أستاذه ماريوس بيولي -وهو من الثلاثة الذين ناقشوا رسالته- : «هذهِ الرِّسالة هي أحسن ما قرأت في حياتي الأكاديمية».
كانَ رمزًا للوفاء؛ لا يتناسى ذِكر من أفادَ منه أو أثر في شخصيته، لذلك تجد في رحلتهِ الفكرية أسماء كثيرة لشخصيات ساهمت في تكوينه الفِكري، ويذكر اسم الأمير الذي تكفّل بعلاجه، بل فوق ذلك؛ لقد أطلق على ابنته اسم نور، وهوَ اسم أستاذته نور شريف التي تعلَّم منها الكثير.
كانَ حركياً حتى آخر حياته، لا كغيرهِ مِن المُثقفين الذين يُخاطبون غيرهم من أبراجٍ عاجية. يُخالط الشباب ويُناقشهم ويشاركهم في الشارع. قابل مالكوم إكس وحاوره، خاض مناظرة حامية مع حاييم هِرتزوج (رئيس الكيان الصهيوني السابق)، أضجر تشومسكي بأسئلته الموغلة في العُمق.
عاشَ متأملاً في كل شيء تقريبًا، لديه قدرة عجيبة -يندر أن تراها في غيره- على تحويل الأحداث التي تمر به إلى أفكار! حتى النُّكتة -بمعناها الدارج- يخلص من خلالها إلى فكرة عميقة! أثرى الكبار ولم ينسَ الصغار، فاحتواهم بقصصِه الماتعة. كان إنسانًا حقيقياً، من خالَطه أحبه لصِدقه وسهولته.
عانى -رحمه الله- مُدة طويلة مِن المرض، وأظهر تجلدًا لا أحسِب أنه يتأتى إلا لِمن صدقَ بإيمانه. ماتَ في الثاني من يوليو ٢٠٠٨، وكانت جنازته حافلة. تلقف نعشه الشباب لعظيمِ أثره في الجيل بأكمله. قُبيل وفاته بأشهر سُئل عن حلمهِ، فأجاب: «حلمي الأساسي تحرير فلسطين».
تنبيه؛ أنا هُنا لا أُحاول أن أُتَرْجم له، فهوَ مِمن يصعب الحديث عنه في تغريداتٍ يسيرة؛ وإنما أردتُ إحياء ذكراه ببعضِ الكلمات التي أجدني مدفوعًا لضبطِ حروفها، فأنا مَدينٌ له، فلا أستطيع أن أبتلع ما أفدته منه وأصمت عن ذِكره وشكره. رحمه الله.
جاري تحميل الاقتراحات...